كأس العالم 2018

الكوريتان.. الحوار والسيناريو النووي

بدا خلال الأسابيع الماضية أن لعبة شد الحبال بين الكوريتين الشمالية والجنوبية قد وصلت إلى شعيرات القطع الأخيرة، الأمر الذي وضع كل العالم أمام سيناريو كارثي، هو أن اللعبة هنا ليست كأي لعبة والحبال ليست كأي حبال والشد ليس كأي شد.. إنها الكارثة النووية. لكن الإعلان في التاسع من الشهر الجاري عن أول محادثات رسمية بين الجانبين منذ ثلاث سنوات، ساهم في بث بعض التفاؤل بنزع الفتيل والنزول تحت نقطة الغليان.

ويبدو أن الأيام المقبلة قد تحمل بوادر انفراج للأزمة، إذ أطلق الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، دعوة لجاره الكوري الجنوبي للبدء بإجراء محادثات بين الطرفين، في منطقة منزوعة السلاح على الحدود بين البلدين.

ورغم أن الهدف المباشر لإجراء هذه المحادثات هو إرسال وفد رياضي شمالي إلى دورة الألعاب الأولومبية الشتوية التي تقام في بيونغ تشانغ الجنوبية خلال الفترة بين التاسع من فبراير المقبل، حتى 25 من الشهر نفسه، إلا أن هذه الخطوة قد يكون لها تأثيرات إيجابية على صعيد خفض التوتّر بين الجارتين.

وكان كيم جونغ أون أعلن في خطابه الذي ألقاه بمناسبة العام الجديد 2018 استعداده لإقامة محادثات رفيعة المستوى مع كوريا الجنوبية. ورحب رئيس الجنوبية مون جيه من جانبه بهذا الإعلان، ووجه أوامره بتسهيل إجراء المحادثات، كما رحّب بإرسال وفد كوري شمالي إلى الألعاب الأولمبية في بلاده. وفي وقت موازٍ، اتفقت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية على تأجيل مناوراتهما العسكرية السنوية، إلى فترة ما بعد الألعاب الأولمبية، حتى يتسنى تهدئة الأوضاع، تمهيداً لإجراء المحادثات.

مظلّة رياضية

ويتساءل الحريصون على السلم العالمي والرافضون للحرب إن كانت الألعاب الأولمبية التي ستقام هذا العام في كوريا الجنوبية ستسهم بتخفيف حدة المناوشات بين الجارين، خصوصاً إذا جرت مشاركة الوفد الرياضي الكوري الشمالي في الألعاب الأولمبية، لكي يمكن القول إن الرياضة نجت حيث فشلت السياسة.

ورغم أن عملية إحلال السلام تحتاج إلى وقت طويل نسبياً، إلا أن المراقبين يرون أن هذه الخطوة ستكون نقطة انطلاق نحو مزيد من الخطوات التي ستعمل على تهدئة الأجواء، بعد عامين من القطيعة الكاملة، وبعد نحو 70 عاماً من الحرب الكورية.

ولذلك، كانت توجيهات الرئيس الكوري الجنوبي بتسهيل المحادثات خطوة تهدف إلى أن تكون بداية لحل المشكلة الكورية، وإزالة التوترات المستمرة بين الطرفين، بالتزامن مع العمل على حل قضية السلاح النووي الشمالي. كما أعرب الرئيس مون جيه عن آماله بأن يسهم المجتمع الدولي في الدفع نحو الإجراءات المتبادلة المتعلقة بخفض مناطق التوتر بين دولته وكوريا الشمالية.

رأي واشنطن

يرى الأكاديمي في جامعة كوكمين في سيئول أندريه لانكوف أن كوريا الجنوبية حليفة الولايات المتحدة ترحب بمبادرة كوريا الشمالية، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى انزعاج الولايات المتحدة. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال إن العقوبات والضغوط على كوريا الشمالية بدأت تؤتي أكلها، بعد توجه كيم أون إلى الحوار مع كوريا الجنوبية. وأضاف: «رجل الصاروخ يريد الآن أن يتحدث مع الجنوبيين، ربما يكون هذا خبراً سعيداً، وربما لا، سنرى».

ولا شك أن نقطة الغليان التي وصلها المشهد أخيراً، لا تهبط من فوق ولا تتكوّن على نحو مفاجئ، بل بعد معيار تراكمي من التسخين. ففي يوليو من العام الماضي، أطلقت كوريا الشمالية صاروخين باليستيّين عابرين للقارات، قادرين على ضرب المدن الأميركية الكبرى. ورد مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات اقتصادية جديدة على البلاد، وهي الأكثر صرامة حتى الآن، ما يعني تخفيض نحو ثلث الإيرادات من الصادرات السنوية لكوريا الشمالية.

ومنذ ذلك الحين، تصاعدت التهديدات المتبادلة بين الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ-أون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وصلت حد المزاد العلني بشأن حجم الزر النووي الذي يقبع تحت إصبع كل منهما.

عندما يصل التوتّر إلى هذا الحد، يصعب على أي مراقب أن يتنبأ بما سيحدث في شبه الجزيرة الكورية. ولا تجد الولايات المتحدة التي تتزعّم القطب المضاد لكوريا الشمالية، ما يمكن فعله سوى الاستمرار في فرض مجموعة من العقوبات الاقتصادية والضغوط العسكرية والدبلوماسية في محاولة للوصول بنظام كيم جونغ أون إلى طاولة المفاوضات، من دون توافر أي ضمانات بشأن الباب المفتوح على جميع الاحتمالات، طالما أن أي مؤشّرات لا تصدر عن بيونغ يانغ توحي بأي نوايا للتراجع إلى الخلف، حيث قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل بضعة أشهر، إن الكوريين الشماليين قد يأكلون العشب ولن يتخلوا عن برنامجهم النووي.

سيناريو كارثي

لا يمكن للمرء أن يتصوّر سيناريو أكثر كارثية من صراع عسكري يمكن أن يمزّق جدار التقليدية إلى مواجهة نووية، لكن هذا السيناريو زادت احتمالاته بالفعل بعد إعلان إدارة ترامب أخيراً، أنها تنظر في خياراتها العسكرية، بما في ذلك «الحرب الوقائية»، من دون أن يكون واضحاً أن خياراً كهذا سيؤدي إلى نزع السلاح النووي في كوريا الشمالية أو إسقاط نظامها.

لكن ما هو أوضح أن هذا التصعيد مرشّح إلى أن يؤدي الى مواجهة مسلّحة بين الولايات المتحدة والصين، مع احتمال أن يتطوّر إلى حرب نووية، طالما أن أصابع ترامب وأون موضوعة على «الزر النووي».

وفي هكذا سيناريو، سيعاني الكوريون الجنوبيون الذين يقعون ضمن نطاق أسلحة كوريا الشمالية، بشدة من انتقام نظام كيم في حال وقوع أي ضربة أميركية. ولتكوين صورة عن النتائج المحتملة لصدام كوري جديد، نعود إلى الوراء كي نعرف أن الحرب الكورية في الفترة 1950-1953 قتلت أكثر من مليوني كوري، فضلاً عن 36.000 أميركي و600 ألف جندي صيني، مع العلم أن تلك الحرب لم تكن نووية.

الرهان الأفضل

معظم المراقبين ممن يتجنّبون الصوت العالي المتحمّس، يعتقدون أنه بالنظر إلى الخطر الذي ينطوي عليه الأسلوب العسكري في التعامل مع هذا الملف الحساس، فإن الضغط الاقتصادي والسياسي يظل أفضل رهان للمجتمع الدولي، من خلال الضغط لإجبار نظام بيونغ يانغ على التخلي عن برنامجه. وفي حين ترى بعض الدول أن العقوبات التي يفرضها مراراً مجلس الأمن الدولي تعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، ترى دول أخرى أن هذه العقوبات لا تكفي ولا ينتظر منها أن تأتي بنتائج ملموسة، إذ إنها لا تحظر إمدادات النفط إلى كوريا الشمالية على ما يبدو، بسبب معارضة موسكو وبكين التي ترفض بدورها تشديد الضغط على حليفتها.

فرغم أن الصين وافقت على العقوبات، إلا أنها ما تزال تتحفّظ إزاء أي سياسات يمكن أن تفاقم الأوضاع المتوتّرة أصلاً مع كوريا الشمالية. لذلك يعتقد مراقبون أن زيادة التعاون الأميركي-الصيني أمر ضروري، إذا ما أريد أن تتاح للعقوبات فرصة العمل. ولن يؤدي تجنّب هذا التعاون سوى إلى نتيجة مدمّرة، سواء كان ذلك صراعاً عسكرياً أو انهياراً غير منظم لنظام كوريا الشمالية.

ويرى هؤلاء أنه لا يزال ممكناً إقناع الصين بأن تضطلع بدور أكثر فعالية في تقييد نظام بيونغ يانغ. ولكن، حتى تبذل الصين مزيداً من الجهد، فإنها تحتاج إلى تأكيدات بأنها لن تفقد فوراً حاجزها الاستراتيجي في شبه الجزيرة الكورية. ومن هنا يشدد هؤلاء على الحاجة إلى اتفاق بشأن كيفية معالجة الانهيار المحتمل للنظام في كوريا الشمالية، وإعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية، ويعتقدون أنه مثل سقوط حائط برلين، يمكن انهيار نظام كيم فجأة، لذلك يتعين على الصين أن تحصل على ضمانات من الآن بأن كوريا موحّدة لن تكون عدواً لها، وأن الولايات المتحدة ستسحب قواتها المتمركزة حالياً في كوريا الجنوبية.

ضغط

ثمة معسكر أقل تشدداً، يرى ضرورة أن يواصل «المجتمع الدولي» الضغط السياسي والاقتصادي لدفع كوريا الشمالية إلى التخلي عن أسلحتها النووية، وأن تواصل كوريا الجنوبية جهودها لاستئناف الحوار مع الشمال حول القضايا الإنسانية والصحية والبيئية، إذ إن التبادلات المدنية وتدفق المعلومات يمكن أن يعزز القوى التي من شأنها إحداث تغيير أساسي من الداخل، في نظر هذا المعسكر.

تعليقات

تعليقات