خطر اندلاع حرب باردة مصغّرة ونشوء جدار برلين جديد على تخوم روسيا

صراع أوكرانيا يعيد رسم خارطة أوروبا

الأزمة الأوكرانية فاجأت بوتين وأربكت حساباته أرشيفية

قبل تسع سنوات، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن انهيار الاتحاد السوفييتي كان: "الكارثة الجيو سياسية الأكبر في القرن العشرين". وضعه للحدث التاريخي في خانة الكارثة، وليس في سياق نهج كان محكوماً بمثل هذه النتيجة، يعني أنه غير قادر على تجاوز آثاره كخسارة وعازم على العمل لتعويض ما أمكن منها. لم يتخلّص بعد من هاجس نفوذ ما قبل الانهيار. سعى إلى إقامة فلك روسي كبديل عن الفلك السوفييتي.

وباشر في هذا المسار من خلال جمع بعض الجمهوريات السوفييتية السابقة على الجانب الآسيوي، في إطار اتحاد جمركي، على أمل تطويره إلى تكتل تكون موسكو محوره. أما على الجانب الأوروبي فكان في حسبانه أن أوكرانيا ليست فقط واحدة في مثل هذه المجموعة، بل هي أيضاً ركن في المدار الروسي. القرب والتاريخ والروابط الثقافية والاقتصادية، جعلته يفترض بأنها "جزء من روسيا"، كما نسب إليه قوله مرة للرئيس الأميركي السابق جورج بوش.

لكن الأزمة الأوكرانية فاجأته، وأربكت حساباته. ليس فقط بزخمها وتوقيتها، بل أيضاً بعمق إصرار الجار الاستراتيجي على الانسلاخ عن "الفلك الأم". وهو إلحاح رأى فيه الغرب الأوروبي الأميركي مادة مغرية لتحجيم طموحات الرئيس الروسي وفرصة لتمدّد البيئة الأوروبية، بحيث تشمل أوكرانيا وبالنهاية روسيا نفسها "اللتين ستعودان يوماً إلى انتمائهما الأوروبي الأصلي"، على ما يرى الخبير الاستراتيجي زبغنيو بريجنسكي.

بذلك تحوّلت الأزمة إلى مسألة أبعد من مجرد "ربيع" ينشد الإصلاحات الداخلية، السياسية والاقتصادية. فهذه تأخرت، وفات أوانها. صارت معركة أبعد من تغيير نظام أو استبدال تحالف. وبقدر ما تطول وتتعقد بقدر ما تصبح مرشحة لتتحوّل إلى برلين ثانية.

احتمال باتت سيرته تتردّد بصورة لافتة في واشنطن، في ضوء تزايد انسداد طرق الحلّ. ففي تقدير معظم المتابعين، أن الأزمة دخلت في نفق اللاعودة، وأن محاولات التغيير الجارية في المناصب والصلاحيات، لا تتعدى محاولة شراء للوقت. خاصة من جانب الرئيس بوتين، الذي باتت خياراته شحيحة، ومعظمها مكلف ولا يخلو من المجازفات الخطيرة.

لقد ساهمت موسكو بوصول الأوضاع إلى مأزقها الحالي. فتعاطت مع الجار وكأن ارتباطه بها مسألة تحصيل حاصل. ولضمان هذه العلاقة التي افترضت موسكو دوامها، عمل سيّد الكرملين على شراء الولاءات الأوكرانية. جاهر بدعمه للرئيس الأوكراني يانوكوفيتش المكروه، مع أنه لا يطيقه كشخص كما يقال، لكي يبقى هذا الأخير على ولائه لموسكو. أهمية وحضور الشارع الأوكراني أو أي شارع آخر غير واردة في حسابات الرئيس بوتين.

ثم أنه ذهب في إمداد أوكرانيا بالغاز الطبيعي مع تأجيل الدفع، حتى باتت هذه الأخيرة غارقة بالديون لروسيا. فهي تعتمد بشكل أساسي على مصدر الطاقة هذا. وقد أدّى سوء الإدارة والفساد إلى تفاقم عجزها. وعندما حام شبح الإفلاس وربط الاتحاد الأوروبي التمويل بشروط، سارع بوتين وضغط على كييف لرفضها، وعرض تقديم قرض بقيمة 15 مليار دولار. وبعد تدهور الأوضاع، عاد الحديث عن توفير صفقة تعويم أوروبية بدعم وتشجيع أميركي.

بدخول الجارين الشرقي والغربي على خط الأزمة من بوابة المنافسة على الاستقطاب، ازداد تحوّل أوكرانيا إلى مسرح، تعلو فوقه خطب الحرص على السيادة وحق تقرير المصير من جهة ورفض التدخل الخارجي في الشؤون الأوكرانية، من جهة أخرى. لكن في الواقع يخوض أطراف الخارج معركة خرائط وتخوم ومدارات.

الواضح حتى اللحظة أن الجانب الروسي يواجه حالة صعبة. يحاول حصر العملية بالإصلاح وبالتخلي عن الرئيس يانوكوفيتش، لكن مطالب الشق الغربي من البلاد، على الأقل، تعدّت هذه الحدود بإصرارها على الالتحاق بركب الاتحاد الأوروبي.

وبذلك بلغ الوضع نقطة فاصلة. ثمة في واشنطن من يدعو إلى تشجيع تصلب هذا الإصرار ليأخذ مداه، من باب أن ظروفه باتت ناضجة. وفي المقابل ثمة من يدعو إلى الحذر الذي يتبدّى في الموقف الأوروبي إجمالاً، لئلا يؤدي الدفع في هذا الاتجاه إلى حشر موسكو في الزاوية، بحيث تلجأ إلى ورقة التدخل العسكري، بصرف النظر عن تداعياتها، على اعتبار أن موسكو بوتين ليست على استعداد للقبول بانسلاخ أوكرانيا عنها، ولا حتى جزء منها. خاصة إذا ما طلب فريق من الأوكرانيين، خاصة في القسم الشرقي الذي يتكلم اللغة الروسية وتربطه بموسكو علاقات ودّية، التدخل الروسي لحمايته.

ويقال إن الليونة التي تبديها موسكو الآن تدخل ضمن تهيئة الأجواء لحمل هذا الفريق على توظيف هذه الورقة كمبرر لأي عمل عسكري قد يقرّره الكرملين، إذا ما واصلت الأوضاع زحفها نحو الانفكاك عن الجار الكبير.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات