لماذا الانفصال بين أمريكا وأوروبا حتمي سواء فاز ترامب أو بايدن؟

ببطء، ولكن بشكل مؤكد، يواصل فالق منتصف المحيط الأطلسي، توسيع المسافة الفاصلة بين كل أوروبا وأمريكا الشمالية من الناحية الجيولوجية، بمقدار بوصة واحد تقريباً كل عام. وعلى الصعيد الجيوسياسي، يتكرر هذا الأمر الآن، فقبل جيل واحد من الآن، كانت الولايات المتحدة، الحليف الذي لا غنى عنه لأوروبا. بل إن أمريكا الآن تبدو تحت رئاسة الرئيس دونالد ترامب، وكأنها «عدو» (على حد تعبير ترامب نفسه)، أكثر منها صديق لأوروبا.

لهذا السبب، ينتظر الأوروبيون بفارغ الصبر، نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقررة يوم 3 نوفمبر المقبل. فإذا فاز ترامب بولاية رئاسية ثانية، فإن الصدع بين ضفتي الأطلسي، سيكون أشد وضوحاً، أما إذا فاز المرشح الديمقراطي جو بايدن، فستعلو أصوات الاحتفال في أوروبا فوق أي صوت آخر. ولن يمر وقت طويل، قبل أن يجد الأوروبيون أنفسهم مضطرين للاعتراف بأن الصدع بين القارة وبين الولايات المتحدة يتسع، بغض النظر عن ساكن البيت الأبيض، بحسب المحلل السياسي، أندرياس كلوت.

وقد بدأ توتر العلاقات بين أوروبا وأمريكا، قبل وصول ترامب إلى الحكم بوقت طويل. وكانت البداية المتقطعة لهذا التوتر في عهد الرئيس جورج بوش الابن، قبل أن يأتي خلفه باراك أوباما، ليعيد ترميم الشروخ في العلاقة بين الحليفين، ولكن ما فعله أوباما، لم يكن في أغلب الأحوال أكثر من محاولة لتجميل الصورة.

وكان أوباما، ومعه نائبه آنذاك، جو بادين، هو ما أعلن أن محور الاستراتيجية الأمريكية أصبح آسيا، وأن المحيط الهادئ، وليس المحيط الأطلسي، هو ما بات يشكل جوهر اهتمام أمريكا. كما أن الرؤساء الأمريكيين السابقين كانوا يشكون، وإن كان بطريقة مهذبة، من أن الأوروبيين، وبخاصة الألمان، لا ينفقون بشكل كافٍ على تسليح جيوشهم، ويعتمدون على حلفائهم في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وبخاصة الولايات المتحدة، ويستفيدون مجاناً من نظام تجاري عالمي شكلته أمريكا.

وبحسب التحليل الذي نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء، يقول أندرياس كلوت، إن ما فعله ترامب ببساطة، هو نزع الطبقة الدبلوماسية اللامعة عن هذه الخلافات الأمريكية الأوروبية. وكما لم يفعل أي رئيس أمريكي منذ الحرب العالمية الثانية، أظهر ترامب ازدراءه للقادة الأوروبيين، مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، حتى وهو يشيد بحكام مستبدين، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما أن ترامب لا يعتبر «الغرب» مجتمعاً للقيم الليبرالية والدفاع الجماعي، ولهذا يبدو أنه يتحلل.

وفي حروبه الكلامية، اعتبر ترامب أن الاتحاد الأوروبي، هو ثاني أخطر بعبع لأمريكا بعد الصين، وفرض رسوماً إضافية على واردات بلاده من الصلب والألومنيوم وغيرها من الاتحاد الأوروبي، لحماية «الأمن القومي» الأمريكي. وحتى على الصعيد العسكري، أثار ترامب الشكوك حول مدى التزامه بحلف الناتو. وبحسب جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق لترامب، فإن الرئيس الأمريكي، قد ينسحب من هذا الحلف خلال فترة رئاسته الثانية، كما انسحب من اتفاق باريس للمناخ، ومنظمة الصحة العالمية، وغيرهما من المنظمات والمعاهدات الدولية.

ويقول كلوت إن ترامب بدد جميع الافتراضات الأوروبية، بشأن العلاقات الجيوسياسية. فمنذ الحرب العالمية الثانية، كانت القوة العسكرية والترسانة النووية الأمريكية، أفضل رادع لدى الغرب في مواجهة أي عدوان قد تشنه موسكو. كما أن الحضور الأمريكي على مدار تلك السنوات، ساهم في احتواء العداءات الداخلية بين الأوروبيين، كما كان الحال بين فرنسا وألمانيا. وبهذه الطريقة، كانت القوة الأمريكية شرطاً لتحقيق التكامل الأوروبي. وكانت أمريكا تمثل شخصية الأب للألمان.

ولذلك، فاحتمالات تدهور العلاقات الأمريكية الأوروبية في المستقبل، أقوى من احتمالات إصلاحها، حيث إنه لدى اثنين من بين كل ثلاثة أوروبيين، لديهما نظرة سلبية تجاه الولايات المتحدة، وهناك انقسام كامل بين الألمان، بشأن أولوية العلاقة مع الولايات المتحدة أو الصين، ويفضل شباب ألمانيا، الصين.

لذلك، ما «الخطة باء» أو البديلة لدى الأوروبيين، إذا فاز ترامب بولاية ثانية؟.

يقول وزير خارجية ألمانيا هيكو ماس «الرد على مبدأ أمريكا أولاً (الذي يرفعه ترامب)، هو أوروبا موحدة». والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يحب الحديث عن «السيادة الأوروبية»، لكن لا أحد يعرف ما تعنيه هذه التعبيرات على أرض الواقع. فتكوين «الجيش الأوروبي» ما زال حلماً بعيد المنال. وما زال من الصعب حديث وزراء خارجية أوروبا بلسان واحد، عندما يتعلق الأمر بفرض عقوبات على هذه الدولة أو تلك.

ويرى كلوت أن هيكو ماس، يخطئ عندما يتصور أن فوز ترامب بولاية ثانية، سيؤدي إلى توحيد الاتحاد الأوروبي، ولكن الاحتمال الأقوى، هو أن يؤدي ذلك إلى زيادة الخلافات داخل الاتحاد. فبعض الدول الأعضاء، وخاصة التي لها حدود مع روسيا، سيسعدها عقد اتفاقيات ثنائية مع ترامب، لكي يظل إلى جانبها. والحكومة القومية في بولندا، بشكل خاص، تفضل الاستماع إلى البيت الأبيض، أكثر من الحديث مع المفوضية الأوروبية، أو برلين أو باريس.

ورغم أن الأوضاع لن تكون بنفس حدتها، إذا فاز بايدن بالرئاسة، فإن التوترات القائمة بين جانبي الأطلسي لن تختفي. وكما هو الحال بالنسبة لترامب، فإن بايدن سيسعى إلى وقف مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي بين روسيا وألمانيا «نورد ستريم2» (تيار الشمال2)، كما سيواصل الضغط على ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية، لزيادة إنفاقها العسكري في إطار الناتو، وسيصر على ضرورة استخدام جيوش هذه الدول في المهام التي لم تعد الولايات المتحدة تراها مهمة بالنسبة لمصالحها، كما هو الحال في شرق البحر المتوسط أو في أفريقيا.

وقبل كل شيء، فإن أي رئيس أمريكي يتوقع من حلفاء بلاده الأوروبيين الوقوف إلى جانب واشنطن في مواجهة الصين. لذلك، فكلما تمسك الأوروبيون بمفهوم «السيادة الأوروبية» الغامض، قلت أهميتهم بالنسبة لأمريكا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات