قنابل موقوتة تُهدد أمن الكثير من دول المنطقة والعالم

«التجنيس» بوابة أفاعي طهران لاختراقات سامّة

بعد الثورة الإيرانية في العام 1979 تبنى نظام الملالي خططاً ممنهجة لتصدير الثورة مدفوعاً بوهم استعادة الإمبراطورية الفارسية حينما كانت إيران تمثل طرفاً رئيسياً في النظام العالمي القديم المرتكز على قوّتين رئيسيّتين لقرونٍ طويلة.

ولم يُخفِ نظام الملالي مطامعه التي ينطلق فيها من ثلاثة عوامل رئيسية، أهمها العامل الماضوي المرتبط بوهم استعادة الأمجاد، إضافة إلى العامل القومي الذي تُكن إيران من خلاله العداء لكل ما هو عربي، وأخيرًا العامل الديني والمذهبي.

تستحضر إيران تلك العوامل في نهجها شرقًا وغربًا من أجل استعادة ماضيها الإمبراطوري الذي يخالط أحلام نظام الملالي الذي ما انفك يعتمد على أذرعه كافة لإحداث اختراقات هنا وهناك، سواء من خلال خلاياه وأفاعيه النشطة أو تلك النائمة في انتظار إشارة التوجيه.

وبالتالي لعبت طهران أدوارًا خبيثة ومُدمرة، مُحركها الرئيسي المذهبية، فلم تتورع عن التورّط في إثارة وتصدير الإرهاب وتعميق الأزمات الداخلية في عددٍ من الدول في إطار مشروعها السياسي، وقد وجدت في ذلك من يعاونها في بعض الدول بلغة المصالح أو من خلال استمالتهم.

اختراقات سريّة

لم تكتفِ طهران بالاختراقات السريّة التي تُحدثها هنا وهناك من خلال زرع عناصرها بتجمّعات دينية وسياسية، ولم تكتفِ كذلك بمحاولات الاستقطاب والاستمالة من أجل التشييع الديني أو السياسي والفكري والثقافي، وكذا لم تكتفِ بالاختراقات الناعمة الثقافية والفكرية.

لكن إضافة إلى ذلك لعبت على أن تكون بعض تلك الاختراقات تحت غطاء رسمي كاستخدام دبلوماسييها وبعثاتها الدبلوماسية كأفاعٍ في عمليات التجنيد والاستقطاب في البلد المستهدف، أو من خلال تجنيس إيرانيين بجنسية تلك البلدان، للتغطية على المَهام المُكلفين بها من نظام الملالي، سواء تمت عمليات التجنيس بصورة نظامية أو بالتحايل.

وما منصور اربابسيار - مثلًا- إلا نموذجًا يعكس جانبًا من الخطورة التي يشكلها أفاعي طهران الذين يستخدمهم نظام الملالي في إحداث اختراقات كارثية. هذا الإيراني هاجر شابًا إلى الولايات المُتحدة الأميركية ودرس الهندسة الميكانيكية ولم يكمل دراسته آنذاك، وقد تزوج بعد ذلك من أميركية وحصل بناءً على تلك الزيجة - قبل أن ينفصل عن زوجته في العام 1987- على الجنسية الأميركية.

هذا الرجل كان من بين المتورطين في محاولة اغتيال السفير السعودي لدى واشنطن (عادل الجبير في ذلك الوقت). وقد أظهر مكتب التحقيقات الفيدرالي أنه مُجند من فيلق القدس (التابع للحرس الثوري الإيراني).

وليس ببعيدٍ تورط إيراني يحمل الجنسية النرويجية في محاولة اغتيال معارض إيراني في الدنمارك، وليس ببعيدٍ أيضًا إقدام شاب إيراني يحمل الجنسية الألمانية على قتل تسعة أشخاص في العام 2016 في ميونخ.

وفي المنطقة العربيّة حدث ولا حرج، بخاصة في سوريا التي صارت مستباحة من الإيرانيين، حيث منحت السلطات فيها لعدد من الإيرانيين والميليشيا الموالية لهم الجنسيّة السورية، في خطٍ متوازٍ مع عمليات التغيير الديمغرافي «الخطيرة جدًا» التي يشهدها البلد.

قائمة البلدان العربية تمتد بخلاف سوريا التي بدأ فيها المخطط الإيراني منذ الثمانينيات. وهنا يمكن الحديث عما حدث في العراق ولبنان واليمن، وغيرها.

فيما تتواتر المعلومات والأنباء بشأن دخول قطر في معادلة تجنيس الإيرانيين الذين استنفروا لحماية تنظيم الحمدين بعد المقاطعة، كما يمكن الإشارة أيضًا لما نقلته صحيفة الوطن في سبتمبر الماضي بشأن منح ميليشيا الحوثي عناصر إيرانية الجنسية اليمنية (68 شخصًا خلال شهرين فقط).

الغرب هدفًا للأفاعي

كل هذه النماذج ما هي إلا عناوين وإشارات لقنابل موقوتة تُهدّد أمن الكثير من المجتمعات. وليس غريبًا أن ينتفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب - بما يحمله من سياسة خاصة مختلفة كلية عن سلفه باراك أوباما في التعامل مع طهران- منتقدًا ما أقدمت عليه إدارة أوباما بشأن تجنيس 2500 إيراني خلال المفاوضات حول الاتفاق النووي الإيراني من ضمنهم مسؤولون في الحكومة، حتى أن شبكة فوكس نيوز ذكرت أن «هناك أفرادًا من أسر قادة النظام الإيراني الذين يهتفون يوميًا: (الموت لأميركا)، لديهم مشاريع ومصالح في الولايات المتحدة، لكن ولاءهم يبقى لنظام طهران الراعي الأكبر للإرهاب في العالم».

يكشف ذلك عن أن مخططات نظام الملالي تتعدى حدود الشرق؛ ففي أوروبا على سبيل المثال - والكلام هنا على لسان مصدر سياسي أوروبي لم يسمح بالكشف عن اسمه في شهادة له خص بها «البيان» - لا يمكن أن يتم تجاهل المحاولات الإيرانية من أجل اختراق المجتمعات الأوروبية والغرب بشكل عام، على أساس أن من مصلحة إيران - كما نهج تنظيم الإخوان أيضًا - أن تشكل لوبيات في تلك المجتمعات من خلال زرع عناصرها أو استقطاب عناصر من الداخل.

وأمام الصعوبات التي تواجه طهران والتي تدفعها للفشل في كثير من الأحيان في زرع عناصر موالية والسعي نحو تجنيسهم بجنسية البلد الأوربية التي يوفدون إليها، فإن نظام الملالي يعمل بصورة أكبر من خلال «استقطاب المسلمين الغربيين الذين يحملون جنسية البلد التي يتواجدون فيها بالفعل، من أجل خلق قوى ضغط سياسي في أوروبا والغرب بصفة عامة، وذلك من خلال اختراق بعض الجاليات هناك».

حيَل الاختراق

ويبزغ في ذلك الإطار وجود بعض الجاليات السنيّة التي يصعب على إيران اختراقها، بخاصة أن أبناءها لديهم انطباع سلبي عن طهران، وبالتالي فإن نظام الملالي في هكذا حالة يعتمد - وفق شهادة المصدر ذاته - على دعم وتمويل جمعيات ومراكز أوروبية، منها مراكز صوفيّة. أو من خلال دعم أحزاب سياسية قائمة، مستشهدًا بحزب بوديموس الأسباني الذي تلقى دعمًا من إيران، وأمينه العام كان يقدم برنامجًا على فضائية إيرانية ناطقة بالأسبانية.

وبينما يشير المصدر السياسي الأوروبي في معرض شهادته لـ«البيان» إلى أن نسبة المُجنّسين الإيرانيين في أوروبا معظمها من المعارضين الإيرانيين وليس من أنصار النظام الإيراني، فإن ذلك يُحيلنا إلى شهادة وتحليل الباحث المختص في الشؤون الإيرانية علاء السعيد، التي تحدث فيها لـ«البيان» عن شواهد أثبتت أن نظام الملالي «يحاول تسهيل عملية خروج بعض الموالين له بهويّات مزورة مدّعين أنهم يتعرضون لاضطهاد داخل إيران وأنهم معارضون للنظام فعلًا، وذلك من أجل أن يتغلغلوا تحت هذا المسمى في دول أوروبية ويحصلون على الجنسية هناك بطرق مختلفة (من بينها الزواج)، ويحدث الاختراق بتلك الحيلة»، وتحقق ذلك بشكل خاص في بعض الدول الإسكندنافية.

وما يؤكد ذلك، الأزمة المشتعلة بين الدنمارك والنرويج من جهة وإيران من جهة ثانية، والتي أساسها الاشتباه بمواطن من أصل إيراني يحمل الجنسية النرويجية بأنه حاول اغتيال معارض إيراني في الدنمارك، وقد أعلنت الخارجية النرويجية - رسميًا - عن ذلك، فيما شددت الدنمارك في السياق ذاته على اشتباهها في أن تكون المخابرات الإيرانية سعت لتنفيذ عملية الاغتيال على أراضيها. بينما الشرطة السويدية كانت من جانبها كشفت عن أن شخصًا يحمل الجنسية النرويجية وهو من أصل إيراني قد تم اعتقاله في السويد في أكتوبر الماضي بتهمة التآمر، وأرسلته إلى الدنمارك.

ومن بين النماذج التي يمكن ذكرها هنا في معرض الحديث عن مخطط «الأفاعي» لاختراق أوروبا عبر سلاح «الجنسيّة»، ما كشفته الشرطة الألمانية في العام 2016، بخصوص قيام شخص يحمل الجنسية الألمانية ومن أصل إيراني (يبلغ من العمر 18 عامًا) بقتل تسعة أفراد في مركز تجاري، وكان يعيش منذ عامين قبل ارتكاب الحادث في ميونخ. وفي العام 2013، قُضي بالسجن 25 عامًا على إيراني يحمل الجنسية الأميركية «لدوره في محاولة لاغتيال السفير السعودي في واشنطن»، وقد اعترف المذكور (وهو منصور اربابسيار) بأنه تآمر مع عناصر من الجيش الإيراني من أجل استئجار قتلة مكسيكيين لقتل السفير السعودي.

«الزواج» إحدى حيل نظام الملالي لتجنيس عناصر في البحرين

لا تخفى الأطماع الإيرانية في الخليج، وقد عانت البحرين كثيرًا من التدخلات الإيرانية، وليس بخفي تاريخ الإرهاب الإيراني الأسود في البحرين، والذي يؤكد مطامع نظام الملالي.

يؤكد الباحث البحريني الأكاديمي المتخصص في الشأن الإيراني علاء حبيب، لـ «البيان» أن عمليات التجنيس تدخل ضمن مخطط التغيير الديمغرافي الذي يعتمد عليه نظام الملالي في المناطق المستهدفة، لكن في البحرين الدولة أضعفت تلك العناصر وأبعدتها عن الساحة السياسية. ويُضرب المثل هنا بجمعية الوفاق المُنحلة، والتي «ثبت تخابر عناصرها مع الحرس الثوري الإيراني».

وورد في كتاب الفرس يموتون على أعتاب البحرين الصادر في العام 2016 للباحثة العراقية د.بان ثامر، أن النظام الإيراني عمل على تقديم الدعم للمهاجرين والمقيمين في البحرين من الإيرانيين، وكان من ضمن أولويات هذه المخططات تشكيل طبقة متنفذة من التجار وأصحاب رؤوس الأموال، كي تؤسس قواعد شعبية عريضة ومؤثرة في الشارع البحريني.

ويعتمد نظام الملالي على أساليب مختلفة لتجنيس عناصره في الدول المستهدفة، ويمكن هنا أيضًا الرجوع للباحث البحريني الذي يوضح أن الأمر في سوريا كان يتم مباشرة من خلال التواطؤ مع النظام كما سبق التوضيح- بينما يكون في مناطق أخرى من خلال التجارة أو تجنيد عملاء من خلال السفارات الإيرانية أو من خلال العمال القادمين من الخارج.

وكذلك من خلال الزواج، ذلك أن «كثيرًا من العراقيات واللبنانيات والسوريات التابعين لإيران تم تزويجهن من بحرينيين، وهم في الأصل ينتمون للحرس الثوري الإيراني وكثير منهم من أصول إيرانية».

استراتيجي سوري: طهران حقّقت اختراقات واسعة في سوريا

 

يُمكن رد بداية مخطط نظام الملالي الممنهج لاعتماد أفاعي طهران على سلاح الجنسيّة لتحقيق الأهداف الإيرانية، إلى ما بعد الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، بحسب تحليل الباحث المختص في الشؤون الإيرانية علاء السعيد، وهو المخطط الذي تقدّمت فيه طهران بخطى حثيثة في أكثر من مكانٍ، مشيراً إلى أن سوريا صارت مستباحة لنظام الملالي.

وبالحديث عن سوريا وتمكن أفاعي إيران من تحقيق اختراقات خطيرة فيها بعد استعانة الرئيس السوري بشار الأسد بهم لدعمه، فإن عبارة «سوريا لمن يدافع عنها»، التي قالها الأسد في العام 2015، تلخّص جانبًا من مبررات وأهداف النظام من فتح الأبواب أمام عمليات التغيير الديمغرافي لصالح إيران، وبخاصة أن المرسوم رقم 276 للعام 1969 في سوريا يجيز منح الجنسية لـ «من أدى للدولة أو للأمة العربية خدمات جليلة».

وكدليل على تلك العمليات ما حدث - على سبيل المثال- في الغوطة الشرقية وجنوب دمشق وفي مناطق أخرى شهدت عمليات تغيير ديمغرافي وبالتالي تجنيس أولئك المقاتلين التابعين لإيران أو توطينهم. وليس ببعيدٍ أيضاً ما تداولته تقارير إعلامية نقلًا عن مصادر عراقية رسميّة بشأن منح النظام السوري ميليشيا الحشد الشعبي العراقي الجنسية السوريّة.

وفي ضوء الأحداث المتواترة التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الماضية، وجدت أفاعي طهران الفرصة سانحة من أجل تحقيق نجاحات في ذلك المخطط الممنهج من خلال تسهيل توطين وتجنيس عناصر موالية لها، سواء إيرانيين أو يحملون جنسيات أخرى من بينها العراقية واللبنانية موالين لنظام الملالي ومشروعه السياسي على أساس طائفي.

تغيير ديمغرافي

وتحاول إيران والنظام تغيير الواقع الديمغرافي لتلك المناطق وإيجاد أذرع وميليشيات عسكرية لها شبيهة بحزب الله اللبناني والعراقي والحشد الشعبي من أبناء المناطق والعشائر والمكونات الأخرى في كل المناطق السورية من خلال استغلال فقرهم؛ لنشر التشيع واستقدام آخرين وعائلاتهم من إيران وإنشاء مستعمرات لهم من خلال التسهيلات التي يقدمها لهم النظام.

ومن خلال المرسوم رقم 10 وعبر شراء العقارات في غالب المناطق السورية أو مصادرتها وبأبخس الأسعار.

يشير العميد المنشق عن النظام السوري أحمد رحال، في شهادته لـ «البيان»، إلى داريا كمثال، فتلك المدينة السورية العريقة التي تقع بالقرب من دمشق، بعد أن سيطر عليها النظام سارع القائد العراقي التابع لإيران أمجد البهادلي بزيارة مقام السيدة سكينة فيها فورًا في دلالة وإشارة واضحة على هرولة الإيرانيين للتشبث بتلك المناطق التي تمثل أهمية قصوى لهم.

وتم تجنيس مجموعة من الشيعة العراقيين الذين سكنوا فيها بالجنسية السورية، بحسب معلومات تحصّل عليها رحّال.

ووفق تلك المعلومات، فإن الأمر لا يتوقف عند حدود داريا، فهناك في القصير وفي حمص وغيرها، حتى أن «آخر عملية تجنيس وصلت معلومات بشأنها تتم في الميادين والبوكمال (شرق سوريا) خاصة تجنيس ميليشيا أفغانيين عراقيين وهناك عائلات عراقية تتوافد بحجة زيارة المراقد ومناطق مقدسة.. وبعض الأفغان الذين تم تجنيسهم في بابا عمر (أحد أحياء حمص وسط سوريا)».

وبالتالي فإن الإيرانيين يلعبون «لعبة خطيرة» حسب وصف رحال، لكنّه يشير إلى النقطة الأخطر في المسألة والمرتبطة بوجود «عملاء محليين» ذكر منهم من نرمز إليه بالأحرف الأولى من اسمه (ن.ب) الذي يكشف عن أنه يقود ميليشيا إيرانية بالداخل تحارب تحت قيادة قاسم سليماني (قائد فيلق القدس الإيراني).

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات