أفريقيا الساحة البديلة للإرهاب

Africa OK

على مدار عقود مضت، وبخاصة منذ مطلع التسعينات، شهدت القارة الأفريقية تنامياً ملحوظاً للجماعات المتطرفة التي أخذت تتوسع يوماً تلو الآخر، على وقع العديد من العوامل التي وفّرت مناخاً مناسباً لنمو تلك الجماعات؛ سواء العوامل السياسية أو الاقتصادية وكذا الاجتماعية والثقافية وغيرها، حتى ظهرت جماعات مثل حركة بوكوحرام في نيجيريا وأنصار الدين في مالي وشباب المجاهدين في الصومال،.

إضافة إلى تنظيم القاعدة في المغرب ونشاطاته وبصماته في مالي والنيجر وموريتانيا، حتى خلايا «داعش» في القارة السمراء، وغيرها من الجماعات الأخرى التي وجدت في أفريقيا بيئة خصبة لأفكارها وعمليات الاستقطاب التي تقوم بها، على اختلاف منهجية كل تنظيم ومع الاختلافات الأيدلوجية بينهم بشكل خاص.

وفي ظل الخسائر التي مُني بها تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق، صار المهرب والملجأ المناسب له هو أفريقيا، وهذا ما أكده وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، والذي قال في تصريحات لقناة «فوكس بيزنس» فبراير الماضي - إن مقاتلي «داعش» بعد إلحاق الهزيمة بهم سوف يزحفون من سوريا إلى دول أفريقية.

ولفت إلى أن «مقاتلي داعش يحاولون منذ فترة الهروب والتمركز في أفريقيا»، وخصّ بالذكر «شمال ليبيا» كوجهة أولى. وذلك أيضاً ما أكده في تصريحات سابقة مساعد سكرتير مجلس الأمن الروسي ألكسندر فينيديكتوف، والذي كشف عن أن جزءاً من المسلحين الدواعش انتقل إلى أفريقيا بعد هروبه من سوريا والعراق، وقاموا هنالك (في أفريقيا) بتشكيل خلايا من «القاعدة» و«داعش».

توصف أفريقيا بأنها صارت ساحة بديلة للإرهاب بصفة عامة، وبشكل خاص الإرهاب الداعشي، تلك الساحة الشاهدة على بزوغ العديد من الجماعات الإرهابية خلال العقود الماضية والتي استهدفت بعضها ضرب المصالح الغربية في القارة.

فتقرير مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية (الصادر في ديسمبر الماضي) لفت إلى أن «مناطق الصراعات في أفريقيا مرشحة لتكون مسرح العمليات الإرهابية المقبلة» وخص بالذكر الصومال ونيجيريا وأيضاً الكونغو وموزمبيق وما شهدته تلك البلدان من عمليات العام الماضي. وذكر أن «تفاقم الصراعات العرقية في قلب القارة السمراء يزيد من هذا التوقع».

يؤكد ذلك أيضاً التقرير الصادر مطلع شهر مارس الجاري عن مركز التفكير الأمريكي حول الأمن «ستراتفور»، والذي أكد التزايد الملحوظ لتدفقات المقاتلين الأجانب إلى دول أفريقية خلال العام الماضي بصفة خاصة، تحت وطأة هزيمتهم في سوريا والعراق. وأن تلك العناصر قامت بالالتحاق بتنظيمات أخرى تسعى إلى إقامة دويلات لهم (على نهج داعش) بما يشكل خطراً داهماً على القارة.

يدعم ذلك تضاعف أعداد التنظيمات المتشددة في القارة، طبقاً لتقرير صادر عن المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية مطلع العام الجاري، ذكر أن 13 دولة أفريقية شهدت هجمات إرهابية في العام ذاته.

واللافت أن تنظيمي «القاعدة» و«داعش» باعتبارهما نسختين من الإرهاب العالمي «كان وجودهما مرتبطاً بالأساس بالقارة الآسيوية»، والآن بدأت تظهر نسخة ثالثة بديلة مقرها ومركز انطلاقتها القارة الأفريقية؛ على أساس أن الوقائع الراهنة كل تؤشر على أن مسرح العمليات وساحة حركة المتطرفين ميدانها العديد من بلدان الساحل والصحراء علاوة على وسط وشرق أفريقيا.

الإرهاب في أفريقيا

هذا ما يؤكده الباحث السوداني في شؤون الجماعات المتطرفة الهادي الأمين خلال حديثه مع «البيان»، والذي يعود إلى الوراء حتى حقبة التسعينات التي شهدت انتشاراً واسعاً للتطرف الديني في العديد من الدول الأفريقية، وحتى العام 2012 عندما نشطت أيضاً العديد من الخلايا والتشكيلات العسكرية في عدد من الأقطار الأفريقية؛ لتوسيع خارطة انتشارها من جديد متخذة من شمال مالي وجنوب الجزائر مسرحاً لانطلاق عملياتها العسكرية بعد الاضطرابات التي شهدتها دولة مالي بغرب أفريقيا .

حيث ظهرت (جماعة التوحيد والجهاد، وحركة أنصار الدين، والملثمون، والموقعون بالدماء) بجانب الوجود السابق للقاعدة (بلاد المغرب).. وفتح شهية هذه الفصائل للتمدد سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا وبروز (أنصار الشريعة وفجر ليبيا) واختراق المقاتلين لدولة النيجر ووصول المتطرفين للعمق التشادي بارتكازهم بالقرب من بحيرة تشاد واتصالهم مع (حركة بوكو حرام) في نيجيريا.

وطبقاً لذلك تحولت غرب أفريقيا لملاذٍ وحاضنٍ جديد للمتطرفين الأفارقة، واتجه العديد منهم صوب العراق وسوريا بعد إعلان ما سُمي بـ«الخلافة» وتدفق مجموعات كبيرة منهم للالتحاق بصفوف «داعش» والقتال تحت راية أبو بكر البغدادي، واستمر هذا الوضع حتى العام 2017 حتى انحسار نشاط «داعش» في كل من سوريا والعراق، وتزايد الضربات الجوية والبرية على التنظيم من جانب التحالف الدولي لمحاربة «داعش».

وفي العام 2018 حدثت الهجرة العكسية من خلال العودة الجماعية للمقاتلين الدواعش من القارة الآسيوية صوب البلدان الأفريقية ليتلاقى القادمون مع القدامى بهدف تشكيل منظومة إرهابية عالمية جديدة تتخذ هذه المرة من القارة الأفريقية منطلقاً لعملياتها بعد تهيؤ الأوضاع بالعديد من الأقطار التي تعاني من ارتخاء وهشاشة في وضعها الداخلي.

البيئة المواتية

توجه مقاتلو «داعش» بصورة خاصة إلى أفريقيا باعتبارها ملاذاً آمناً تتوافر في كثيرٍ من أنحائه الحاضنة والبيئات المناسبة للسيطرة واستقطاب عناصر جديدة هو أمر ليس بجديدٍ، على أساس أن التنظيم سعى منذ سنوات ومنذ إعلان خلافته المزعومة إلى تحقيق اختراقات واسعة في القارة مستغلاً مناخ التوتر في أكثر من دولة.

ولا سيما في ليبيا في العام 2015، لكن ــ وبحسب الباحث المغربي المتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة الدكتور إدريس الكنبوري - فإن الخطر يتزايد مع تدفق العائدين إلى أفريقيا بعد دحر التنظيم في سوريا والعراق.

ويُمكن هنا الإشارة إلى الإحصائية التي أماط عنها اللثام مسؤول بالاتحاد الأفريقي، وهو مفوض الأمن والسلم إسماعيل شرقي، قبل نهاية العام 2017، والتي أوردتها وكالة الأنباء الجزائرية، عندما ذكر أن عدد الدواعش في سوريا والعراق الذين هم من جذور أفريقية يصل إلى ستة آلاف مقاتل، محذراً مما يشكله ذلك العدد الهائل من تهديد.

وفي منتصف العام 2018 قال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، خلال اجتماع للتحالف الدولي إن أكثر من عشرة آلاف مسلح ينتمون لتنظيمى «داعش» و«القاعدة بلاد المغرب» موجودون في قارة أفريقيا، بحسب ما نشرته وكالة الأنباء الفرنسية في 27 يونيو 2018.

ورقم الستة آلاف داعشي المذكور، يعتقد المحلل المغربي بأنه ربما يكون تقديرياً، والعدد الحقيقي ربما يكون أكبر من ذلك بكثير، وهؤلاء جميعهم «يشكلون حطب جهنم في المنطقة على المدى القريب والمتوسط»، مشيراً إلى أنه «لا يجب الربط بين فقدان التنظيم المساحات الجغرافية التي يسيطر عليها ونهاية أفكاره.

فقد يفقد التنظيم سيطرته لكن أفكاره التي يرتبط بها الشباب الذين وهبوا أنفسهم للتنظيم لا تزال قائمة وتشكل حجر الأساس الذي يرتكز عليه داعش والجماعات المتطرفة الأخرى في أفريقيا».

والفرصة الأكبر التي قد تُعيد للتنظيم بعضاً من بريقه السابق ــ في تصور التنظيم ذاته - مرتبطة بالتحالف مع جماعات متطرفة محليّة في دول غرب وشمال أفريقيا بشكل خاص، سواء كانت جماعات صغيرة ترغب في تسليط الضوء عليها بالتحالف مع تنظيم إرهابي دولي مثل داعش، أو التحالف الأخطر والمرتبط بالتحالف مع تنظيم القاعدة، فعلى رغم الخلافات العقائدية بين الطرفين، إلا أن الكنبوري يشير إلى إمكانية حدوث نوع من «التحالف التكتيكي» من باب «وحدة العدو» من وجهة نظرهما.

قاعدة كبيرة

وإجمالاً، يعتقد الباحث المصري في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي منير أديب، بأن «فرص داعش أكثر قوة في أفريقيا، ويحاول أن يبحث عن أرض بديلة له في هذه القارة التي يبدو أن نسب التعليم فيها أقل وعلاقة بعض العواصم الأفريقية بالإسلام تبدو ضعيفة ويبدو أن القدرات الأمنية لبعض تلك العواصم ضعيفة أيضاً، فضلاً عن أن فكرة التنسيق المعلوماتي والأجهزة الاستخباراتية أيضاً إمكاناتها في بعض الدول تبدو ضعيفة، وهذا قد يتيح لتنظيم داعش البحث عن بديل له في القارة السمراء».

ويأتي تركيز التنظيمات المتطرفة على أفريقيا لمحدودية الخيارات التي تواجهها الآن، فكما يقول أديب، فإن تنظيم داعش يقف أمام خيارات محدودة تحدها الكثير من العقبات، فقد يبحث عن مكان له في آسيا الوسطى بخاصة في منطقة القوقاز وأفغانستان وإن كان الأمر يبدو صعباً على اعتبار أنه مرتبط بقوة تنظيم القاعدة هناك..

بينما في أوروبا وأستراليا والأمريكتين فإن التنظيم يتواجد من خلال الخلايا أو الذئاب المنفردة، وبالتالي لم يبق أمامه إلا قارة أفريقيا، بخاصة أن عشرات التنظيمات الصغيرة هناك، عندما تم إعلان ما سمته داعش بالخلافة وجد هؤلاء إعلان المبايعة للتنظيم استشعاراً بفكرهم تصوراتهم الخاطئة، واكتسب قاعدة في القارة بذلك.

ويأتي ذلك إضافة لاحتمال لم تظهر مؤشراته بعد في تصور أديب - أن يتحالف داعش والقاعدة معاً باعتبارهما في مرحلة تسمى في أدبيات تلك التنظيمات مرحلة المحنة.. وهذا التحالف إن تم يُفرز تنظيماً أكثر قسوة.

«داعش» يحاول تعزيز مواقعه في ليبيا

في ليبيا وباعتبارها ــ طبقاً لتصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو - الوجهة المفضلة للعناصر الداعشية الهاربة من سوريا والعراق، فإن القيادة العامة للجيش الليبي تستعد لهذه المرحلة (تدفقات داعشية متزايدة على ليبيا عقب خنق التنظيم في سوريا والعراق واضطراره للهروب إلى أفريقيا) استعداداً خاصاً، لذا نفذ الجيش الوطني الليبي حملة عسكرية لفرض القانون وسلطة الدولة في الجنوب الليبي.

مستهدفاً قيادات تنظيم القاعدة بالمغرب العربي، وإعادة تفعيل المنظومات الأمنية لتأمين الحدود مع دول الطوق الجنوبي لليبيا، إضافة إلى التعاون مع الدول الإقليمية المعنية بليبيا كإيطاليا وفرنسا، لمحاربة الإرهاب والهجرة غير الشرعية.

استراتيجية الجيش

ذلك طبقاً للمحلل السياسي الليبي إبراهيم بلقاسم، والذي يقول إن «الاستراتيجية التي يتخذها الجيش الليبي في الجنوب ترتكز على استهداف قادة تنظيم القاعدة في المغرب العربي على مستوى القيادة في المرحلة الأولى، وقد تم إسقاط 12 قيادياً من التنظيم في مدينة أوباري الليبية.. الجيش الليبي استطاع القضاء على قادة لتنظيم داعش في ليبيا.

كما تم القضاء على قادة لتنظيم داعش في سوريا والعراق، والآن المخاوف أن تنضم العناصر التابعة لتنظيم داعش المشردة في الصحراء بين دول تشاد والنيجر والجزائر إلى تنظيم القاعدة وأن يتحالفوا باعتبار أن قيادات تنظيم القاعدة المغرب العربي، مازالت تنشط في المنطقة، وأن الجيش الليبي سلم مهام القضاء على عناصر التنظيم على مستوى الأفراد لأجهزة الأمن».

والصحراء الكبرى التي تتقاسمها دول الساحل والصحراء الأفريقية تعد ملاذاً آمناً لآلاف الدواعش. وكانت الأمم المتحدة قد قدّرت في تقرير لها في أغسطس الماضي - عدد الدواعش في ليبيا بحوالي من ثلاثة إلى أربعة آلاف.

وكذا في منطقة الساحل ينشط داعش في الصحراء الكبرى على الحدود بين مالي والنيجر. وطبقاً للتقرير ذاته فإن «تنظيم داعش لديه نوايا بالتوسع في وسط وجنوب الصومال، وقد يختار عدد من مقاتلي التنظيم التوجه إلى بونتلاند (شمال شرق الصومال)».

وبالعودة لحديث بلقاسم مع «البيان»، فإنه يشير إلى تفعيل الغرفة الأمنية المشتركة لتأمين الحدود ومحاربة الإرهاب بين دول الطوق الليبي (السودان والنيجر وتشاد والجزائر)، إضافة إلى أن إيطاليا تستعد للالتزام بدورها في تفعيل منظومة حماية الحدود الجنوبية الليبية بحسب اتفاقية الشراكة والصداقة الليبية الإيطالية الموقعة في 30 أغسطس 2008 بمدينة بنغازي.

ويشدد على أن «خطر عودة عناصر تنظيم داعش إلى الصحراء الليبية سيجعل دول الجوار وجنوب أوروبا هدفاً للإرهاب، وإن ما لم تلتزم هذه الدول بدورها بدعم الجيش الليبي والدفع نحو استقرار ليبيا ستعاني أكثر مما عانته ليبيا في السنوات الماضية»، على حد قوله.

وثمة فرص خاصة تستغلها العناصر الإرهابية الداعشية ضمن محاولة التوسع في ليبيا كأحد المنافذ لها في أفريقيا بعد ما تعرضت له من ضربات قاصمة في كل من سوريا والعراق، من أبرز تلك الأمور حالة الانفلات الأمني، وهو ما يؤكده المحلل الليبي رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الليبي الجامع محمد العباني، الذي يشير إلى محاولات داعش لاستغلال الانفلات الأمني وكذا الخلافات بين السياسيين، بالإضافة إلى وجود «تيارات مؤدلجة» تواجه الجيش وتمنع التقدم في الغرب الليبي.

مجموعات خاسرة

ويتهم السياسي الليبي «مجموعات خاسرة في المواجهات داخل الدولة الليبية وليس لها حاضنة شعبية وتلتجئ للعنف بجلب هذه الفئة (الدواعش) التي تأتي من الدول التي يوجد بها توترات وخلافات، وذلك في مقابل تحطيم الخصم، هذه الفئة تساند الإرهاب والإجرام بل وتدفع لهم الأموال مقابل الخراب والتدمير؛ لتدمير الخصم». فيما يلفت إلى عدم وجود عناصر داعشية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش مثل المنطقة الشرقية وأغلب مناطق الجنوب.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات