«كورونا» غيّر قواعد الاشتباك في حرب من نوع خاص

ليس من قبيل الترف اللغوي أو على سبيل التلاعب بالكلمات، أن يستخدم المسؤولون والإعلاميون في شتى بقاع الأرض مفردات ذات طبيعة حربية في تناولها المواجهة مع فيروس «كورونا». هي معركة متكاملة الأركان، من حيث المتحاربين والأسلحة والخسائر، لكنها مع «كورونا» أشد ضراوة وصعوبة، لأن أحد طرفيها يقاتل في الخفاء.

الجيوش شكلت عبر التاريخ خط الدفاع الأول عن الدول في مواجهة الأعداء والأخطار، وفي كل مراحل التاريخ ظل البشر يطورون الأسلحة، بدءاً من العصا الخشبية والحجر المدبب وصولاً إلى الطائرات والدبابات والصواريخ والسلاح النووي، لكن فيروس «كورونا» غيّر الحقائق التي رسّختها كل الحروب، حتى تلك التي خيضت ضد فيروسات وأوبئة في السابق، وأصحبنا نسمع ونقرأ مصطلحات مثل «معركة كورونا» و«الجيش الأبيض» و«العدو الخفي»، وهي وغيرها مفاهيم صراعية حربية.

اجتياح وبائي

ورغم كل ما حققته البشرية من تطور في علوم الطب والأدوية واللقاحات، إلا أنها وجدت نفسها أمام اجتياح وبائي عصي على المواجهة، لدرجة أن دولاً، ومنها متقّدمة طبياً، واجهت حالة انهيار في مؤسساتها الطبية.

وخلال بضعة أشهر، شكّلت الكوادر الطبية بجميع فئاتها (أطباء وممرضين ورجال إسعاف وفاحصين وفنيين) خط الدفاع الأول في المعركة، ودفع بعضهم حياته ثمناً لتقدم الصفوف.

ومع استطالة المدى الزمني للمعركة، التي فرضت على ملايين البشر الالتزام في بيوتهم، وأغلقت المؤسسات والأعمال وشركات الطيران وغيرها، لم يعد ممكناً الاستسلام لهذا العدو و«الاختباء» منه في البيت، إذ يجد الناس أنفسهم مخيرين بين الموت مرضاً أو الموت جوعاً.

ومن هنا تغيّرت قواعد الاشتباك مع هذا الفيروس سريع الانتشار، وباتت الأسلحة الأكثر فاعلية في هذه الحرب هي العودة التدريجية المدروسة والحذرة للحياة مع مراعاة الإجراءات الاحترازية، وفي الوقت نفسه دراسة دور «مناعة القطيع» في محاصرة الفيروس، وقطع خطوط انتقاله.

منطق التعايش

لم يعد ممكناً البقاء في المنازل، وطالما أن العلاجات واللقاحات تأخّرت، وقد تتأخّر أكثر، فإن الحل الإبداعي هو التعايش مع الوباء ومواجهته بأسلحة التدابير الاحترازية، بالتوازي مع استمرار الحياة.

وقد أثبتت الوقائع أن الدول التي استهانت بالتدابير خسرت كثيراً، وباتت عرضة لخسائر جسيمة في الأرواح.

البروفيسور ميخائيل بالتسيف، مدير مركز علم المناعة والطب الحيوي الجزيئي في جامعة موسكو، وعضو الأكاديمية الروسية للعلوم، قال اليوم، إنه من المرجح بشكل كبير أن تحدث ثلاث موجات من عدوى «كورونا»، وأن الفيروس لن يختفي، ولن تكون العودة إلى الحياة العادية ممكنة قبل حلول صيف عام 2021، بحسب ما نقلته وكالة (تاس) الروسية للأنباء.

مناعة القطيع

وأوضح العالم الروسي أنه عبر التاريخ كان لجميع الأوبئة الفيروسية ثلاث موجات، الأولى قوية إلى حد ما، والثانية أقوى، والثالثة أقل قوة بسبب تكوّن مناعة القطيع، مشيراً إلى أن الإنفلونزا الإسبانية (الوباء الأكبر في تاريخ البشرية)، حدثت في ثلاث موجات في بداية القرن الماضي.

وتابع «يُعتقد أن مناعة القطيع تبدأ في التكون عندما يكون أكثر من 60% من السكان قد أصيبوا بالمرض، وعندما يكون 95% منهم قد أصيب، تختفي العدوى»، وتابع «تلك استنتاجات نظرية، ولكن أكدها غالبية الباحثين، بما في ذلك الأطباء الممارسون، سنرى، فالفيروس جديد، ولذلك فمن الضروري الدراسة والمراقبة، وتجميع الإحصاءات».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات