«الغضب الأصفر» تعدّدت الأسباب واللون واحد

احتجاجات السترات الصفراء،التي تنتشر وتتوسّع في دول أوروبية، تعيد للأذهان مصطلح الثورات الملوّنة خلال السنوات الأخيرة. ويبدو أن اللون هو المعلم البارز والمشترك لتحرّكات كثيراً ما تثير الجدل بين من ينظر لها باعتبارها إبداعاً شعبياً، ومن يضعها في دائرة التوجيه والبرمجة الخارجية.

كان لجمهوريات الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية سابقاً نصيب وافر من «الثورات الملوّنة»، وهي دول مناوئة للغرب، بخاصة الولايات المتحدة الأميركية. في جورجيا كانت الثورة الوردية عام 2003، وفي أوكرانيا كانت الثورة البرتقالية عام 2004، وفي قيرغيزيا عام 2005 كانت ثورة التوليب أو الخزامى.

وفي ميانمار تحرّكت المعارضة عامَ 2007 تحت مسمّى ثورة الزعفران. واندلعت في التيبت أعمال شغب عام 2008 وسُمّيت بالثورة القرمزية. وجاء العام 2011 ليصاب الشارع العربي بعدوى الثورات والحراكات، فكانت حادثة البوعزيزي في تونس عامَ 2010، التي فجّرت ثورة سمّاها البعض ثورة الياسمين.

بعد ذلك في مصر وسوريا وليبيا واليمن فيما اصطلح على تسميته الربيع العربي، ذلك «الربيع» الذي تحوّل إلى فوضى عمّت المنطقة، وأسالت الكثير من الدماء وأحدثت خراباً شاملاً. ربما يحتاج البحث الموضوعي إلى فترة من الزمن لسبر أغوار تلك الثورات الملوّنة والحراكات، فيما لو كانت وقعت صدفة في أقل من عقد من الزمن، أم كان هناك مَن حرّكها.

أسباب وتداعيات

عندما اندلعت احتجاجات «السترات الصفراء» في فرنسا، كانت لسبب واحد في البداية يتمثل في معارضة الضريبة على الوقود، ثم توسعت وازدادت عنفاً بمرور الأيام، كما ارتفع مستوى المطالب، لتصل إلى مطالبة الرئيس الفرنسي بالتنحي عن المنصب. وفي وقت لاحق أخذنا نسمع عن احتجاجات أخرى ولأسباب مختلفة في مدن ودول أوروبية أخرى، شملت ألمانيا هولندا وبلجيكا والنمسا وصربيا وهنغاريا وتركيا.

ورغم أن هذه الاحتجاجات المختلفة امتدت لتشمل العديد من المدن الأوروبية، فإن هناك أمرين يجمعان في ما بينها، الأول أصبح رمزاً لكل هذه الاحتجاجات والتظاهرات وهو «السترات الصفراء»، أما الثاني فهو أنها بدأت واستمرت من دون زعامات أو قيادات تنظيمية، وانتشرت عبر التواصل بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي.

ويمكن القول إن السبب الرئيس لاحتجاجات السترات الصفراء في أوروبا هو الاقتصاد والمصاعب المعيشية التي يعاني منها الكثيرون في أوروبا. وينبغي ألا ننسى أن أزمة الكساد الاقتصادي عام 2008 أدت وبطرق شتى إلى زيادة ثراء الأغنياء وتآكل الطبقة الوسطى وزيادة فقر الفقراء، فانعدمت المساواة، ودفع المواطن العادي ثمن الأزمة، في حين يتمتع الأثرياء بمزايا ضريبية من أجل الاستمرار في الاستثمار وجلب استثمارات أخرى للبلاد.

الأسبوع الخامس

السبت الماضي، وللأسبوع الخامس على التوالي، نفذ أصحاب السترات الصفراء في فرنسا تظاهرتهم الاحتجاجية، ومرّة أخرى كان مركزها الأساس شوارع باريس المحيطة بمنطقة الشانزليزيه، ورغم أن تظاهرة السبت الأخير كانت الأضعف عدداً والأخف شغباً وعنفاً، إلا أنها كانت الأعنف لناحية مضمون الخطاب ونوعية المطالب، والتي تحولت من معيشية إلى سياسية.

الحركة المطلبية نشأة وأساساً، والتي تمدّدت بشكل لافت بسرعتها وبقساوتها وبغرابتها عن الجو العام السائد في فرنسا منذ فترات طويلة، أخذت بُعداً غير مفهوم، لناحية حقيقة أسبابها وتطورها، أو لناحية خطورة وحساسية تداعياتها، وحيث يمكن حتى الآن إرجاعها لسبب أو لأكثر من الأسباب الممكنة التي سوف نستعرضها، لا بد من التطرق إلى تداعياتها المفترضة، على صعيد الداخل الفرنسي، وعلى صعيد الاتحاد الأوروبي، وحتى على الصعيد الدولي، مثلما يرى العقيد اللبناني المتقاعد شارل أبي نادر.

فتحت شعار المطالب المعيشية وبأساسها رفع الحد الأدنى للأجور وتخفيف الضريبة عن محدودي الدخل والفقراء، ورفعها أو مساواتها على الأقل مع أصحاب الدخل المرتفع أو الأغنياء، انطلقت تظاهرات واحتجاجات أصحاب السترات الصفراء، مع المطالبة بتحفيز قطاع الأعمال وتخفيض نسبة البطالة، وغيرها من مطالب لها طابع معيشي ومالي.

لم ينجح خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخير عن كشف عزمه زيادة المعاشات وتخفيف الضريبة على ساعات العمل الإضافية، في تهدئة المحتجين الذين رفعوا السقف وبدأوا بالمطالبة برحيل ماكرون والحكومة ومجلس النواب، ما يعني بروز الطابع السياسي للاحتجاجات بالتزامن مع دخول اليمين على الخط من خلال المطالبة بالنسبية في تعيين السلطة التنفيذية، حيث يعتبر أنه بذلك قد يملك الفرصة للدخول في الحكومة، أو مع دخول اليسار على الخط نفسه مطالباً بالذهاب نحو انتخابات جديدة.

تدخلات خارجية

بغض النظر عن دوافع دولة مثل بريطانيا التي تشهد علاقاتها مع روسيا توتّراً لافتاً، لاتهام موسكو بتحريك «السترات الصفراء»، وبغض النظر عن الإعلان عن تحقيق فرنسي في تدخل روسي محتمل، فإنه لا يمكن استبعاد أن يكون للعامل الأجنبي دور كبير أو صغير في تحريك وتوجيه هذه التظاهرات، أو ربما في استغلال ما تطالب به، وحيث لا شك بوجود مصلحة لكل من روسيا والولايات المتحدة في ذلك، مع اختراف المصالحة لدى الجهات المتناقضة.

يمكن الافتراض أن لروسيا مصلحة بالتدخل بهدف إضعاف الاتحاد الأوروبي من خلال إضعاف الحكم الفرنسي، وهذه المصلحة تكمن في اتجاهين، أولاً بتخفيض فعالية دول الاتحاد الأوروبي في الملفات المشتركة مع روسيا، وبخاصة في ملفي أوكرانيا وجزيرة القرم حيث حتى الآن، لم تعترف أية دولة من دول الاتحاد بشرعية ضم شبه الجزيرة إلى الاتحاد الروسي، وثانياً لناحية إضعاف حلف شمال الأطلسي، حيث فرنسا من الدول الأساسية في منظومته الإدارية والسياسية.

روسيا تستطيع أيضاً، ومن خلال وجود حكم ضعيف في فرنسا وتوتر سياسي وأزمة اقتصادية، أن تستغل الموضوع لناحية استمالة هذا الحكم، حيث علاقات الأخير مع الأميركيين ليست على ما يرام، وبخاصة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفرنسي ماكرون.

أما الولايات المتحدة فلها أيضاً مصلحة واسعة في الضغط على باريس والاتحاد الأوروبي، وذلك رداً على موقفهما من انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، حيث لعب الاتحاد وباريس بالأخص دوراً أساسياً في تثبيت الاتفاق ومساعدة إيران على تخفيف تداعياته الاقتصادية والسياسية قدر الإمكان.

تداعيات

وفي التداعيات، يبدو أن إضعاف الساحة الفرنسية من شأنه أن يؤثر سلباً على موقع فرنسا وعلى تضامن وتماسك الاتحاد الأوروبي، ولا سيما بعد قضية الخروج البريطاني من الاتحاد «بريكست».

وثمة خطر، كما يرى أبي نادر، من انكشاف الساحة الأمنية الفرنسية أصلاً أمام الإرهاب حالياً، خاصة أنها هشة أمنياً، نظراً للعدد الكبير من المواطنين الفرنسيين من أصول أفريقية ومن ذوي الأفكار المتشددة، الذين يمكن أن يستغلوا الوضع المعيشي للتسلل والتأثير أمنياً.

وثمة خطر يكمن في حدوث تغيير على سياسة فرنسا المالية لأن تأمين الأموال التي وعد بها ماكرون لزيادة المعاشات يجب أن يكون لها مصدر، مع الأخذ بالاعتبار عنصرين، أولهما صعوبة واستحالة فرض ضرائب جديدة، وثانيهما التأثير السلبي لإلغاء بعض المشاريع أو تخفيف أو اقتطاع بعض الموازنات، على الأوضاع الاجتماعية.

وينبغي التأكيد أن الحركة تسببت حتى الآن بخسائر اقتصادية ومالية بمليارات اليورو للقطاعين العام والخاص، وقد ضربت الموسم السياحي وموسم الأعياد في باريس بشكل خاص، إضافة لما خسرته مالية الدولة من ضرائب كانت مُقدرة.

أعلن وزير الداخلية الفرنسي، كريستوف كاستانير، أن حصيلة الضحايا منذ بداية احتجاجات «السترات الصفراء» في البلاد منتصف نوفمبر الماضي ارتفعت إلى ثمانية قتلى. وأكد في تغريدة نشرها على حسابه في «تويتر» الاثنين، وفاة الضحية الثامن. وطالب الوزير المحتجين بالانسحاب من مفارق الطرق التي أغلقوها أثناء تظاهراتهم، مشدداً على ضرورة أن يواصل بعضها العمل ليلاً ونهاراً.

ورجحت وكالة «أسوشيتد برس» أن حالة الوفاة الأخيرة تسبب بها حادث وقع في أحد مفارق الطرق في منطقة ريفية، مثل معظم الحالات المماثلة السابقة.

السترات الصفراء؟

أطلق على مجموعات الاحتجاج هذه «السترات الصفراء» في إشارة إلى السترة الصفراء المضيئة، التي يتعين على كل سائق في فرنسا أن يحتفظ بها في سيارته، وذلك بغرض جعله في موضع رؤية أفضل في حال حدوث حادث سير. وهي تحتج على زيادة سعر الوقود وفرض رسوم عليها على شكل ضريبة بيئية، وأيضاً ضد السياسة «الظالمة» للحكومة التي تمس بالقدرة الشرائية.

وجاء اختيار «السترة الصفراء» من قبل الحركة، نظراً لأن القانون الفرنسي يفرض منذ عام 2008 على جميع سائقي السيارات حمل سترات صفراء داخل سياراتهم عند القيادة كإجراء وقائي، حتى يظهر للعيان في حالة اضطرار السائق الخروج من السيارة لسبب ما والانتظار على قارعة الطريق.

وكتبت صحيفة لوباريزيان: «سواء كانوا بضعة آلاف أو عدة ملايين، وسواء تمكنوا من شل البلاد أم لا، لقد نجح أصحاب السترات الصفراء (..) وذكّروا قادتنا بأن الرسوم البيئية مآلها الفشل إذا تجاهلت الواقع اليومي لمن تخصص لمساعدتهم».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات