وقف تمويل «الأونروا» قرار يشطب قضية - البيان

وقف تمويل «الأونروا» قرار يشطب قضية

منذ تسلّم دونالد ترامب كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، يتواصل مسلسل القرارات والإجراءات المناهضة لحقوق الفلسطينيين والتي تصب في خدمة إسرائيل وسياساتها. آخر قرارات هذه الإدارة وأخطرها القرار القاضي، في 31 أغسطس هذا العام، بوقف التمويل كلّياً عن وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا).

يعتبر معظم الفلسطينيين أن هذا القرار هو الأخطر لأنه يستهدف جوهر القضية الفلسطينية باعتبارها بالأساس قضية لاجئين، ذلك أن مصطلح القضية الفلسطينية نشأ إثر نكبة الفلسطينيين سنة 1948، ولم يكن وقتها قد ظهر مصطلح دولة الـ 67، ولا حل الدولتين، إذ أن الضفة الغربية، بما فيها الشطر الشرقي من القدس، لم تكن وقعت تحت الاحتلال الذي حلّ بها بعد ذلك بتسعة عشر عاماً.

هذا يعني أن القضية الفلسطينية في جوهرها قضية لاجئين، قضية شعب طرد من أرضه قسراً وتحت تهديد السلاح وفعل المجازر، ووجد نفسه يعيش في أسوأ ظروف في الخيام وتحت رحمة ما يسمى المجتمع الدولي والدول المضيفة. وبالتالي فإن «الأونروا» تعكس اعتراف المجتمع الدولي الذي أقرّ قيام إسرائيل على أرض فلسطين بمسؤولية ما عن قضية اللاجئين، هذا المجتمع الذي أقرّ حق العودة للاجئين الفلسطينيين من خلال القرار رقم 194 ولم يتمكّن من فرضه على إسرائيل، مثله مثل سائر القرارات المتعلّقة بالقضية الفلسطينية.

من هذا المنطلق، يظهر أن للقرار أبعاداً سياسية قبل أن تكون مالية، رغم أن هذه الوكالة تقدّم خدمات مهمة للاجئين الفلسطينيين في شتى المجالات الحياتية بدءاً من الصحة وليس انتهاءً بالتعليم. فعلى مر السنين، كان لأولئك الذين فرّوا من منازلهم بعد النكبة أطفالاً، ثم أنجب أطفالهم أطفالاً، وبالتالي لم تعد القضية مجرد نزوح اللاجئين الأصليين، بل عن حل عادل لحوالي 5 ملايين شخص لا تزال أعينهم مُعلّقة بأرض فلسطين التاريخية، وما خسرته عائلاتهم.

ولم يكن قرار إدارة ترامب مفاجئاً أو بلا سياق. فقد قرّرت هذه الإدارة مطلع العام الجاري 2018 تخفيض الدعم السنوي الذي تقدمه الولايات المتحدة الأميركية للوكالة، من 365 مليون دولار، إلى 125 مليون دولار سنوياً، لم تقدم منها لعام 2018 إلا 60 مليون دولار.

كما ترافق وقف تمويل «الأونروا» مع قرار آخر اتخذته إدارة ترامب، ويتمثّل بحجب مساعدات إغاثية وطبية وتنموية بقيمة 200 مليون دولار، كان من المفترض صرفها هذا العام في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى قرار بوقف مساعدات بقيمة 20 مليون دولار للمستشفيات في القدس المحتلة.

أسباب معلنة

الإدارة الأميركية قدّمت ثلاثة أسباب لتبرير قرار وقف التمويل عن «الأونروا»: الأول أن استمرار بقاء الوكالة يسهم في استدامة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي؛ بزعم أن إصرار الفلسطينيين على حق العودة إلى الأراضي والبيوت التي هُجّروا منها منذ عام 1948 بحسب نصّ قرارات الشرعية الدولية، وتحديداً قرار مجلس الأمن رقم 194، يتناقض كليّاً مع اعتبارهم إسرائيل «دولة الشعب اليهودي»، ومن ثمّ «يعطّل» أي إمكانية لتحقق «السلام» بين الطرفين. وترى إدارة ترامب أن بقاء «الأونروا» يذكي باستمرار جذوة حق العودة للفلسطينيين.

هذا يؤكد أن القرار الأميركي يهدف لشطب حق العودة خدمة لمصالح إسرائيل، بدليل أن إدارة ترامب طالبت «الأونروا» بحصر من يحمل صفة اللاجئ فلسطينياً في مَن تبقى من الجيل الذي عايش نكبة عام 1948، وتحديد عددهم بنصف مليون شخص على الأكثر؛ أي عُشُر العدد المسجل لدى «الأونروا»، بعد استثناء الأبناء والأحفاد، وحتى هذا العدد من اللاجئين سيغادر الحياة بعد حين. وتضغط إسرائيل، ومسؤولون في إدارة ترامب لنقل مسؤولية هؤلاء النصف مليون فقط من «الأونروا» إلى «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين».

الأهداف

وبعد شطب ملف القدس وإزاحتها عن الطاولة، وفق تعبير ترامب نفسه، وبعد شطب قضية اللاجئين وإزاحتها عن الطاولة، بالتواؤم التام مع إسرائيل، فإن الخطة الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية، ضمن ما يعرف بـ «صفقة القرن» تصبح أكثر وضوحاً، سيما إذا ما أخذنا بالاعتبار ما تقوم به إسرائيل من تكثيف للاستيطان.هذا يعني أن ترامب يختزل «صفقة القرن» في مفاوضات على حدود وهمية تقع ضمن الضفة الغربية ولا تحدّها، وعلى إدارة لشؤون سكانها، من دون سيادة، وهو يسعى لخنق الفلسطينيين من أجل إجبارهم على قبول صفقة القرن.

هذا الاستنتاج أكدته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية التي قالت إن قرار الإدارة الأميركية وقف تمويل وكالة «الأونروا» كلياً، هي خطوة تأتي للبدء في تنفيذ «صفقة القرن»، وأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تنفذ بالفعل خطتها بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والقضاء على الحركة الوطنية الفلسطينية. واعترفت الصحيفة أن «صفقة القرن» الأميركية تتفق تماماً مع مواقف وأهداف إسرائيل.

تداعيات

القرار الأميركي الجديد ستكون له تداعيات إنسانية وسياسية كارثية، وفق القيادات الفلسطينية. فأمين سر حركة فتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان فتحي أبو العردات اعتبر، وفق ما نقل موقع «المدن» الإخباري، أن للقرار تداعيات خطيرة على حياة أكثر من 5 ملايين و800 ألف لاجئ فلسطيني موزعين بين لبنان وسوريا والأردن وغزة والضفة الغربية. فعلى المستوى الإنساني هناك أكثر من 3 ملايين حالة صحية تستقبلها المستشفيات والمستوصفات في دول الشتات. وهناك مئات آلاف التلاميذ الذين يتعلمون في مدارس «الأونروا» سيبقون من دون تعليم في حال لم تعمل الدول على سدّ العجز الجاري. وتشغّل الوكالة أكثر من 30 ألف فلسطيني، وتسهم في تقديم المساعدات العينية المباشرة لآلاف العائلات الأكثر فقراً، وفق أبو العردات.

302

أنشئت الأونروا بقرار الجمعية العامة رقم 302 (الدورة الرابعة) وتمثل تفويضها الأولي في تقديم «برامج الإغاثة المباشرة وبرامج التشغيل» للاجئين الفلسطينيين من أجل «تلافي أحوال المجاعة والبؤس... ودعم السلام والاستقرار». وحلت الأونروا محل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين التي أنشئت في سنة 1948.

194

تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 194 (الدورة الثالثة) الذي تقرر فيه «وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وكذلك عن كل فقدان أو خسارة أو ضرر للممتلكات بحيث يعود الشيء إلى أصله وفقاً لمبادئ القانون الدولي والعدالة، بحيث يعوّض عن ذلك الفقدان أو الخسارة أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة».

273

كان قبول إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة مشروطاً حسب القرار 273 في 11/‏5/‏1949. وورد الشرط في قرار الجمعية العامة متمثلاً في قبول إسرائيل «بالالتزامات الواردة في الميثاق».

ووفقاً لمناقشات مجلس الأمن والجمعية العامة وبخاصة القرار 194 ومنها الفقرة رقم «11» التي تنص: «تقرر وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم، والعيش بسلام مع جيرانهم ووجوب دفع التعويضات عن ممتلكات الذين يقررون العودة إلى ديارهم، وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندها يكون من الواجب وفقاً لمبادئ القانون الدولي والأنصاف، أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة».

2535

ظلت الأمم المتحدة منذ 1952 تناقش قضية فلسطين بشكل روتيني حتى 1969، حيث أصبحت تناقش كقضية شعب يطالب بحقوقه، وليست على أساس أنها فقط قضية لاجئين وإغاثة. ففي 10/‏‏12/‏‏1969 صوتت الجمعية العامة على القرار 2535 - ب الدورة 24 الذي جاء فيه: «أن الجمعية العامة إذ تقر بأن مشكلة اللاجئين العرب نشأت عن إنكار حقوقهم الثابتة التي لا يمكن التخلي عنها والمقررة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تعود فتؤكد الحقوق الثابتة لشعب فلسطين».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات