قضية

الانقسام والتدخلات الخارجية .. متلازمة تدمير الدول

عبر بوابة الانقسامات الداخلية في عديد من دول المنطقة، وجدت قوى دولية وإقليمية فرصة سانحة لاستثمار تلك الصراعات، من أجل العثور على موطئ قدم لها تُحقق من خلاله أهدافها المختلفة، ولم تعد عمليات تقاسم النفوذ في المنطقة سراً خافياً، حتى داخل الدولة الواحدة. ولقد أدركت شعوب المنطقة منذ وقت مبكر خطورة تلك التدخلات الأجنبيّة، لكن دون جدوى، في ظل تغلغلها وتجذرها.

وارتماء النخبة في بعض المجتمعات بأحضان تجاذبات إقليمية ودولية، وفق المصالح المشتركة، حتى صارت تلك التدخلات عرّاباً للسياسات الداخلية والخارجية لبعض تلك الدول، وصار الأجنبي متحكماً في مفاصل صناعة القرار.

وما الشعار الذي يرفعه المتظاهرون في العراق اليوم على سبيل المثال (إيران برّه برّه) إلا تعبيراً عن إدراك الشعوب لأثر تلك التدخلات الأجنبية التي وإن كان الانقسام الداخلي مُبررها فإنها في الوقت ذاته تزكيه وتزيده اشتعالاً على اشتعاله.

الانقسام الداخلي

تدفع حالة الانقسام الداخلي والصراعات المُستمرة إلى تهيئة البيئة الخصبة لتدخلات خارجية مباشرة، وبترحيب ولربما بطلب مباشر من أي طرف من أطراف الصراع.

كما في الحالة السوريّة التي استعانت فيها الحكومة السورية بطلب مباشر بكلٍ من إيران وروسيا، وقد نجح البلدان في إنقاذ النظام السوري، من انهيار كان حتمياً، كما المعارضة السورية تماماً التي تم توظيفها بشكل أو بآخر من قبل أطراف دولية، حتى صارت «مُعارضة متعددة الولاءات» لأجندات وطموحات دولية.

وما العلاقة الآنية بين تركيا وفصائل المعارضة التي اندمجت تحت ما يعرف باسم «الجيش الوطني» إلا تعبيراً واضحاً عن ولاء طيف عريض من المعارضة إلى تركيا، وتنفيذ أجندتها، وهو الأمر الذي تجلى بوضوح من خلال الدور الذي قامت به تلك الفصائل المُندمجة حديثاً ضمن العدوان التركي الذي أطلق عليه «نبع السلام»، والذي عكس جانباً من ارتهان قوى وفصائل المعارضة للأوامر التركيّة.

متلازمة الانقسام الداخلي والتدخلات الخارجية -كما يصفها المفكر السوري البارز الدكتور برهان غليون- وإن كانت بازغة في سوريا على ذلك النحو المُباشر والمؤثر.

فإنها «ليست حكراً على الحالة السوريّة»، لكنّها تمثل «قاعدة عامة»، تلك القاعدة التي يُمكن ببساطة معاينتها في حالات أخرى بمجتمعات منقسمة على نفسها، على أساس أن الفراغ السياسي والنزاعات المسلحة الداخلية هي أحد أهم الأسباب لتدخل أطراف خارجية في الشؤون الداخلية للدول.

وبالعودة لتحليل غليون، فإن التغلب على ما سمّاه «شهوة التدخل الأجنبي» تتم من خلال عدة نقاط رئيسة، أولاها «تجاوز النخبة عقمها السياسي وتمركزها على الذات، ورفضها قبول شركاء لها على الأرض وفي الجغرافيا ذاتها».

وفي الوقت ذاته فإنه «لن تولد نخبة وطنية تسمو بنفسها عن صغائر المحاصصة المادية والسلطوية على المستوى العام (..) إلا عندما يتطوّر الشعور بالمسؤولية عند النخب والقيادات الأهلية تجاه جماعاتها ومناطقها وأحيائها التي تمارس الزعامة عليها» وعندئذٍ، تبرز ضرورة التعاهد وإرساء مبادئ مشتركة وثابتة، من بينها عدم القبول بأي تدخل خارجي.

العراق نموذجاً

من أبرز النماذج بشأن تلك «المتلازمة»، نموذج التدخل الأجنبي في العراق الذي بدأ مبكراً بشكل واضح، وظلّ يتطور أكثر فأكثر، حتى سقط العراق تحت هيمنة قوى خارجية تمتلك نفوذاً داخلياً مؤثراً وتسيطر على مفاصل الدولة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

بينما يُراهن العراقيون على الحراك الشعبي -مع تزايد الوعي بخطورة ما أفرزه ذلك التدخل من آثار مُدمرة على جميع نواحي الحياة السياسية في العراق- وهذا ما بدا من خلال هتافات العراقيين في انتفاضتهم الأخيرة، ومن بينها: «إيران.. برّه برّه». يمر العراق بظروف صعبة حالياً، بسبب الهيمنة الأجنبية، والهيمنة الأمريكية والإيرانية.

والإيرانية بشكل مباشر وخاص جداً، سواء الهيمنة المذهبية أو بحكم الحدود وبحكم المصالح وبحكم التاريخ، وحتى بحكم الخلاف الأمريكي الإيراني، والصراع المحتدم على العراق. تلك التدخلات الأجنبية -التي يتحدث عنها المحلل السياسي العراقي عبد الكريم الوزان، في حديثه مع «البيان»- تأتي في خطٍ متوازٍ مع التدخلات الأجنبية في شؤون دول المنطقة.

وهي التدخلات التي زاد الوعي الشعبي بخطورتها، حتى دفعت الكثير من الشعوب إلى إعلان رفضها للنخب السياسية المنصاعة لتلك التدخلات أو للأجندات الأجنبية المختلفة، أو التي ترتبط بأجندات خارجية.

رهان مواجهة تلك التدخلات -في تقدير الوزان- يكون أساساً رهاناً شعبياً، وهو في ذلك يتحدث عن «انتفاضة الشعوب في مواجهة التدخلات الأجنبية، للضغط على الحكومات».

ويقول: «هذه الهيمنة لا يمكن الخروج منها في العراق إلا أولاً: بثورة شعبية عارمة تعتمد على وعي كامل، وقد تحقق الوعي بفضل وسائل الإعلام والتكنولوجيا ووسائل التواصل المختلفة.. وثانياً: تفهم العالمين العربي والإسلامي إضافة إلى المجتمع الدولي لما يجري في العراق، وتقديم المساعدة الممكنة».

واستمرّ بالحديث عن مواجهة التدخلات الخارجية في العراق وسبل مقاومتها، بقوله: «يتحقق ذلك الآن باستمرار الثورة وإعلان العصيان المدني والمناداة بطرد الهيمنة الأجنبية خارج العراق، وبالذات الإيرانية..

هذه الأمور مجتمعة تؤدي إلى طرد القوى الأجنبية في العراق (..) الجميع يرفضون الوعود الكاذبة التي تقال منذ 2003، وهناك إصرار شعبي على رفض تلك الهيمنة ورفض الطبقة السياسية الحاكمة برمتها».

والعراق نموذج من الدول العربية التي اكتوت وتكتوي بنيران التدخلات الأجنبية المُدمرة، لا سيما منذ عام 2003، تلك اللحظة الفاصلة التي أفرزت واقعاً جديداً لم يستفق منه العراق إلى يومنا هذا.

خُطة مُمنهجة

وفيما تتعدد التدخلات الأجنبية في شؤون دول المنطقة التي تعد مطمعاً وهدفاً رئيساً لقوى إقليمية ودولية، يُمكن الإشارة هنا إلى إيران كنموذج لتلك التدخلات، لا سيما أنها تنطلق من أهداف ليست سياسية فقط، بل عقائدية أيضاً، ما يجعل من التدخلات الإيرانية نموذجاً خطيراً لتلك التدخلات التي تكتوي بها عديد من الدول.

تنتهز طهران الأوضاع المتأزمة في البلدان المستهدفة ضمن استراتيجياتها الرامية إلى استعادة «الإمبراطورية»، وهو ما تسعى إليه في عددٍ من البلدان، من بينها سوريا والعراق واليمن. وبعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979، سعى ذلك النظام وراء تصدير ثورته إلى جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، ليؤسس لنفسه ركائز ودعامات يحمي بها كيانه الجديد.

واستخدم في طريقه لتحقيق هذا الهدف، كل ما بحوزته من أدوات وأوراق حتى يبسط نفوذه في المنطقة من خلال فكرة تصدير الثورة، ومن هنا خرج بشعار «دعم المستضعفين». وفي الحقيقة يمكننا القول إن المعنى الدفين وراء هذا الشعار هو«استغلال المستضعفين»، على حد تعبير الباحث في الشؤون الإيرانية، أحمد أمير.

تغلغل المد الإيراني في المنطقة مثل الزئبق ليملأ الفراغات السياسية الناتجة عن اضطراب الأوضاع في بعض دول المنطقة، ورسم لنفسه صورة الداعم لحقوق المظلومين، وعلى الرغم من أن تاريخ الأحداث أثبت عكس ذلك. ويضيف أمير، في حديثه مع «البيان»:

«لقد استغل النظام الإيراني الفراغات السياسية التي برزت في دول مثل اليمن ولبنان والعراق، من جراء ضعف هذه الدول وظهور جماعات فاعلة من دون الحكومات سعت بفوضوية وراء فرض هيمنة أيديولوجية، نرى تقارباً بينها وبين توجه نظام الحكم في إيران، مثل ميليشيا الحوثي في اليمن أو «حزب الله» في لبنان، أو من سار على دربهم في العراق من أحزاب سياسية وميليشيات الحشد الشعبي.

أهمية استراتيجية للمنطقة تستجلب الأطماع والنزاعات

تشهد منطقة الشرق الأوسط، على وجه خاص، خريطة مُنوعة من التدخلات الخارجية، ومناطق النفوذ في عديد من الدول، وحتى على صعيد الدولة الواحدة.

وتبزغ في تلك الخريطة قوى إقليمية صاحبة مطامع وأجندات خاصة (مثل تركيا وإيران وغيرهما)، جنباً إلى جنب والتدخلات الدولية الأخرى. تتنازع تلك القوى فيما بينها على «كعكة» النفوذ والسيطرة بالشرق الأوسط، لما تزخر به تلك المنطقة من أهمية استراتيجية خاصة، وعوامل جيوسياسية جاذبة.

ذلك التنافس الذي تُسهل مأموريته وأهدافه وتشجعه الانقسامات الداخلية بتلك الدول، يجعل تلك القوى تتخندق أحياناً في خندق واحد، وتبرم اتفاقات ثنائية أو ثلاثية فيما بينها (مثلما هو الحال في الاتفاقات التركية الروسية الإيرانية الخاصة بالعملية السياسية في سوريا على سبيل المثال) لترتيب الأوضاع فيما بينهم، أو تتباعد وتنفصل وتختلف على «الكعكة».

يقول مساعد وزير خارجية مصر الأسبق، السفير محمد المنيسي، إن مسألة التدخلات الخارجية في شؤون دول المنطقة هي تدخلات قديمة جداً، اتخذت أشكالاً وأبعاداً وأهدافاً مختلفة على مدار التاريخ، حتى أن مصر الحديثة على سبيل المثال، قد نالت نصيباً وافراً منها منذ عهد محمد علي باشا نفسه وأسرته.

وأشار، في تصريحات لـ«البيان»، إلى أنه «مع الأسف الشديد، في الوقت الحالي، التدخلات تأتي بعضها من دول داخل المنطقة نفسها، ونضرب هنا على سبيل المثال التدخلات والأطماع الإيرانية في وهم إعادة تأسيس إمبراطوريتها في الشرق الأوسط، وكذا الأطماع والأوهام التركيّة، وأحلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في استعادة الإمبراطورية العثمانية».

تأتي تلك التدخلات في خطٍ موازٍ مع التدخلات الأجنبية الأخرى من قوى دولية كبرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا. ويقول المنيسي: «نضرب هنا مثالاً ما يحدث في شمال سوريا على وجه التحديد، حيث الولايات المتحدة وتركيا وروسيا وإيران.. وجميعها تدخلات وجدت لتبقى لفترة طويلة من الزمن».

وقال إن الانقسامات الداخلية التي قادت إلى التدخلات التي حدثت في سوريا «هي التي أدت إلى وجود إيران بقوة في سوريا، ووجود روسيا بشكل قوي وشبه دائم أيضاً»، مشيراً إلى أن الانقسام الداخلي كان عاملاً رئيساً في تنامي تلك التدخلات.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات