مدارس مصرية بنكهة سوريّة صمود على درب العلم

جانب من أنشطة مراكز سورية تعليمية في مصر (9)

على امتداد الطريق إلى واحدة من أبرز المُدن الواقعة على أطراف العاصمة المصرية وهي مدينة العبور (شمال شرق القاهرة) ثمة الكثير من المدارس المتنوعة ما بين الحكومية والخاصة واللغات والدولية، يستطيع المارّ عليها التمييز بينها أحياناً من مجرد مظهرها الخارجي وتصميمها، وأحياناً أخرى ربما من إسمها، إذ إن للحكومية بشكل خاص طابع يُميّزها عن سواها.

وكذا تتمايز المدارس الخاصة واللغات والدولية من اسمها الذي يُبرز طبيعتها الخاصة.. لكن أحداً لا يُمكنه أن يتخيل أن مبنى يبدو للوهلة الأولى رياضياً ترفيهياً يحمل اسم «نادي جمعية أصحاب المدارس الخاصة» يضم واحدة من «المدارس» ذات الطابع الخاص جداً بتلك المدينة الواقعة إدارياً في محافظة القليوبية.

لا تستطيع أن تصفها بالمدرسة ولا تتشابه مع المراكز التعليمية الأخرى أيضاً، هي كيان وسط بين المدرسة والمركز، تأخذ من المدارس نظامها الخاص (الفصول والحصص اليومية ونظام الدوام وساعات الوصول والمغادرة والمناهج المُحددة)، ومن المراكز التعليمية المرونة في عدم الالتزام بالزيّ الموحد، وكذا عدم الالتزام التنظيمي الذي يجعلها تحكم مستقبل الطالب بالنجاح أو الرسوب.

تلك المؤسسة الصغيرة، التي نُطلق عليها تارة «مركز» وتارة أخرى «مدرسة» هي واحدة من المؤسسات التعليمية الخاصة بتعليم الطلاب السوريين -على وجه الخصوص.

وإن كان بها طلاب مصريين وسودانيين أيضاً- في مصر، ضمن الكثير من المؤسسات المشابهة سواء في المدينة ذاتها أو في مدينة 6 أكتوبر وغيرها من المُدن التي تحظى بانتشار واسع للسوريين في أرض الكنانة، التي اتخذت على عاتقها مسؤولة تعويض الأطفال والطلاب السوريين ما فاتهم في سياق التعليم وتأمين مستقبلهم.

منهج مصري

الزائر لمثل تلك «المدارس» قد يظن لوهلة أنه دخل إحدى المدارس السورية، الوجوه السورية المألوفة والمظهر المميز واللهجة التي تأخذ العقل والقلب بجمالها وتعبيراتها الفريدة، لكنّه بعد ذلك يُفاجأ بأن هناك مُعلمين مصريين، وأيضاً طلاباً مصريين ومن جنسيات أخرى، يعكفون جميعهم على دراسة «منهج مصري صرف».

يلجأ الطالب السوري إلى تلك المدارس التي عليه الدوام ساعات معينة منذ الصباح فيها -كأي مدرسة عادية- لكنه في الوقت ذاته يكون مُسجلًا على قوة إحدى المدارس الحكومية، لكنه لا يذهب للدوام فيها يومياً؛ نظراً لما تشهده تلك المدارس من تكدّس، بينما يؤدي فيها امتحانات منتصف ونهاية العام كي يجتاز المرحلة ويحصل على الشهادة، لكن دوامه اليومي في تلك المراكز، بحسب ما تؤكده زيادة.

«لا تواجهنا صعوبات كثيرة عن العادية الموجودة في مصر، من بينها نظام التعليم المصري، وحتمية الدروس الخصوصية.. اللهجة وتكدس الأطفال.. نحاول التغلب على ذلك في المركز الذي يضم قرابة 1200 طالب». وتقول زيادة إن الكادر الخاص بالتدريس نصفه سوري ونصفه الآخر مصري، وتتم الاستعانة بالكادر المصري بشكل خاص في المواد التي تحتاج الكادر المصري، على اعتبار أن المناهج المُدرّسة هي مناهج سورية.

طابع خاصالفصول المخصصة لسن ما قبل المدرسة، الحضانة والروضة وKG، تتميز بطابع خاص داخل المراكز التعليمية المختلفة التابعة لمركز سوريا الغد التعليمي، لما لها من تصميم مميز بألوان زاهية وألعاب ومساحة وأجواء يملؤها البهجة و«الشقاوة» كثيراً على مدار اليوم..

تسمع هنا أغاني أطفال سوريا، وأناشيد تعليمية باللهجة الشامية.. بينما صفوف المدرسة من الأول الابتدائي حتى الثالث الإعدادي تتميز بنظامها المُحدد وساعات الدوام والمناهج المصرية.

«هذا أشبه ببيت ووطن صغير يحتوي الأطفال والمعلمين والكادر كله.. نشأت تلك المراكز من احتياج أطفالنا إلى بيئة آمنة وسليمة، بيئة فيها لطف وحنان، نزرع فيهم قيمة إنسانية، ونبني جيلاً قارداً على رفع اسم بلدنا من جديد»، تقول نور دروبي (إدارية بأحد أكبر المراكز السورية المختصة بالتعليم في مصر). وقد تأسست تلك المراكز من مشرع الاندماج الإيجابي من خلال احتياج الطلاب لهذه البيئة الآمنة واحتياج الكادر السوري لفرص عمل.

وتستطرد دروبي: «نحن ندرس المادة العلمية الخاصة بالمنهج الحكومي التابع لوزارة التربية والتعليم المصرية، لكن بأيادٍ مصرية.. لدينا خبرة خاصة وطريقة تعليم.. الأسلوب واللغة واللهجة تفرق مع الطالب كثيراً.. الطالب يأخذ المادة العلمية في المركز، لكنه يؤدي امتحاناته في المدارس المصرية لينجح ويترفع».

الألم النفسي

الشغل الشاغل لتلك المراكز التعليمية هو تحقيق تلك البيئة الآمنة التي تحدثت عنها دروبي، جنباً إلى جنب وتعويض النقص والألم النفسي الذي يعاني منه الكثير من الأطفال خارج بلدهم كما سبق وأشارت زيادة في حديثها بشأن اهتمام المراكز التعليمية السورية بمسألة الإرشاد النفسي.

تغلب أجواء المرح والسعادة على تلك المراكز، فهي من ناحية لا تلتزم تماماً بالإطار المدرسي المُحكم الذي يفرض زياً محدداً على الطالب، ومن ناحية أخرى لن يجد الطالب -كما الحال في كثير من المدارس المصرية- مدرساً يمارس ضده أي شكل من أشكال التنمر أو الضغط عليه للحصول على دروس خصوصية، وغيرها من السمات التي تجعلها الطالب السوري في تلك المراكز في بيئة آمنة وداعمة له نفسياً، خاصة أن مصروفات كثير من تلك المراكز «رمزية»، وهي بحسب وصف رئيس مجلس أمناء سوريا الغد، ملهم الخن:

«مصروفات تشغيلية بسعر التكلفة وأحياناً كثيرة أقل من سعر التكلفة، إضافة إلى رعاية الأيتام وكفالتهم». «نحن نسعى لبناء جيل قادر على العودة إلى سوريا في المستقبل وبناء سوريا التي نطمح لها جميعاً.. سوريا الحضارة التي عرفت بأنها أرض الحضارات..

فقدنا الكثير من المدن وعمّ الدمار العام في أنحاء سوريا، لكننا لا نريد أن نفقد الجيل.. هذا الجيل هو اللبنة أو الشيء الوحيد القادر على العودة والنهوض بسوريا في المستقبل»، كما يقول الخن، الذي يوضح أن مؤسسته منذ بداية الأحداث في سوريا وقدوم أعداد كبيرة من السوريين إلى مصر «أخذت على عاتقها نشاطات كثيرة كان أهمها نشاط التعليم، وهو من أبرز الأمور التي كانت توليها المؤسسة اهتماماً كبيراً، نظراً لأهميته الكبرى».

يشير الخن إلى أنه «في بداية الأحداث كنا نتوقع أن الأزمة لن تطول، وأن اللاجئين سيعودون إلى سوريا، لكن مع تأكد طول أمد الأزمة كان لابد من حلول خاصة للسوريين في مصر، خاصة فيما يتعلق بمسألة التعليم التي كانت تمثل إشكالية كبرى، حاولت المؤسسة التغلب عليها من خلال افتتاح مراكز تعليمية وكفالة غير القادرين على التعليم فيها أيضاً، وذلك منذ عام 2012.. ويتوافد على تلك المراكز أعداد كبيرة من السوريين».

لا يتوقف دور تلك المدارس المختلفة التابعة لأكثر من جهة سورية في مصر، عند حد النشاط التعليمي، فإن الكثير منها يحمل على عاتقه مسؤولية الرعاية الصحية والنفسية، وكذا رعاية وتنمية المواهب وصقلها وتسويقها أيضاً، من أجل تعويض النقص الذي يعاني منه الطالب السوري الذي انتقل من بلده إلى بلد آخر تحت وطأة ظروف الحرب التي تشهدها سوريا.

ومن ثم تولي تلك المراكز اهتماماً كبيراً بالنشاط الترفيهي أيضاً. ولعل هذا الأمر ما حبب الكثير من الطلاب السوريين في تلك المراكز، ومن بينهم «عمر» في الصف السادس في أحد تلك المراكز، الذي قال إنه يهوى كرة القدم، والمركز يقوم مرتين أسبوعياً بتنظيم مباريات كرة قدم خارجه للطلاب الموهوبين فيها، فضلاً عن رعايته لمواهب أخرى مثل السباحة وغير ذلك، إضافة إلى الرحلات التي يقوم بها المركز.

تعويض تعليمي في أجواء من الألفة

في الأسبوع الأول من شهر سبتمبر بدأت بعض المراكز في استقبال الطلاب الجدد والقدامى، وبدء مراجعات عامة وتقديم المناهج الجديدة للعام الدراسي الجديد 2018 ـ 2019، ويصف «عمر» اليوم الأول بأنه كان عبارة عن تعارف على الأساتذة والزملاء الجدد.

ومراجعة عامة على بعض المبادئ في كل مادة، واستعراض شامل للمناهج الجديدة وطبيعتها. يعتقد عمر بأن دراسته في المركز عوضته كثيراً فيما يخص تعليمه، بعدما انتقل من سوريا إلى مصر، متحدثاً عن أجواء الألفة بينه وبين زملائه بالصف.

جهود مبذولة هنا وهناك من أجل تأمين مستقبل أفضل لجيلٍ تلقى على عاتقه بناء سوريا الجديدة، بعد الدمار الذي حل بها، فهل كافية تلك الجهود من أجل تأمين تعليم مناسب لهذا الجيل؟

الأرقام الصادرة عن المؤسسات المختصة لا توحي بذلك، وتضع المنظمات الإنسانية والكثير من الحكومات والجهات المعنية أمام مسؤولياتها الخاصة من أجل توفير تعليم آمن للطلاب السوريين سواء بالداخل أو الخارج على اعتبار أنهم العمود الفقري لسوريا المستقبل، وذلك بينما يحبس الجميع أنفاسهم انتظاراً لعودة سوريا والعودة إلى سوريا عندما يحل الأمن والاستقرار فيها بعد سنوات الدمار.

2.1 مليون طفل سوري خارج مقاعد الدراسة

إحصائية خطيرة تؤكد خطورة شبح «التجهيل» الذي يواجهه جيل كامل من السوريين، كشفت عنها منتصف العام الجاري 2018 منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة «يونيسيف» ذلك أن «الحرب تسبّبت في إقصاء كل هؤلاء عن مقاعد الدراسة». بينما إحصائية أخرى أعلنت عنها مفوضية اللاجئين في شهر سبتمبر الجاري، كشفت عن أن «هناك ما يقرب من 2.7 مليون طفل سوري محرومين من التعليم.

بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها بلادهم»، وأن «هناك أكثر من مليوني طفل داخل سوريا، وقرابة 700 ألف طفل سوري لاجئ في الدول المجاورة، خسروا سنوات من التعليم بسبب الحرب المدمّرة ».

تتداعى إلى الأذهان تلك الإحصاءات الخطيرة التي تتناقلها المنظمات الدولية ومن بينها لا شك ما يتعلق بالتعليم، وذلك لدى تفقد فصول وأقسام المدارس التي يُداوم فيها الطلاب السوريون يومياً، والتي فتحت أبوابها قبل بدء الدراسة رسمياً في مصر بعشرة أيام تمهيداً للعام الدراسي الجديد.

كل فصل يحتوي على عدد محدود من الطلاب، وعلى كل مقعد طالبان، البنات إلى اليمين والبنين إلى اليسار، وإن بدا البنات في الكثير من بعض الفصول أكثر، والمُدرسون يعكفون على تدريس المادة العلمية وفق المناهج المُقررة من قبل وزارة التربية والتعليم المصرية.

كما أن هناك وقتاً لـ«الفُسحة» بمنتصف اليوم بين «الحصص»، ولدى الانصراف يصطف الطلاب في «طوابير» كل على حسب «الباص» أو الحافلة التي تقله إلى مكان سكنه في المدينة.

المُميز في تلك النوعية من «المدارس» أنها لا تهتم فقط بتدريس المناهج التعليمية الخاصة بكل فصل دراسي، لكنها تضيف «الإرشاد النفسي» و«الرعاية الصحية» إلى الطلاب. القاهرة - البيان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات