معايير الكمال وصناعة المجاعة!

لا شك أننا نعيش حالة من الرفاه المادي ويسر العيش، نحمد الله عليها ليل نهار، كل شيء متوفر، كل الخدمات ممتازة، ولا أحد يشكو من أمر يخص شؤونه اليومية: الطرقات، الماء، الكهرباء، خدمات الاتصال، النظافة، المواصلات، الغذاء، العمل، التعليم، الصحة... إلخ، لا نتحدث عن الكمال ولا عن المثالية، لكننا نعيش رفاهية حقيقية ووفرة في كل شيء وهذا ما لا يمكن لأحد أن يجادل فيه، أو يشكك فيه، الأمر يحتاج إلى كثير من الشكر وتحاشي الهدر.. كما يحتاج إلى حسّ إنساني من نوع خاص!

بحسب منظمات الصحة والأغذية العالمية، فإن 800 مليون إنسان جائع يعيشون معنا على نفس الكوكب، وبحسب اقتصادات السوق العالمية وأرقامها فإن العالم ينتج ما يكفي لإطعام الكوكب، إذاً كيف تنتج المجاعات؟ الخطأ ليس في أن الأرض قاصرة عن إطعام سكانها، لكن في أن الإنسان صنع بإصراره وبميوله الجشعة حالة توزيع مختل للثروة حرم بموجبها ثلث سكان الأرض من الطعام.

وألقى بهم على تخوم الجوع والمرض والموت، كما وضع معايير مثالية للمنتجات يتم على أساسها إتلاف المنتجات المخالفة ليموت ملايين الناس ببساطة! بينما هناك ما يكفي لإنقاذهم بقليل من الإنسانية والعقلانية!

الحل يكمن في توجيه الثروة المهدورة من الخضروات والفواكه لإطعام هؤلاء، وبحسب أرقام المنظمات العالمية أيضاً فإن ثلث إنتاج العالم من الغذاء يتم إعدامه والتخلص منه لغير سبب وجيه سوى أنه لا يتماشى مع معايير السوق التي تشترط التناسق والتماثل وعدم وجود أي عيب أو تشوّه مهما كان صغيراً في شكل الفاكهة أو الخضروات.

لقد أكدت إحصاءات منظمات الغذاء أن هذه الكمية (المشوّهة) من الفاكهة والخضروات كافية لإطعام ضعفي عدد الجياع في العالم.. فقط لنتخيل كمية ومقدار الهدر الذي يمارسه الإنسان (المتحضر) في هذا العالم!!

تقول الأرقام الخفية أيضاً إن هذه الكمية المهدرة تحتاج سنوياً من أجل إنتاجها إلى ما يوازي كمية مياه نهر الفولغا العظيم أغزر أنهار أوروبا من حيث المياه، إضافة إلى كميات مهولة من الحبوب والأسمدة وساعات العمل والمزارعين، لكن ذلك يتلف ببساطة، لأن حبة الطماطم ليست مستديرة كما نحب، أو لأن ثمار اليوسفي ليست بالطعم المطلوب.

هذه القضية الخطيرة استدعت من مجلة ناشيونال جيوغرافيك الدولية، فتح ملف حول الوفر، والهدر الممكن تلافيه بأشكال متحضرة وواعية تجعل الإنسان يطور معاييره الإنسانية للطعام ولكارثة الجوع ليتمكن من قبول استهلاكها شخصياً أو توظيفها لصالح الجياع، فالكوكب مقبل على كارثة شح موارد بسبب هذا الهدر الذي نمارسه جميعاً كل لحظة، معتمدين على مسألة أننا بلاد خير ونعمة ورفاه.

 حسناً، علينا أن نفهم أن الهدر والتبذير أمر غير مقبول أخلاقياً ولا دينياً، وعليه لا بد من الانتباه جيداً!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات