بعد «كورونا».. النظام العالمي الجديد لن يطول انتظاره

«الآثار الاقتصادية جراء وباء كورونا لم يتم تقييمها بعد، لكن من الواضح بالفعل أن واقعاً جديداً يتشكل في العالم». هكذا يرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهكذا خاطب شعبه قبل أسبوع. الرئيس الروسي يستنتج من مفاعيل الوضع العالمي في ظل «كورونا» ومظاهر أخرى أن عمليات العولمة والاندماج تتعرّض لاختبارات صعبة، حيث تختار الدول الرائدة الاستقلال الصناعي التكنولوجي، بحيث تعتمد في مسائل الأمن والتنمية بشكل أساسي على نفسها، وعلى الإمكانات البشرية والعلمية.

وتنقل وكالة «سبوتنيك» الروسية عن وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني قولها إن فيروس كورونا سيرفع مستويات الدين في الدول الأكثر ثراء في العالم بنحو 20 نقطة مئوية في المتوسط في العام الجاري وهو تقريباً مثل الضرر الذي شهدته إبان الأزمة المالية.

ويكاد أغلب المختصين في دراسة العلاقات الدولية يتّفقون على أن النظام العالمي بعد جائحة كورونا سيخضع لتحولات هيكلية على مستوى ميزان القوى وقيادة العالم، نتيجة لما خلّفه الوباء من تداعيات وتأثيرات على السياسات الداخلية والخارجية لمختلف الدول.

تبديل المواقع

ويعتقد «مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية» أن تبديل مواقع القيادة والهيمنة للقوى العظمى على النظام العالمي بعد حدوث الأزمات الكبرى، يعتبر من الأمور الطبيعية، بحيث يتراجع البعض ويتقدم البعض الآخر اعتماداً على كفاءة الاستراتيجية التي تتبعها الدول في مواجهة هذه الأزمات.

وبناء على ذلك، فإن جائحة كورونا ستترك آثاراً سياسية واقتصادية على النظام العالمي بالتزامن مع تغيير واضح داخل الدول، وكذلك في شكل العلاقات الدولية، ما يعني احتمالية أن يشهد العالم تغييراً في مراكز السيطرة والتحكّم، أبرز احتمالاته تراجع للدور الأمريكي في النظام العالمي.

ولعل كلام المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، فيه استشراف لهذه التغييرات، فهي تقول إن على أوروبا التفكير جيداً في مكانتها في الواقع الجديد الذي «لن تسعى» فيه الولايات المتحدة إلى لعب دور الزعيم العالمي.

ميركل قالت هذا الكلام اللافت قبل يومين، ولكنّها غلّفته بلغة دبلوماسية أظهرت من خلالها أن الولايات المتحدة قد تتخلى «طوعاً» عن قيادتها العالمية، سيما أن تصريحاتها جاءت بمناسبة إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عزمه تقليص عدد قوات بلاده في ألمانيا.

وتعليقاً على ذلك، اعتبرت ميركل أن الوجود العسكري للولايات المتحدة في أوروبا الوسطى يستجيب لمصالح واشنطن، إذ إن القوات الأمريكية في الأراضي الألمانية – بنظر ميركل - لا تسهم في حماية ألمانيا والجزء الأوروبي للناتو فحسب، وإنما كذلك مصالح الولايات المتحدة ذاتها.

نموذج الصين

وإذا كان الحديث عن تغيّرات محتملة في مراكز القوى الدولية والمكانة القيادية فيها مرتبطاً بجائحة كورونا وشكل التعامل معها، فإن بعض المحللين يرجّحون دوراً قيادياً عالمياً للصين باعتبار أنها تميّزت في اتّباع استراتيجية ناجحة في مواجهة الجائحة من خلال طرائق مجتمعية وأمنية وصحّية وتقنية فاعلة، سمحت لها بالانتصار سريعاً.

وبأقل الخسائر، على الوباء وتقديم مساعدات طبية وتقنية لعشرات الدول الأخرى، في حين تلكّأت أوروبا وأمريكا وتصرفت بارتباك وإنكار، ما أدى إلى ما يشبه الانهيار في الأوضاع الصحية لفترة غير بسيطة من الوقت، بل إن بعضها لا يزال يعاني من حالة انهيار.

وبنظر هؤلاء المحللين، فإن تعامل الصين مع الجائحة خلق انطباعاً إيجابياً عن نموذج جيد للتعاون الدولي في التخفيف من آثار جائحة كورونا، في حين اتبعت الولايات المتحدة سياسة الانكفاء والانشغال بجراحها وتخلت عن أقرب حلفائها.

لكن لا يستطيع فريق آخر من السياسيين والمحللين والخبراء أن يصدق أن ثمة متغيّرات كافية تمس مكانة الولايات المتحدة عالمياً. وإذا استثنينا بعض هؤلاء الذين يميلون عاطفياً أو سياسياً لأمريكا، فإن بعضهم يتحدث عن معطيات اقتصادية وعسكرية تتيح للولايات المتحدة أن تبقى في سدة القيادة العالمية. المحلل السياسي الاقتصادي طلال أبو غزالة يتوقع عالماً متعدد الأقطاب يقف على رأسه الثنائي الصيني الأمريكي، من دون تجاهل القوة الروسية الحاضرة بقوة.

توقعات

وفي السياق، يقول فيتالي نعومكين رئيس معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية في موسكو إن النظام الدولي الجديد سيكون متعدد الأقطاب، وستكون الصين بقوتها المتسارعة في النمو هي التحدي الرئيسي الذي لا يمكن تجاهله للولايات المتحدة. أما ويليام بيرنز، رئيس مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي فيقول إن النظام الدولي الليبرالي سيصبح «أقل ليبرالية وأقل نظاماً».

فيما تتوقّع نتالي توتشي، مديرة المعهد الإيطالي للعلاقات الدولية في روما تراجع دور الولايات المتحدة باعتباره إحدى خصائص العالم الجديد، ويتوقع برونو ماسياس، كبير زملاء معهد هدسون، في تقرير نشرته مجلة ناشيونال ريفيو الأمريكية أنَّ الصين ستقود عملية إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد، في مرحلة ما بعد كورونا، وأنَّ بكين بنظامها المتماسك الصارم ستكون قادرة على السيطرة على العالم.

يبقى كل ذلك نزعاً من التوقّعات وإن لم تكن تخمينية بطبيعة الحال، أي أنها تحليلات تأخذ بوقائع تتفاعل. لكن الشكل النهائي للعالم الجديد لن يطول انتظاره.

طباعة Email