لبنان.. رخص الموت على قارعة الطريق - البيان

لبنان.. رخص الموت على قارعة الطريق

Ⅶ مظاهرات لبنانية ضد انتشار السلاح | ارشيفية

رصاصة وحشيّة طائشة في زحام ليل صاخب في مدينة زحلة، خطفت سارة، الشابّة العشرينيّة.. بعد أن اخترقت رأسها وأطفأت الحياة في عينيها، ولم تحقق من أحلامها سوى رغبة أفصحت عنها عبر رسالة مؤثرة لذويها طلبت فيها أن يعيش غيرها بأعضاء جسدها حين يحدث الموت الذي أتاها مستعجلاً، في بلدٍ «محشوّ بالسلاح الشرعي وغير الشرعي»، وتنشط فيه تجارة السلاح كالخبز، ويُشرّع إعطاء رخص سلاح فضفاضة لا تحدّد نوعه وكمّه.

وتُهدى فيه رخص الموت إلى الأصدقاء والمعارف والسياسيين والشخصيات العامّة، كنوعٍ من المجاملة والخدمة التي من المفترض أن توثق العلاقات، فيما قانون الأسلحة والذخائر فيه يعود إلى زمن «القبضايات» والعشائر والميليشيات، السلاح المنفلت بات شبحاً يهدد الجميع في لبنان.

رقصت سارة رقصتها الأخيرة، ضحكت مع أصدقائها، وغنّت محتفلةً بعيد ميلاد أحدهم، وتمنّت أن يبقوا مجتمعين بالأفراح في السنوات المقبلة.. لكن ما لم تدركه حينها أنّ أحدهم كان ساهراً أيضاً، وسط «زحلة» المشهود لها بالأمن، والسلاح في جيبه. خرجت هي، وخرج هو، واجتمعا في المكان نفسه بدورين مختلفين: هو القاتل، وهي المقتولة.. هو لديه حساب على «فيسبوك» يتباهى فيه بأسلحته المتعدّدة، إذ هناك من يغطّيه ويغطّي أمثاله.

أما هي، فرحلت، ولم تترك سوى صورة معلّقة على باب الذاكرة، ورسالة مؤثرة كانت قد كتبتها منذ سنين خلت، أوصت فيها بمنح أعضاء جسدها عند موتها ليعيش غيرها، ليكون الموت «فراش حياة، لا فراش ألم». وبناءً على وصيتها، تمّ وهب قلبها وكبدها وكليتيها وقرنيتيها لخمسة مرضى.

«حقّ اللبناني رصاصة»!

24 ربيعاً شتّتها الموت على مرمى رصاصة.. وهذه الحادثة التي صودف أن وثّقتها الكاميرات، كما حوادث عدّة تتكرّر يومياً، إذ بات «حقّ (سعر) اللبناني رصاصة»، وسواء كان السبب أحقيّة مرور أو كوب «نسكافيه» أو غيرة زوجيّة أو ميراثاً عائلياً أو غيرها من الأسباب، تشير إلى ما آلت إليه ظاهرة السلاح المتفلّت في لبنان، وإلى المجرمين الذين يسرحون على الطرقات: من يُعتبر غير مؤهّل لاستخدام السلاح، ورغم ذلك يقتنيه، ومن يهوى الإجرام ويعتبر أنّ الحلّ أمام أيّ مشكلة، مهما كانت سخيفة، هو إشهار سلاحه في وجوه من يعترضونه.

وأمام هذين المجرمَين، يقف جلّادٌ واحد لا منافس له، هو كلّ سياسي يسمح لنفسه باستخدام «عباءته» لتغطية سفّاحين لا تليق بهم إلّا السجون. وما يلفت، في هذا السياق، هي الإحصاءات الجديدة التي تؤكد أنّ غالبية المجرمين كانت أسلحتهم غير مرخّصة، وهو ما يفتح العيون على حقائق أخرى تقلب موازين تحميل المسؤوليات في هذه الظاهرة التي لا وجهَ سلمياً لها.

أجواء مضطربة

وفي ظلّ أجواء أمنيّة وسياسية مضطربة في أكثر الأحيان، وعدم وجود بيئة قانونيّة تضبط استعماله، يسعى السلاح المتفلّت من كلّ الضوابط القانونية والأخلاقية إلى فرض نفسه كبديل عن الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية في العديد من المناطق، حيث تنتشر الأسلحة في بعض البيوت كقطعة أساسية من التجهيز المنزلي، يصل التباهي فيها إلى حدّ رفعها للزينة فوق الجدران، فيما يطلّ مسلّحون ليزرعوا السماء برصاصاتهم، ويستعرضوا أمام الملأ وشاشات التلفزيون «قوّتهم الناريّة».. كما أن فوضى السلاح التي تمّ زرعها في بيئات محدّدة، لم تعد تقتصر على قتل الناس عن طريق العمد أو من خلال الرصاص الطائش، ولا حتّى في عمليات السرقة واختطاف الصغار والكبار مقابل مبالغ مالية، بل تتطوّر أحياناً إلى حربٍ واشتباكات مفتوحة على كلّ الاحتمالات.. وسواء أكان استخدامها يتنوّع، من الابتهاج بزعيم أو في مناسبة اجتماعية أو رياضية، أو للتهديد أو للأمن الخاص أو للدفاع عن النفس، وصولاً إلى الجريمة، فإنّ أرقام الحوادث المسلّحة وضحاياها ما زالت تسجّل ارتفاعاً، وكأنّ هذا البلد ما زال يعيش في حرب أهليّة، يصبح معها الكلام على مدن وبلدات خالية من السلاح غير واقعي.

عجز دولة

وحيال هذا الواقع، تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن مصادرة السلاح المتفلّت الذي تجاوز وظيفته كـ«زينة للرجال» سعياً إلى حماية ذاتية، ولم يعد يقتصر دوره على الأخذ بالثأر أو التباهي في الأفراح والمآتم، ليصير جزءاً من عدّة الشغل بغية تسهيل كل الأعمال غير الشرعية التي تبدأ بالتهريب عبر الحدود ومروراً بتجارة المخدرات وسرقة السيارات وفرض الإتاوات، ولا تنتهي بفرض نفوذ عشيرة أو جماعة وتحقيق توازن رعب في جيوب أمنية خارجة عن سيطرة الدولة.

وفي حين تطارد لعنة الفلتان الأمني اللبنانيين جميعاً، ويستمرّ الشارع مكاناً لتسجيل المواقف ومصدراً للتوتر المتنقّل، بحسب قول خبير عسكري لـ«البيان»، فإنّ الأسلحة، كظاهرة قديمة- جديدة، تؤرق دوماً اللبنانيين، وتحلّ عليهم ضيفاً ثقيلاً، في بلدهم الذي لا ينقصه إلا «شرارة» حتى «يفرقع».. في المقابل، تكاد مسؤولية قمع هذه الظاهرة لا تنحصر في جهة واحدة معيّنة، وباتت المناسبات والأحداث أشبه بمسلسل رعب متنقِّل ما بين الأحياء والزواريب. ومن هنا، تعتبر فوضى حيازة السلاح واستخدامه في لبنان واحداً من أهم الأسباب للعديد من الجرائم العنفية في جميع المناطق، ما يشير، بحسب المهتمين، إلى ضرورة تشجيع إعلان قرى ومناطق خالية من السلاح على كل الأراضي اللبنانية، عبر تأمين حوافز تنموية لها، ومن دون استثمار هذا المطلب سياسياً.

ظاهرة متجددة

وعلى رغم أنّ بعض الجهات تتحمل مسؤولية تجاه هذه الظاهرة، أكان من ناحية توزيع السلاح أو بيعه لأهداف سياسية، فإنّ تجاراً آخرين، تغطّيهم جهات سياسية وحزبية، أغرقوا السوق بالسلاح، حتى بات يُحكى عن نحو مليوني قطعة سلاح، ما بين خفيف ومتوسط، موزّعة بين الناس وموجودة في البيوت، بدءاً من الـ«أر بي جي»، مروراً بالرشّاش، وصولاً إلى المسدس، يعود بعضها إلى يوم حُلّت الميليشيات في التسعينات (إثر انتهاء الحرب الأهلية)، حين اتخذ البعض أسلحة وخبّأها في بيته.

علماً أن اللبنانيين كانوا يقتنون الأسلحة في بيوتهم، منذ ما قبل الحرب، وإن لم يكن بالحجم الذي وصلت إليه بعدها. ففي فترة الحرب الأهلية (1975-1990)، كان فوج شرطة يتبع لكل ميليشيا، يضبط السلاح ويتدخل أثناء استخدامه في الإشكالات.

وفي الفترة التي سبقت أحداث 7 مايو 2008 بين معسكرَي «8 و14 آذار»، وصل انتشار السلاح الى حدود الـ80% بين اللبنانيين، حيث كان هناك عاملان يضبطان الوضع قبل هذه المرحلة، بحسب قول مصدر أمني لـ«البيان»: تطبيق عقوبة الإعدام بعد الحرب، التي أخافت الناس وردعتهم عن استخدام السلاح، والوجود العسكري والأمني السوري (قبل 2005) الذي صعّب حمل اللبنانيين للسلاح ونقله.

أمّا بعد الـ2005، ومع «الضربات» التي استهدفت الأجهزة الأمنية وأضعفتها وقسّمت الدولة عمودياً ما بين «8 و14 آذار»، ويوم حصلت أحداث 7 مايو ونزل الناس إلى الشوارع بأسلحتهم وأغلقوا بيروت والمطار، وبعد المعارك والجولات التي شهدتها مدينة طرابلس في الشمال، فإنّ الدولة فقدت هيبتها وبات كلٌ يأخذ حقه بيده، مستخدماً ما توافر له من أسلحة. وقد لا يكون السلاح الخفيف ظاهراً تماماً للعيان في لبنان، إلا أنه بات من الشائع أن يكون «مشكوكاً» تحت الثياب بشكل بديهي، في ظاهرة تبدو سورياليّة إذا ما فكّرنا أن لبنان منع التدخين في الأماكن العامة!

وإلى جانب الأسلحة ذات الهوية السياسية، برزت ظاهرة استخدام السكاكين في الإشكالات، حيث تفتّحت العيون على سهولة اقتنائها، خصوصاً أنها لا تحتاج إلى تراخيص. بالإضافة الى أسلحة الصيد التي يمكن استخدامها أو توضيبها بطريقة خاطئة، لتؤدّي بالتالي أحياناً إلى وقوع عدد لا يُستهان به من الضحايا، إذ كشفت الدراسات أنه يشكّل نحو ثلث عدد الذين يقتَلون خلال إشكالات تستخدم فيها الأسلحة.

ومن أبرز ظواهر السلاح المتفلّت، هو إطلاق مناصري الزعماء السياسيين النار عند ظهورهم على التلفاز، رغم أنه انخفض في الآونة الأخيرة بعد وقوع جرائم عدّة، ومناداة الزعماء بمنع هذه الظاهرة، خصوصاً أنّ النيران كانت توجَّه في بعض المرّات من مناطق بشكلٍ مقصود إلى مناطق على حساسية معها. هذا فضلاً عن إطلاق النار ابتهاجاً أو حزناً.

لغة قانون.. لا يُطبّق

أمّا القانون، فواضح جداً في هذا الموضوع. وبحسبه، من غير الجائز لأيّ كان حمل السلاح من غير العسكريين، وهو يحدّد من يحقّ لهم حمله، وهم أشخاص تكون حياتهم معرّضة للخطر، كعمّال الصيرفة أو من يعملون بالذهب ومن ينقلون الأموال، فضلاً عن الذين تصلهم تهديدات تكون الدولة متحرّية عنها.

لذلك، فإنّ الرادع القانوني موجود، لكنّ المشكلة في تطبيقه، خصوصاً أنّ السلاح منتشر في البلد نظراً لمروره بفترات فوضى، ولا وجود لمكان شرعي لشراء السلاح فيه.

وهنا، وبحسب الخبير الاجتماعي د. أنطوان مسرّة، لا تعود المشكلة إلى تقصير الدولة فقط، التي لا يمكنها دخول كل منزل وتفتيشه، بل للثقافة التي باتت تحلّل على الجميع استخدام السلاح، وإن لأتفه الأسباب.

مع الإشارة إلى أنّ سوق السلاح لم تعد تقتصر على أوكار سريّة أو مناطق بعيدة عن السلطات المختصة، إذ لم يتردّد بعض تجار السلاح في ممارسة عملهم «على عينك يا تاجر»، فلجأوا إلى التكنولوجيا للترويج لبضاعتهم، وأنشأ عدد منهم صفحات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي تُعنى ببيع مختلف أنواع الأسلحة، وذلك من دون حسيب ولا رقيب.

رخص «فضفاضة»

ما يفاقم الوضع في لبنان هو عدم وجود معايير محدّدة لإعطاء رخص حمل السلاح وكيفية تتبّعه وأهليّة مستخدميه، إذ إن قانون الأسلحة والذخائر اللبناني لم يُعدَّل منذ تمّ وضعه عام 1959، ما عدا بعض التعديلات الطفيفة. وكلّ ما يحدث في هذا البلد يشجّع على اقتناء السلاح الفردي واستعماله، في حين أن القانون لا يشجّع على التخلّص منه.

كما أنّ هناك إشكالية كبيرة في إعطاء رخص السلاح. فقانون الأسلحة والذخائر اللبناني يحصر صلاحية إعطاء رخص اقتناء السلاح وحيازته وحمله بمرجعية وزارة الدفاع.

وينصّ القانون المذكور على «حظر نقل الأسلحة والذخائر أو حيازتها من الفئة الرابعة في الأراضي اللبنانية، ما لم يكن الناقل حائزاً رخصة صادرة عن قيادة الجيش وتُعطى لمدّة سنة واحدة ويجوز تجديدها».

إلا أن الخطير في الأمر، وفق مصادر معنيّة، هو في عشوائية إعطاء الرخص ومضمونها. فأغلب هذه الرخص تُعطى لمحسوبين على فئات سياسية ونافذين، من دون أن يُحدَّد فيها نوع السلاح أو كميته، إذ غالباً ما تنصّ على أنّ «الكمّ مختلف» و«النوع مختلف» أيضاً. كما تمنح رخص «تسهيل مرور».

حظر السلاح في الأماكن العامة ضرورة ملحة

استناداً إلى مصادر جمعيات أهليّة معنيّة بهذا الموضوع، فإنّ هناك معايير يجب أن تلحظها أيّ تعديلات جديدة تطرأ على قانون الأسلحة والذخائر، ولا سيما لجهة تحديد معايير الحصول على رخصة حمل سلاح.

وأبرز المعايير الأساسيّة التي تشكّل ضرورة ملحّة لضبط استعمال السلاح الفردي، تتلخّص بالعناوين التالية: إصدار عفو دوري من كلّ التبعات القانونية لأيّ مواطن يرغب بتسليم سلاح بحوزته، التشدّد بإعطاء الرخص لجهة التأكّد من شرط كفاءة المستخدِم ومدى أهليته وإلمامه بالقانون، الاكتفاء بتطبيق المادة «24» من قانون الأسلحة والذخائر وليس تعميم المادة «25» منه (المادة الأولى تنصّ على إعطاء ترخيص للمسدسات.

أما المادة الثانية، فتنصّ على ترخيص أسلحة حربية للمدنيّين، وهذا استثناء في هذا المادة مردّه إلى حال الاضطراب الأمني)، التقييد بتضمين الرخصة كلّ المعلومات عن السلاح المرخّص حتى تتمكّن السلطات من تتبّع مسار هذا السلاح، تحديد عدد الرخص المسموح بها للسياسيين وبشكل موضوعي، إدخال تعديل قانوني يحظّر حمل السلاح في الأماكن العامة، تشجيع مبدأ إعلان بلدات ومدن وقرى خالية من السلاح، تنظيم عمل شركات الأمن الخاصة، مبادرة الجهات الأمنيّة إلى مصادرة السلاح عندما تأتي أيّ شكوى عن عنف أسري حتى لا يُستعمل السلاح في جريمة قد ترتكب لاحقاً، تحديد أنواع السلاح وكميّاته في حال إعطاء أذونات خاصة مثل «تسهيل مرور» أو «ورقة مهمّة خاصة»، وتشديد رفع العقوبات على إطلاق النار في الأفراح والأحزان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات