قضية

الهجرة واللجوء.. مآسٍ تتقاذفها رياح السياسة

الروهينغا مأساة تتجاوز حدود المعالجة الدوليسة - أرشيفية

يشهد عام 2018 اختباراً لرغبة المجتمع الدولي الفعلية في حل بعض التحديات الشائكة في سياسة اللاجئين والهجرة، بعد أن بدأ الشعور بإلحاح هذه الأزمة في الانحسار في أوروبا أخيراً.

وأوجد وصول اللاجئين إلى أوروبا عام 2015 زخماً لجهود إصلاح هذه السياسة عالمياً ومحلياً، وستواجه هذه الجهود اختباراً في الجدوى السياسية هذا العام.

وستساعد على تحديد ما إذا كان المهاجرون واللاجئون سيتلقون حماية أفضل. فبعد عامين من إعلان نيويورك بشأن اللاجئين، تعمل حالياً 193 دولة في الأمم المتحدة على إبرام اتفاقين عالميين في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر.

الميثاق العالمي حول اللاجئين يهدف إلى تأسيس تقاسم أفضل للمسؤولية عن اللاجئين الذين يعيش حالياً 84% منهم في العالم النامي، إضافة إلى تحسين استجابة أكثر فعالية لأزمات اللجوء. كما الميثاق العالمي بشأن الهجرة الآمنة والمنتظمة والمنظمة إلى تحسين التعاون الدولي وجعل الانتقال أكثر أماناً للمهاجرين.

يقول تشارلوت ألفرد إنه سيكون على الميثاقين مواجهة مقاومة رياح سياسية عاتية. فقد انسحبت الولايات المتحدة من ميثاق الهجرة في أواخر 2017، مشيرة إلى مخاوف سيادية.

وكانت دعوة البلدان لمزيد من التعاون بشأن الهجرة على الدوام، عملاً يتصف بالحساسية السياسية، ومن المتوقع أن يستمر اللاجئون كبش فداء في تشكيل السياسة الانتخابية في الولايات المتحدة وأوروبا في المدى المنظور.

وفي أثناء ذلك، يواجه ميثاق اللاجئين مهمة صعبة في دمج اللاجئين، ميزانية المساعدات المتناقصة وتقلص مواقع إعادة التوطين، تضعان المزيد من المسؤولية على الدول النامية في العالم.

شكوك كثيرة

يقول جيف كرسب من مركز دراسات اللاجئين، إن العالم سيتمكن من رؤية ما إذا كان الخطاب بشأن الميثاق العالمي عن اللاجئين يمكن تحويله إلى إجراءات عملية تحسن بشكل ملموس الحماية والمساعدة والحلول المتوافرة للاجئين. وفيما من المؤكد أن يقدم الميثاق مجموعة من الأهداف النبيلة لحشد الدعم الكامل من المجتمع الدولي، فإنه لا توجد ضمانة أن الدول سوف تحترم المبادئ التي يقوم عليها.

يضيف ألفرد أنه في السنوات الأخيرة، تبدو الدول أكثر استعداداً لمنع الناس من اللجوء، وإكراه اللاجئين على العودة إلى بلدانهم الأصلي، وتجاهل مبدأ تقاسم المسؤولية وحرمان النظام المساعدات الإنسانية من التمويل المطلوب. وسوف يظهر في سبتمبر ما إذا كان المسار القائم لتشكيل الميثاق العالمي يمكنه البدء في عكس تلك الاتجاهات، وهو أمر مشكوك بأمره.

وفي سبتمبر أيضاً، سيجري امتحان استعدادات المجتمع الدولي لمعالجة محن الذين يقعون خارج تعريف اللاجئين، لا سيما النازحين، أولئك المقتلعين بسبب التغيير المناخي والكوارث الطبيعية، والمهاجرين المنتقلين لأسباب اقتصادية أساساً، والمحاصرين أو الخاضعين لسوء المعاملة في مسار رحلتهم.

وفيما تسعى أوروبا إلى تقليص عدد المراكب المنطلقة من تركيا وليبيا باستخدام مساعدات التنمية وإعادة المهاجرين إلى أوطانهم والضغوط السياسية، ومنع ظهور أي ممرات جديدة، تسعى إسرائيل وأستراليا في المقابل، لإفراغ مراكز احتجاز المهاجرين بطرق مثيرة للجدل، وتسعى الولايات المتحدة إلى فرض قيود أكثر تشدداً على كل أشكال الهجرة.

ووفقاً لمات هربرت من المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، كان عدد المهاجرين غير النظاميين المسجلين من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا في 2017 ضعف عام 2016، ويقول: «فيما الزيادة الكبيرة في الهجرة تراجعت، فإن الظروف التي دفعت بها لم تتراجع، وتبدو على الأرجح أنها على أسوأ هذا العام».

مقاربات بديلة

وكان هناك أخيراً زخم سياسي لنماذج بديلة للاستجابة لقضية اللاجئين، حيث تشير كلير هيغينز من مركز كالدور للقانون الدولي للاجئين، إلى أن قضية المسارات الآمنة لطالبي اللجوء واللاجئين كانت تحظى بمزيد من الاهتمام.

في الأشهر 12 الماضية، أوصى تقرير الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الهجرة بتوسيع الدول برامج التأشيرات الإنسانية وتأسيس برامج داخلها، فيما تم تأسيس ممرات إنسانية على نطاق صغير في فرنسا وبلجيكا.

وأخيراً، بدأت مفوضية اللاجئين بتسهيل إجلاء أشخاص بحاجة إلى حماية من ليبيا إلى إيطاليا. وفي أستراليا، حيث سياسات قاسية من الاعتقال خارج الحدود وإعادة المراكب تبقى قائمة، تأتي تلك المبادرات الدولية الأوروبية لتعزيز الدعوات المتكررة من المجتمع المدني للحكومة الأسترالية بتوسيع المسارات الآمنة.

وفي الفترة الأخيرة، كان عدد المهاجرين واللاجئين العائدين إلى أوطانهم يزداد تباعاً، سواء عبر خطط طوعية، أو ترحيل إجباري أو مروحة من الأوضاع يضيع فيها الخط الفاصل بين الطوعي والإكراهي، حيث يهرب اللاجئون من الديون، وندرة المساعدات أو إزعاجات الشرطة، أو يواجهون خياراً بين الاحتجاز والعودة إلى الوطن.

ومن غير الواضح، إلى أي حد تلك العودة «دائمة»، حيث يصارع العائدون مع أوضاع من عدم الاستقرار الاقتصادي والأمني في بلدان مثل أفغانستان والصومال.

وفي أثناء ذلك، من المرجح أن يواجه السوريون، وهم أكبر مجتمع من اللاجئين في العالم، ضغوطاً متزايدة للعودة من أوروبا والشرق الأوسط، فيما يدير المجتمع الدولي بازدياد تركيزه إلى جهود إعادة بناء سوريا ويستعد لبنان لانتخابات طال تأجيلها في الربيع.

أفضلية العودة

يقول براد بليتز من جامعة ميدلسكس بلندن، إن ما يبدو واضحاً في التوجه العالمي هو أفضلية عودة اللاجئين، ويضيف أن بعض الدول مثل ألمانيا كانت تطور خططاً مفصلة لعودة اللاجئين، بما في ذلك الأفغان، وأنه من الممكن توقع استخدام المزيد من الحكومات مساعدات تنموية لتسهيل العودة.

وفيما تبدو سوريا غير ملاءمة لعودة اللاجئين حالياً، فإن هناك بلداناً أخرى حيث للدول الغربية والمفوضية نفوذ أكبر كان يجري تطبيق ضغوط لتسهيل مسار عودة اللاجئين.

وهذا الأمر كان أكثر وضوحاً في شرق إفريقيا، وربما كان الاقتراح المثير للقلق الدعوة إلى إعادة «الروهينغا» إلى موطنهم ميانمار قبل التوصل إلى حلول لقضيتهم، بما في ذلك حقهم في المواطنة. كما أنه ما إن يهدأ الصراع في سوريا فإنه ستكون هناك ضغوط كبيرة لعودة اللاجئين إلى هذا البلد، لا سيما من البلدان المضيفة في المنطقة.

معلقاً على النظرة إلى المهاجرين، يفيد نسيم مجدي، من صامويل هال: «ينبغي أن تُفهم الهجرة بمصطلحات من عدم المساواة والتنمية البشرية»، ويضيف أنه من الضروري ألا نسأل ما إذا كان الطفل مهاجراً أو لاجئاً أو ما إذا كانت لديه أوراق، بل الاعتراف بحقوق الطفل والسؤال عن مستوى تعليمه في المدارس.

ومكان والديه، وما هي المهارات التي لديه، للتأكد من قدرة كل مهاجر ولاجئ على المساهمة بأقصى طاقته، مع التخطيط للاندماج محلياً في المجتمعات في كل أنحاء العالم، وليس فقط داخل مجتمعات الأصل.

نظام اللجوء الأوروبي المقترح يثير قلق مفوضية اللاجئين

أدى اندلاع عدد متزايد من الصراعات في بلدان متنوعة، كسوريا وجنوب السودان وميانمار، إلى الدفع بأعداد قياسية من الأطفال والنساء والرجال للنزوح عن بيوتهم في السنوات الأخيرة، كما أجبر الملايين منهم على طلب الحماية عبر الحدود الدولية.

وجاء فشل التوسط في اتفاق سلام وتحقيق الأمن في تلك المناطق المضطربة، كما تضارب ردود الفعل السياسية على مشكلة المهاجرين واللاجئين والساعين للجوء، بمثابة امتحان جديد لإطار العمل الدولي الخاص باللاجئين.

وحسب فولكر تورك، يقدر وجود 65.6 مليون شخص مشرد قسرياً اليوم في جميع أنحاء العالم، منهم أكثر من 17 مليونا يقعون تحت تفويض مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين. وهذا العدد الهائل لا يظهر فقط عيوب الاستجابة الحالية للمشكلة، بل وفر للمجتمع الدولي واجب القيام بمهمة مشتركة واضحة عالمياً، تكمن في معالجة مسألة انتقال كبير للاجئين والمهاجرين.

في عام 2016، استجاب المجتمع الدولي باجتماع حكومات 193 دولة عضو في الأمم المتحدة واتفاقها على استراتيجية واحدة للتعامل مع هذا التحدي، تمثل في إعلان نيويورك، وهو التزام كان للاتحاد الأوروبي مساهمة نشطة فيه، وكان داعماً له على الدوام.

هذا الالتزام سيتم إضفاء الطابع الرسمي عليه من خلال اعتماد الميثاق العالمي حول اللاجئين في وقت لاحق من هذا العام. وفي هذا الإعلان التاريخي، فان الدول اتفقت صراحة على «تقاسم أكثر إنصافا لمسؤولية استضافة ودعم لاجئي العالم».

ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن البلدان الأكثر فقراً في العالم تستمر حتى الآن في تحمل هذه المسؤولية، حيث ما يصل إلى 84% من لاجئي العالم يقيمون في البلدان النامية.

الأنظار لأوروبا

أعين العالم الآن مسلطة مرة أخرى على أوروبا. وتشعر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالقلق بشأن عدد من المقترحات في المفاوضات الجارية بشأن إصلاح نظام اللجوء الأوروبي المشترك.

وهذه تشمل مقترحات تلزم سلطات اللجوء في كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي برفض أي طلبات، باعتبارها طلبات غير مقبولة، من مقدمي طلب اللجوء الذين مروا في مسار رحلتهم المحفوفة بالمخاطر إلى أوروبا، عبر «بلد ثالث آمن» أو ما يسمى «بلد اللجوء الأول» حيث تمتعوا فيه بالحماية، وهو مقترح يتم تحويل المسؤولية فيه إلى تلك البلدان من دون فحص الأسباب الفردية لطلب اللجوء.

وبموجب القانون الدولي، يمكن تطبيق مفهوم «البلد الثالث الأمن» فقط على البلدان حيث طالب اللجوء بإمكانه أن يستفيد من الحماية الدولية بالفعل، وحيث بإمكان السلطات إظهار وجود علاقة لها معنى بين طالب اللجوء والبلد الذي يعتبر «آمناً». واقع أن طالب اللجوء انتقل فقط عبر بلد خارج الاتحاد الأوروبي قبل وصوله إلى أوروبا هو ببساطة غير كاف لتلبية هذا المعيار.

الآن، في الفترة التي تسبق اعتماد الميثاق العالمي حول اللاجئين وفي الوقت الذي يواجه العالم مستويات غير مسبوقة من التهجير القسري، هذا النهج الذي ينقل المسؤولية خارج الاتحاد الأوروبي يرسل إشارات سلبية إلى البلدان النامية التي تستضيف حالياً أكثر من أربعة أخماس اللاجئين في العالم. وسيسفر عن نتائج غير مرغوب بها .

حيث إن الدول غير الأوروبية قد تصبح أكثر تردداً في الاستثمار في أنظمة اللجوء الخاصة بها، إذا كان اعتبارها «أكثر أمانا»، سيسفر عن أعداد أكبر من عمليات الانتقال إلى أراضيها.

ينبغي أن تفيد الرسالة الخارجة عن المفاوضات الجارية في أوروبا، بأن جميع القارات لديها التزام بالتصدي وتحمل نصيبها العادل من المسؤولية لاستضافة اللاجئين ومعالجة الأسباب الجذرية للنزوح: الحرب والعنف والاضطهاد.

 

تعليقات

تعليقات