ليبيا.. ضحية النزاعات الداخلية والأطماع الخارجية

أصبحت ليبيا أرض النزاعات الداخلية والأطماع الخارجية، بحيث باتت كعكة يحوم حولها الغرب، وكل طرف يحمل في جعبته لائحة لا تنتهي من الأسباب الخاصة التي يشرعن بها حقه في إدارة الملف، فتعدُّد اللاعبين الخارجيين وشدة الصراع بين الأطراف الليبية، يجعلان مربع التوافق أصغر من أن يتحمل كل هؤلاء الشركاء الغرماء. وعليه فالصراع الفرنسي الإيطالي على النفوذ في ليبيا لم يعد خافياً على أحد، وبدأ يأخذ أبعاداً خطيرة، ويبقى الخاسر الوحيد من هذا الصراع هم الليبيون أنفسهم.

الأسبوع الماضي، أعلن نائب رئيس الوزراء الإيطالي وزير الداخلية ماتيو سالفيني، «عدم رغبة فرنسا في تهدئة الأوضاع في ليبيا». وأضاف الوزير الإيطالي في تصريح للقناة التلفزيونية الخامسة أنه في إطار الحرب الدبلوماسية بين البلدين فإن فرنسا لا ترغب في استقرار الأوضاع في ليبيا، ومرجحًا ذلك بسبب تضارب مصالحها النفطية مع مصالح إيطاليا، وفق قوله.

كلام المسؤول الإيطالي لا يؤخذ بصحته دون أدلة كافية، لكنه يقدم دلالة على حجم الخلافات الدولية حول النفوذ في ليبيا. الساحة الليبية أصبحت ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية بامتياز.. ويدفع الثمن المبعوث الأممي غسان سلامة الذي يبدو أن مهمته تعاني من عدم وحدة المجموعة الدولية ومن الصراعات الإقليمية، وبالطبع من نزعات بعض الأطراف المحلية والدولية لإفشال اتفاق باريس بأي ثمن.

الصراع القائم اليوم على ليبيا هو صراع المصالح الأجنبية، وهو صراع في منطقة البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء التي تشكل فيها ليبيا أهمية جغرافية.

الوضع السائد أمنياً وسياسياً والمرتبك والمربك اقتصادياً له تأثير على منطقة البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء، وكل دولة من هذه الدول تنظر إليه من زاوية أمنها وتحالفاتها ومصالحها، وكل منها لها وصفة لحل الأزمة الليبية، ليفتح بذلك فصلاً جديداً في المشهد الليبي الذي تتقاذفه أمواج عاتية لا يبدو أنها ستمنحه فرص الرسو على شاطئ سلام.

عرقلة

ساهمت التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية الليبية في عرقلة دور المؤسسة العسكرية والتخفيف من أهمية الدور الذي يلعبه الجيش والشرطة في حفظ الأمن الوطني والسيادة الليبية على حساب تغذية الولاءات القبلية التي أضحت الأولوية للكثير من المواطنين الليبيين، كذلك تؤدي دول الجوار دوراً كبيراً في عملية الصراع، حيث تتواجد فرنسا عسكرياً في تشاد والنيجر على الحدود الجنوبية لليبيا، وهو ما يساعد من حضور فرنسا في ليبيا بعكس إيطاليا التي تعتمد على تاريخها القديم باعتبار ليبيا دولة كانت واقعة تحت الاستعمار الإيطالي، هنا تتقاطع وتتضارب وصفات الحلول في بلد تتقاذفه الأطماع الدولية الساعية لوضع يدها على ثرواته النفطية.

مؤتمر باريس، الذي عقد في 29 مايو الماضي، وجمع للمرة الأولى الفرقاء الليبيين الأربعة الأكثر تأثيرا في المشهد السياسي والعسكري، حاول من خلاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تسجيل هدف بشباك روما، تحت عنوان كسر الجمود بوضع خارطة طريق لإنهاء الانقسام السياسي في ليبيا

حراك باريس المنفرد أعاد التنافس الإيطالي الفرنسي إلى الواجهة، وأثار غضب الجارة الإيطالية واللاعب المحوري بالملف، والتي أبدت انزعاجها ورفضها التام لمؤتمر باريس، وانتقد الساسة هناك غياب بلادهم عن المشهد، باعتبارها عراب الجهود الدبلوماسية في ليبيا، إذ رأوا في الخطوات الفرنسية محاولة للصيد بالماء العكر وسحب البساط من تحت أقدام روما.

مجابهة

انخراط الفرنسي المُتزايد في الملف الليبي، والذي كان أهم إرهاصاته مؤتمر باريس، والذي تم فيه التوافق على عقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية لكن لم يتم احترام المواعيد، دفع إيطاليا لمحاولة مجابهة هذا التدخّل وتحجيمه، خاصة بعد فشل القمّة الأوروبية الطارئة حول مكافحة الهجرة. فيما نظمت روما مؤتمر باليرمو في يوليو الماضي قالت إنها تسعى من ورائه لتحقيق الاستقرار في ليبيا، وأن تكون إيطاليا هي البلد الرئيس لحل الأزمة الليبية ورعاية الملف الليبي، لكن لا مؤتمر باريس ولا باليرمو نجحا في تحقيق أي اختراق للأزمة الليبية.

حيث لم ينجح مؤتمر باريس المنعقد نهاية شهر مايو العام الماضي في تجاوز حالة الاقتتال والانقسامات الداخليّة الليبيّة ومؤتمر باليرمو الذي لم يحقق أي اختراق ليس سوى دليل واضح على فشل سالفه في باريس في تحقيق أهدافه.

من أجل مواجهة الدور الفرنسي، بدأت إيطاليا عبر كل من وزراء خارجيتها ودفاعها وداخليتها بجانب سفيرها في طرابلس، في العمل على تأجيل الانتخابات بالتوازي مع تنفيذ الخطة الأوروبية في الجنوب الليبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية. ومما يؤكد أيضاً التنافس الشديد بين البلدين على النفوذ في ليبيا نجد الإيطاليين، وهم يلحون باستمرار خاصة في الآونة الأخيرة على حصر المبادرات الرامية لحل الأزمة الليبية في يد البعثة الأممية دون غيرها، وهذا ما ترفضه فرنسا، مؤكداً بأن الإيطاليين، هم أيضاً قد أغضبوا فرنسا عندما احتضنوا مؤتمراً للمصالحة بين قبيلتي التبو وأولاد سليمان في روما في مارس عام 2017م.

آمال

الآمال المعلنة للرئيس الفرنسي الذي جعل ليبيا إحدى أولويات سياسته الخارجية، وكشفت عنها الرئاسة الفرنسية يعتريها بعض الشكوك، إذ يشير المراقبون إلى أن باريس لديها مآرب أخرى أبرزها احتكار المشهد السياسي الليبي، وتعزيز نفوذها على حساب دول أخرى فاعلة في الملف وفى مقدمتها إيطاليا، ويهدف الدور الخفي للأطماع الخارجية الداعم بعضها لمبدأ التقسيم إلى تسهيل مهامها المستقبلية في إخضاع الكيانات والاستنزاف وفق مصالحها وفي الواقع، فإن أكثر ما تخشاه إيطاليا هو ضرب فرنسا لمصالحها ولسياستها في ليبيا، والقائمة بشكل أساسي على دعم السراج، والحفاظ على موقف دولي موحد بشأن التوصل إلى تسوية سلمية للأزمة.

مساع فرنسية

وكانت تقارير إعلامية ليبية تحدثت عن وجود مساع فرنسية لنشر قوة لها غربي البلاد، وتحديدا بمدينة مصراتة (200 كيلومتر شرق طرابلس)، حيث تتمركز قوات إيطالية تصر روما على نفي تواجدها، وهو ما سبق وأن فنده مجلس النواب الليبي في طبرق، فيما بدأت إيطاليا في خطوات عملية لتنفيذ خطة مموّلة أوروبياً لإنشاء نقاط مراقبة قرب الحدود الليبية الجنوبية، وأرسلت إلى مدينة غات الجنوبية وفداً رأسه مدير دائرة الهجرة في روما، ويضمّ في أعضائه عدداً كبيراً من الضباط التابعين لسلاح الهندسة في الجيش الإيطالي.

تمهيداً لافتتاح قاعدة عسكرية إيطالية مطلع العام القادم، نصل إلى نتيجة مفادها أن إيطاليا توسّع بشكل مُتزايد هامش مناورتها في ليبيا بكافة الملفات.

ما يعني أن التنافس الإيطالي الفرنسي في الساحة الليبية عامل خارجي يساهم بشكل فعال في عدم تحقيق أي تقدم في مسار العملية السياسية، وبالتالي يضع التحول الديمقراطي في ليبيا أمام تحدياتٍ داخليةٍ، تغذّيها صراعات القوى الإقليمية وتناقض مصالحها واستراتيجياتها.

ويبقى حجم هذا التدخّل رهناً للتطوّرات الآنية، خاصة أن بريطانيا قد تدخل في أي وقت على خط هذه الأزمة خاصة بعد تقديم حكومة الوفاق طلباً رسمياً للندن لاستقدام مدرّبين عسكريين بريطانيين لتدريب الوحدات التابعة لها.

لذلك فإذا كان الصراع في ليبيا قد أدى إلى تداعيات خطيرة على الأمن القومي لكل دول الإقليم خاصة الجزائر التي وجدت نفسها تتحمل عبئاً كبيراً لتأمين الحدود، خاصة في ظل تنامي الجريمة المنظمة، وتهريب السلاح، والهجرة غير الشرعية، ونشاط الجماعات الإرهابية فإنه بلا شك ستكون هناك تداعيات كبرى إذا استمر الصراع في ليبيا.

انقسام

تنذر الفوضى المستشرية في ليبيا بإطالة أمد الأزمة الليبية فاستمرار حالة الاقتتال والفوضى، وبذلك تتجلى بوضوح معالم سباق محموم تغيب ملامحه أحياناً تحت مسمّيات وأقنعة مختلفة، لتعود وتظهر حين تشتد وطأة الأطماع، وتختنق الخيارات السلمية.

دور روسي بالأفق السياسي والعسكري في ليبيا

لعل الخلاف البريطاني الفرنسي حول الملف الليبي والخلاف الأمريكي الفرنسي حول إفريقيا بصفة عامة هو مادفع الروس إلى استغلال المشهد والسير نحو خلق موطئ قدم في المنطقة المغاربية، فبعد أن جُردت روسيا في البداية من تقاسم الموارد بعد سقوط النظام القديم في ليبيا، حرصت على فرض نفسها كلاعب رئيسي في ليبيا. منذ عام 2016 حيث أخذت توطد علاقاتها مع مختلف الأطراف في ليبيا مستغلة احتياج هذه الأطراف لها من جهة وحاجتها لتعزيز مصالحها.

استعادة دور

وبالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أدان الحملة العسكرية التي قادها حلف شمال الأطلسي (ناتو) على ليبيا لينهي أربعة عقود من حكم القذافي، فإنّ استعادة الدور القوي لموسكو في ليبيا بعد تجربة تدخله الناجح في سوريا، من شأنه أن يعزز مكانة روسيا على حساب الولايات المتحدة.، فهناك عقود مهمة يمكن إعادة تنشيطها. من ناحية، هناك بلد يحتاج لإعادة البناء ومن ناحية أخرى الجيش الليبي، الذي يعتمد تقليدياً على المعدات الروسية، يحتاج لإعادة تجهيز .

موسكو تلعب ورقة استراتيجية المصالح، وليبيا بئر من الفرص الجيدة.

حيث تحافظ روسيا على اتصالاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في النزاع، فالتحالف الناجح مع ليبيا لن يساهم في إبرام عقود مربحة في قطاع الإنشاءات والميدان العسكري وحسب ـ بل والأهم من ذلك، من شأن هذا التحالف أن يفضي إلى تعزيز الوجود الروسي في وسط البحر الأبيض المتوسط وتوسيعه، ما يتيح للجيش الروسي التواجد على مسافة أقرب من أوروبا، والسيطرة على ملف اللاجئين سيما أن ليبيا تتوسط الساحل الشمالي للقارة الإفريقية على البحر المتوسط، وتشرف على الحوض الأوسط الجنوبي لهذا البحر، لامتداد ساحلها الشمالي لمسافة 1200 ميل عليه، ويوجد بها عدة موانئ صالحة لتكون قواعد بحرية يمكن الإفادة منها، وأهمها: طرابلس، بنغازي، طبرق.

كما تعتبر ليبيا همزة الوصل بين الشمال الإفريقي، وبين مجموعة المغرب العربي

وتسعى موسكو إلى الحفاظ على بوابة مطلة على المياه الدافئة في البحر المتوسط تستطيع من خلالها التحرك بحرية، كما يمكنها من تأسيس نفوذ في البحر المتوسط الذي أصبح من أهم المعابر البحرية ذات الثقل الاستراتيجي في معادلة توازن القوى في المنطقة،ويمكن اعتبار الانتصار الروسي في سوريا حافزاً كبيراً على المضي في طريق استعادة النفوذ السابق في ليبيا، وتحقيق أحد أحلام الاستراتيجيين الروس بإيجاد منافذ إلى موانئ المتوسط الدافئة

جدل

وظهر اعتماد روسيا في النظر للأزمة الليبية على قرارات مجلس الأمن واتفاق الصخيرات في تصريحات المسؤولين الروس من الرئيس فلاديمير بوتين مروراً بوزير الخارجية سيرغي لافروف ونائبه ميخائيل بوغدانوف وممثل بوتين للشرق الأوسط جينادي غاتيلوف إلى السفير الروسي إلى ليبيا المقيم في تونس إيفان مولوتكوف، ورغم نفي روسيا وأيضاً الجيش الليبي وجود قواعد عسكرية في ليبيا رداً على تقرير مثير للجدل نشرته صحيفة «صن» البريطانية، إلا أن التقرير كان سبباً في عودة الجدل والشكوك إلى الواجهة مجدداً حول حقيقة الدور الذي تلعبه روسيا في الميدان الليبي سواء على صعيد عسكري أو صعيد سياسي.

واعترف رئيس مجموعة الاتصال الروسية لتسوية الأزمة الليبية، ليف دينجوف، بوجود اتصالات بين روسيا وسيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

ولفت دينجوف أن سيف الإسلام، لديه اعتبارات ووزن سياسي في بلاده، ولذلك سيكون ضمن الأطراف المشاركة في العملية السياسية الليبية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات