بين أمريكا والصين.. هل «الغرب» في طريقه إلى الانهيار؟

قطع عسكرية أمريكية في بحر الصين الجنوبي | إي.بي.إيه

في مقابلة مع قناة أمريكية، أمس الجمعة، كان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، يحذر من التهديد الصيني، وكيف أن الهند رصدت انتشار 60 ألف جندي صيني على حدودهم الشمالية. في سياق كلامه المعتاد الذي تحول إلى خطاب متواصل عن الصين منذ شهور، حتى مع بابا الفاتيكان، لفت بومبيو إلى نقطتين متصلتين من حيث النتيجة، وهو مصير الغرب ككيان عسكري ومنظومة قيمية.

في البداية تحدث بومبيو عن الديمقراطيات الثلاث الرئيسية في المحيطين الهادي والهندي، وسمى كل واحدة بالاسم (الهند - أستراليا - اليابان)، مستبعداً كوريا الجنوبية من الديمقراطيات الرئيسية، لأسباب قد تعود إلى عدم اندفاع سيؤول للمواجهة مع جارتها القوية بكين، وربما يكون السبب أقل أهمية من ذلك وعابراً. هذه الكتلة الجديدة التي يمكن أن توصف كذلك بـ«ديمقراطيات جوار الصين الاستراتيجي»، هي المحور المستقبلي للسياسات الأمريكية، والبديل كذلك عن الساحة الأوروبية المليئة بالاستياء المتبادل بين الطرفين.

في المقابلة نفسها ينتقل بومبيو إلى التحذيرات العامة وإظهار التفوق الفكري على الصين: «لن نسمح لهم بعد الآن بالتحرك هنا وهناك بدون ثمن وفرض رؤيتهم للمستقبل على الغرب».

سؤال الأعوام المقبلة في فهم الاستراتيجية الأمريكية هو الحصول على جواب من الأمريكيين على سؤال: «ما هو الغرب؟».

لا توجد صياغة معلنة عن هذا السؤال حالياً؛ لأن ما حدث في السنوات الأربع الماضية يفتح الباب أمام سؤال أكثر حداثة، وهو هل بقي هناك غرب كإطار ثقافي وسياسي تجمعه قيم مشتركة ومصالح اقتصادية متشابكة وتكامل عسكري ورؤية موحدة لمواجهة أعداء مشتركين؟

الرباعية الديمقراطية

بحسب اتجاهات السياسة الأمريكية، وكذلك الأوروبية، فإن هناك تقييمات مختلفة تجاه ما يمثله خصوم الطرفين. وشيئاً فشيئاً، تفقد القيادة الموحدة للغرب في العالم ضمن أطرها القارية، مثل حلف شمال الأطلسي، معناها، في ظل الانزياح الأمريكي عن مشاغل الساحة الأوروبية. ومن النتائج الأولية لهذا الانزياح دخول مصطلح ركيك لغوياً، لم يعثر له على اختصار لليوم، وهو «دول رباعية المحيطين الهندي والهادي»، إلى قاموس الاستراتيجية الأمريكية.

تم تشكيل تكتل «الرباعية» الذي عقد اجتماعاً لأول مرة في عام 2019 في نيويورك، بتشجيع كبير من قبل رئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي، لكن هذا التكتل يبدو في الوقت الحالي رمزياً بشكل أساسي. وتهدف هذه المنصة الدولية غير الفاعلة حتى الآن، إلى مركز لرسم سياسات مشتركة ضد التمدد اشتباك المصالح الصينية مع مصالح هذه الدول.

بعد الاجتماع الرباعي بأسبوع، أجرت وزارة الدفاع اليابانية تدريبات للتصدي للغواصات في بحر الصين الجنوبي ونشرت ثلاث سفن شملت حاملة طائرات هليكوبتر وغواصة. وبالتزامن مع الإجراء الياباني، دخلت المدمرة الأمريكية جون مكين المياه الواقعة حول جزر باراسيل المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي دون إذن من الصين. وتطالب الصين بالسيادة على تقريباً كل المياه الغنية بالطاقة في بحر الصين الجنوبي وأقامت مواقع عسكرية على جزر اصطناعية في المنطقة. وتطالب بروناي وماليزيا والفلبين وتايوان وفيتنام أيضاً بالسيادة على أجزاء من البحر.

ويبدو أن الضغوط الأمريكية تؤتي ثمارها وتلحق ضرراً دعائياً بالصين، حيث إن الجانب الدعائي يحظى بمكانة مركزية في حملة الصين لبناء سُمعة موازية لتمدد مصالحها في العالم. ففي استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث ونشر الثلاثاء الماضي، تبدو صورة الصين في أدنى مستوياتها على الإطلاق في العديد من الدول الغربية.

وبحسب هذا الاستطلاع الذي أجري في 14 دولة، فإن 73% من الأمريكيين لديهم نظرة سيئة تجاه الصين، بزيادة تقارب 20 نقطة منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2017. أما في أستراليا، فإن 81% من الأستراليين لديهم آراء سيئة عن الصين. وتراجعت صورة العملاق الآسيوي أيضاً إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق في المملكة المتحدة وكندا وألمانيا وهولندا وإسبانيا والسويد وكذلك في كوريا الجنوبية. وفي فرنسا، أبدى 70% من المستطلعين آراء سلبية تجاه الصين.

تفكك الغرب

لكن الاستطلاع لا يعكس آراء الحكومات. فتقييم المخاطر تجاه الصين يعزز الانقسام بين ضفتي الأطلسي رغم ظهور مؤشرات مترددة عن إمكانية التحاق أوروبا بالرؤية الأمريكية.

في نهاية سبتمبر، قدم مسؤول أوروبي رأياً مغايراً لاتجاه الأوروبي في عدم جعل الخصومة مع الصين أولوية. وأكد المسؤول الألماني عن العلاقات عبر ضفتي الأطلسي، بيتر باير، أن على أوروبا والولايات المتحدة الوقوف صفاً واحداً في مواجهة «الحرب الباردة الجديدة مع الصين» بغض النظر عن الفائز في الانتخابات الأمريكية. وصاغ السياسي الألماني جملته بعمق قائلاً: «هذه الحرب بدأت بالفعل وسوف تشكّل هذا القرن».

لكن السياسي الألماني لا يعيش في أوهام العصر الذهبي في حال فوز جو بادين، رغم إقراره أنه مع بايدن ستصبح الصداقة بين ضفتي الأطلسي أكثر منطقية ويمكن تخمينها والاعتماد عليها بشكل أكبر، لكن «القضايا الخلافية لن تختفي بين ليلة وضحاها» وكان لافتاً استبعاده ما سماه «انهيار الغرب» في حال فوز ترامب، معللاً ذلك بأن «الشخص الذي يجلس في البيت الأبيض مهم. لكنه لا يستطيع السيطرة على العلاقات بين ضفتي الأطلسي. واشنطن والولايات المتحدة خصوصاً، ليست مجرد المكتب البيضاوي».

لكن باير، المنتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، ليس مؤثراً كبيراً على السياسة الخارجية الألمانية التي يديرها الاشتراكيون الديمقراطيون. وليس من المرجح أن تكون وجهة باير السياسية، القائمة على التقليل من مخاوف انهيار الغرب، محل ثقة.

في هذا الإطار، يرى المحلل السياسي الألماني، أندرياس كلوت، في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية، أن احتمالات تدهور العلاقات الأمريكية الأوروبية في المستقبل أقوى من احتمالات إصلاحها، حيث إنه لدى اثنين من بين كل ثلاثة أوروبيين لديهما نظرة سلبية تجاه الولايات المتحدة، وهناك انقسام كامل بين الألمان بشأن أولوية العلاقة مع الولايات المتحدة أو الصين، ويفضل شباب ألمانيا الصين.

ويرسم كلوت صورة متشائمة، على خلاف وزير الخارجية الألماني هايكو ماس الذي يتصور أن فوز ترامب بولاية ثانية سيؤدي إلى توحيد الاتحاد الأوروبي، لكن الاحتمال الأقوى برأي كلوت هو أن يؤدي ذلك إلى زيادة الخلافات داخل الاتحاد. وحتى في حال فوز بايدن، فإن الخلافات القائمة حالياً مع ترامب لن تختفي.

في كل السيناريوهات المرسومة، والمتداولة، لا يوجد من يراهن على بقاء «الغرب» ككتلة سياسية ملتفة على قيم مشتركة، وخصوم مشتركين. قد يكون ما يحدث حالياً من تحركات أمريكية بعيداً عن أوروبا، وعدم اهتمام أوروبي بمشاغل واشنطن في بحر الصين الجنوبي، وتحرك أمريكي أحادي في بحر المتوسط، علامة من علامات تفكك الغرب كمنظومة قيمية وليس فقط كتحالف عسكري.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات