إنها مجرد كليشيهات

يحب أكثرنا ترديد مقولات معينة، لا يفكرون فيها كثيراً، لكنهم يكررونها كحقائق، أو كبصمة شخصية، المثقفون مثلاً، رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بعض الذين يخوضون في الشأن العام مثلاً، كل هؤلاء نجدهم يحرصون على قولبة بعض الظواهر، أي وضعها في إطار الحقيقة الدارجة.

وهي ليست كذلك أبداً، هذا ما يطلق عليه الفرنسيون مصطلح «كليشيه» أي الكلام الذي لكثرة ترديده صار مبتذلاً، معاداً ومكرراً، وفاقداً حيويته أو حميميته، أو مصداقيته أحياناً، فعبارة «اشتقنا لك» التي يرددها البعض على مسامعك ببساطة ليست حقيقية دوماً، وعبارة «نراك قريباً» لا تحمل معناها عادة لأن قائلها قد لا يفكر فيك أبداً بمجرد أن تغادره!

وعليه فمعظم الناس تكرر على مسامع بعضها كلاماً من هذا النوع باستمرار، وهو كلام لا يحمل معناه، لكنه يقال عادة في مناسبات بعينها، وأحياناً تتكرر عبارات تصف ظواهر محددة، يقولها المثقف أو الصحفي مثلاً وكأنه يطلق حقيقة أو معادلة رياضية، في الوقت الذي يحتاج الأمر إلى كثير من البحث والأرقام والمعلومات لجعل ما قيل محل ثقة ومصداقية.

كأن يتحدث كثير من المثقفين وأهل السوشيال ميديا عن الشباب العربي الذي لا يقرأ أبداً، أو عن جيل اليوم الذي لا قيم ولا جدية لديه، أو عن الماضي باعتباره زمناً جميلاً بالمطلق، أو..إلخ، هذه العبارات المقولبة بحاجة لإعادة غربلة أو نظر، كي تخرج من كونها مجرد كليشيهات عربية إلى ظواهر مدروسة يتم تناولها بحرص وعلمية!

لنأخذ مثلاً هذه الكليشيهات «الشباب العربي لا يقرأ، الشباب الخليجي كسول ولا يعمل، الخليجيون غير مثقفين، المرأة العربية مستلبة الحقوق» علينا أن ننتبه ونحن نصنع كليشيهات ثقافية بهذه الخطورة، لأنها تنتقل بسبب ثورة تقنيات الإعلام لتصبح حديث العالم، دون أن نتنبه لقضية التعديلات والتغييرات التي تطرأ على الحقائق التي نرددها منذ عشرات السنين.

وهو أمر يجب الالتفات له، فلا شيء يبقى ثابتاً على حاله أو في مكانه، حتى الحقائق النظرية التي نكررها ونعتقد أنها حقيقة مطلقة قد يطرأ عليها إضافات وتبدلات تغير شكل الحقيقة إن لم تغير جوهرها أحياناً، لننظر كيف تغير وضع المرأة في الخليج مثلاً، لننتبه كيف أصبحت بلدان الخليج صاحبة أكبر مبادرات ثقافية وجوائز أدبية في المنطقة!

مع ذلك فإننا نلاحظ وفي أحيان كثيرة كيف يتحول بعض الكلام المتداول إلى كلام كليشيهات عديمة المصداقية، تفتقد الدقة والمتابعة، خاصة حين يتصيد أو يمسك البعض مقولة أطلقتها التقارير العالمية لحقوق الإنسان أو تقارير أوضاع الصحافة في العالم الثالث أو تقارير التنمية البشرية في العالم العربي عن وضع القراءة مثلاً وتحديداً بين الشباب واليافعين، ليرددوها دون بذل شيء من الجهد الإحصائي والاستقصائي لإضفاء مصداقية وحيوية أكثر تربط المقولة العالمية بالوضع المحلي الذي نعيشه فعلاً!

 

تعليقات

تعليقات