الكاتب.. الصوت والمنصة!

يتوقف الكاتب عن الكتابة كفعل مباشر مرئي، يتوقف -هذا إذا توقف- عن صنعة الكتابة اليومية، عن حياكة القماشة الكبيرة، عن نسج المعطف الوثير الذي يحيكه كل يوم ليلقيه على كتف العالم ثم يمضي هو وحيداً أو عارياً إلا من نفسه وفكرته، يتوقف حين تتجمّد أصابعه من البرد أو من خيالات تلوح في أفق النهار، توحي له بما ليس موجوداً، يتوقف لكنه لا يذهب بعيداً، فهو إذ يتوقف فلكي ينتظر حافلة تقلّه إلى حيث لا شيء يقف متجمّداً، إلى حيث يضج كل شيء بالحياة والأصوات!

لماذا علينا أن نتوقف أحياناً؟ لنكسر رتابة السرديات الكبرى التي لقنونا إياها، تلك التي تتحدث عن اللازم والضروري، والواجب، واللابد وكل شيء يحولك إلى «شيء» ككل الأشياء، شيء عليه أن يفعل، وعليه أن لا يفعل، وبين الاثنين قطيع كبير مطأطئ الرأس يبحلق كله في شاشات بلّورية، ويمضي إلى حتفه برضا، هو يتوقف كي يقفز خارج القطيع ليمنحه فرصة العبور ناقصاً «كاتب» فبعض الجموع من الأفضل للكاتب ألا يندسّ فيها، وأن يقف على ضفة الرصيف كعازفي الأرصفة المتسكعين، يقف ليعزف لحن خلوده الخاص!

لا بأس ونحن نتوقف أن نقرأ، بل يجب ألا نتوقف عن القراءة فرئة الكاتب نصفها كتابة وكلها قراءة وكتب وهواء، ولهذا فنحن إذا لم نكتب نكون في قلب الكتب، نقرأ حتى لنظننا غرقنا في بحار من الأفكار والحيوات والعناوين، يصير الكاتب هذا هو العالم، ونصير كجزيرة تحدّها الكلمات من جميع الجهات.

فنرى كل شيء مختلفاً، الناس، القضايا المطروحة، الأحاديث المتداولة، ثرثرة الإعلام الحديث، مرور الوقت، تلاميذ المدارس، الكتب، العشب النابت بين مفاصل الصخر، وحتى خيوط الجراحة التي يضمّد بها الطبيب جرحك الذي انفتح في قدمك اليمنى حين دست صباحاً على زجاج الكأس المكسور أسفل سريرك!

بعد هذا التوقف نعود، لنحفر في عروق الواقع، في كل ما يحيط بنا، في أنفسنا وفي الآخرين، فيما يهمنا ويهمهم، في كل ما يعبرنا ونعبره ويمر بنا ومن خلالنا، نكتب فيه وعنه وحوله؛ لأننا صوته، ألسنا الكُتاب الذين قال فيهم الكاتب اللبناني في جريدة النهار (نبيل خوري) ذات يوم: «نحن صوت من لا صوت له، نحن الذين نقول لا، حين لا يستطيع غيرنا أن يقولها»، نحن منصة البسطاء الذين يريدون أن يوصلوا صوتهم ومخاوفهم ووساوسهم وأحلامهم وطموحاتهم إلى كف الأيام علّها تغدق عليهم بالاستجابة.

لكن، وبشكل مباغت، ونحن نمارس هذا الدور، نسأل: ولكن ماذا عنا نحن؟ من يكون صوتنا ومنصتنا والكف التي تغدق علينا بالاستجابة؟

 

تعليقات

تعليقات