كيف فتحت الصين ثغرة مبكرة في جدار الطَوْق الأمريكي؟

لم يثمر استنفار الدبلوماسية الأمريكية على مدى شهر يوليو، بقيادة وزير الخارجية مايك بومبيو، عن تحقق الكثير في حشد التأييد لتحالف دولي يستهدف تطويق النفوذ الصيني في أنحاء العالم، رغم أن العديد من المكاسب قد تم تحقيقها، دون أن تلبي طموح واشنطن.

نجح مزيج من الضغوط والجهود الأمريكية في ضم دولتين كبيرتين إلى التحالف، هما بريطانيا وأستراليا، واستمالت دولاً أخرى فاعلة في الملف الصيني، مثل نيوزيلندا والفلبين وفيتنام، ودفعت دولاً أخرى إلى الحياد أو فرملة بعض العقود التجارية الكبيرة مع الصين، مثل الدنمارك والهند.

لكن الصعوبات أيضاً كانت كبيرة، والحصيلة التي تحققت لم تكن كافية بالنسبة لبومبيو. فرغم إشادته بالدعم الدولي الذي تلقته واشنطن في سياساتها المتعلقة ببكين، أشار الوزير الأمريكي إلى صعوبة تشكيل تحالف دولي نظراً لقوة الصين الاقتصادية. وقال إنه تفاجأ وأصيب بخيبة الأمل من عدد الدول التي دعمت قمع الصين لاستقلال هونغ كونغ. ولا يعني ذلك أن المساعي الأمريكية قد وصلت إلى حدها الأقصى، فالولايات المتحدة ستتابع قيادة ما أسماه بومبيو «صحوة دولية» ضد تهديدات «الحزب الشيوعي الصيني»، وطمأن أعضاء لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بالقول، «إن الدائرة تدور» على الصين.

وتبادلت الولايات المتحدة والصين في الآونة الأخيرة إغلاق إحدى قنصليات الأخرى لديها، وأعلن بومبيو مؤخراً إنهاء الوضع الخاص الذي كانت تحظى به هونغ كونغ في التجارة.

شركات رهينة الربح

يشكل ارتباط شركات عالمية كبرى بصفقات كبيرة مع الصين تدر مليارات الدولارات، عائقاً أمام واشنطن لحشد عالمي ضد السياسات الصينية. وترتبط عشرات الدول بمديونية كبيرة للصين، على طول مشروع «الحزام والطريق» في جنوب شرق آسيا وعدد من دول القارة الأفريقية. كما وقعت بكين عقوداً تجارية كبيرة استحوذت خلالها على عقود تشغيل موانئ في اليونان وإيطاليا، وتحاول اختراق القارة القطبية الشمالية عبر الدنمارك وآيسلندا.

وتثير الصين، كأرض للأرباح والصفقات، شهية الشركات الرأسمالية الكبرى، على اختلاف قطاعاتها. وفي يونيو الماضي، وجه وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب انتقادات إلى بنك «إتش إس بي سي»، بعد أن أعلن البنك عن مساندته لقانون للأمن القومي الذي فرضته الصين على هونغ كونغ، وقال إن بريطانيا لن تضحي بشعب هونغ كونغ «على مذبح علاوات المصرفيين».

والعقود الصينية مصيرية لهذا البنك. فقد أدى تدهور أرباح «إتش إس بي سي» في عام 2019 إلى تسريحها 35 ألفاً من موظفيها من أصل 235 ألف موظف، وتنوي خفض إنفاقها بحوالي 4.5 مليارات دولار بحلول عام 2022، وذلك في نطاق عملية إعادة هيكلة واسعة النطاق.

ولتعزيز هذه الأداة، أعلنت الصين اليوم الجمعة اعتزامها جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية في قطاعي التصنيع وخدمات الإنتاج، خصوصاً في وسط وغرب البلاد، حيث الاستثمارات الأجنبية ما زالت قليلة مقارنة بالاستحواذات المحلية.

الرأسمالية المُعَوْلمة

تدرك الصين هذه الحسابات أكثر من غيرها. وكما أن مصير شركات كبرى تتوقف على الفرص الكامنة في الصين، فإن دولاً عديدة تواجه الخيارات المحدودة ذاتها. لذلك، لم يكن السفير الصيني في لندن، ليو شياو مينغ، يبالغ من حيث المبدأ حين تباهى ضمنياً بالخاصية الصينية كـ«ملاذ أخير للرأسمالية المعولمة» في ظل هشاشة الأسواق العالمية، وتقلص فائض الأرباح في الأماكن التقليدية للنشاطات الاقتصادية الكبيرة، مثل أوروبا وأمريكا.

وبعد أن فرض رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون حظراً على مشاركة شركة هواوي في شبكات الجيل الخامس، حذر السفير الصيني صراحة من أن المملكة المتحدة ليس لديها مستقبل لو سعت للابتعاد عن بكين. وأضاف، «من الصعب تصور (بريطانيا العالمية) إذا ما تجاوزت أو استبعدت الصين، الابتعاد عن الصين يعني الابتعاد عن الفرص والابتعاد عن النمو والابتعاد عن المستقبل».

إضافة إلى قوة الصين الاقتصادية، التي تحدث عنها بومبيو، وتباهى بها السفير مينغ، وتلهث وراءها عشرات الشركات، فإنه مع تعثر الحشد السياسي ضد بكين، يكتسب الجانب الاقتصادي ثقلاً أكبر في الضغوط الأمريكية، مثل استهداف هواوي، وكذلك فرض عقوبات اليوم على «هيئة الإنتاج والبناء في شينجيانغ»، بتهمة ارتكاب انتهاكات بحق الإيغور وغيرهم من أفراد الأقليات.

بسبب ارتباط الاقتصاد العالمي بشكل غير مسبوق، فإن من شأن هذا المسار في استهداف الاستثمارات بشكل متبادل، وتحويل العقود إلى أداة ترغيب لأهداف سياسية، أن يؤدي في النهاية، وعلى نحو سريع، إلى إضعاف شامل للنمو العالمي، بشكل قد يعطل أي بوادر للتعافي حتى بعد انتهاء جائحة «كورونا».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات