بيلوسي تواجه ترامب بقاذف لهب من الصوف

خطفت نانسي بيلوسي الأضواء أخيراً، بمعطفها البرتقالي الناري الذي ارتدته كعباءة المنتصر بعد اجتماعها العاصف مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الجدار الحدودي مع المكسيك. وبدت زعيمة الأقلية الديمقراطية، كأنها تعلن فوزها برئاسة مجلس النواب الأميركي، حتى قبل أن تضمن العدد المطلوب من أصوات النواب الديمقراطيين في جلسة 3 يناير.

معلقو الصحف الأميركية ضمن التيار السائد اقتطفوا بدورهم أداء بيلوسي الحذق في هذا الاجتماع، ولم يتركوا تفصيلاً إلا وأغدقوا عليه الإطراء، من أناقة ثيابها إلى أسلوبها الماهر في التفاوض، والأهم ما أظهرته من قدرة على مواجهة سلطة ترامب في السنتين المقبلتين.

قاذف لهب

الأكثر طرافة بين التعليقات كان تشبيه كاتبة الأزياء في صحيفة «نيويورك تايمز» فانيسا فريدمان، معطف بيلوسي أثناء خروجها من بوابة البيت الأبيض، بقاذف لهب من الصوف، كان يشعل وسائل التواصل الاجتماعي، ويحول بيلوسي من رمز قديم لمؤسسة النظام إلى معارضة أنيقة حسنة الهندام، مع نظاراتها الداكنة وكعب حذائها الحاد وابتسامة المبتهج المنتصر على وجهها. واشنطن بوست بدورها أفادت أن أداءها الأخير في البيت الأبيض ينبغي أن يزيل أي شكوك لدى الديمقراطيين بشأن كونها الزعيمة المناسبة لمواجهة ترامب.

يعتقد الكاتب داني غولدبيرغ في «ذا نايشون» إن الديمقراطيين لا يمكنهم التخلي عنها أصلاً، لأنهم بذلك يستبعدون قاعدتهم التقدمية، ففي صميم دور زعيمة الحزب توحيد الحزب على القضايا الكبرى، وهذا كان يعني تخييب أمل من هم على اليسار.

ويقول الصحافي مايكل هيرش إن «المتمردين» في حزبها لا يحبونها، ويتأسفون على وجودها الطويل في المنصب، وهم أيضاً لا يثقون ببرغماتيتها وعقدها للصفقات خلال وجودها ثلاثة عقود في مجلس النواب، وقد ضاقوا ذرعاً من مماطلتها لبرامج شعبية كالرعاية الصحية للجميع.

لكن بيلوسي التي قادت الديمقراطيين لمدة 15 عاماً، لا تبدو قلقة كثيراً، وفقاً للمعلقين، فهي لاعبة ماهرة قديمة العهد في الداخل، كما مفاوضة متمكنة جريئة لها باع طويلة تصل إلى ثلاثة عقود في واشنطن، نصفها كزعيمة لحزبها في مجلس النواب.

عرض أولي

في اجتماع البيت الأبيض المتلفز أخيراً مع الرئيس الأميركي ترامب، أظهرت قوتها وحزمها أمام الملأ، قاصدة البعث برسائل لحزبها بأنها الأفضل تجهيزاً لمواجهة الرئيس ترامب، في عرض أولي لما ستكون عليه السياسة الأميركية في السنتين المقبلتين.

في البداية، فاجأته بتسمية الإغلاق الحكومي بـ «إغلاق ترامب الحكومي» وقصدت إزعاجه مراراً. قاطعها باستمرار محاولاً التعاطي معها بفوقية، لكنها تصدت له. قال ترامب «إنها في وضع ليس من السهل أن تتحدث»، بسبب السباق على مجلس النوا.

فأجابته: «من فضلكم لا تصفوا القوة التي أجلبها إلى هذا الاجتماع بصفتي زعيمة الحزب الديمقراطي في مجلس النواب، حيث فزت للتو بفوز كبير». وتحدته بأن الجمهوريين في المجلس لا يمكنهم تمرير تمويل الجدار من دون أصوات الديمقراطيين. وبقيت هادئة فيما كان ترامب يتشاجر مع زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، ويهدد بإغلاق الحكومة آخذاً هذا الإجراء على عاتقه، وهو الأمر الذي قد يضع مئات الألوف من العمال الفيدراليين في خطر الحصول على إجازة من دون راتب قبل الأعياد.

قضية رجولة

لم ينته الأمر هنا، فبعد خروجها من البيت الأبيض، أظهرت بيلوسي طاقة هائلة من التحدي، وهي تسير مرتدية معطفها البرتقالي الناري ونظاراتها الداكنة وترتسم على وجهها ابتسامة عريضة. صورتها تلك انتشرت كالهشيم، وقد وصف أحد المغردين المشهد على شكل صورة للبيت الأبيض يشتعل فيه الحريق، مع تعليق تحتها «نانسي بيلوسي تغادر البيت الأبيض بعد الحديث بشأن إغلاق ترامب الحكومي»، وكتب أحدهم: «ليس كل الأبطال الخارقين يرتدون معاطف على الموضة».

ثم جاءت التسريبات ما وراء الكواليس المغلقة، مع تعليقات لبيلوسي أدلت بها في اجتماع مغلق أمام أعضاء في حزبها نقله أحد مساعديها، قالت عن اجتماع البيت الأبيض: «كنت أحاول أن أمثل دور الأم»، مضيفة: «هذا الشيء، الجدار، أشبه بقضية رجولة بالنسبة له»، وتفاخرت بفوزها سياسياً عن طريق استدراج الرئيس الجمهوري إلى تحمل المسؤولية الشخصية على احتمال الإغلاق الحكومي.

عقد الصفقات

يرى المحللون أن تلك المواجهة قد تساعدها على إنهاء الخلاف الداخلي بشأن زعامتها. فعلى الرغم من تسميتها رئيسة مجلس النواب المقبل من قبل المجمع الانتخابي بنسبة أصوات 203 أصوات مع مقابل 32 ضد، لم تضمن بعد الأصوات التي تحتاجها لاستعادة المطرقة في 3 يناير المقبل.

يقول مات فولز في هافينغتون بوست إنها ستحتاج لتقديم بعض الوعود لقلب آراء بعض الأعضاء، أو أن تتعهد بأن هذه ستكون ولايتها الأخيرة. وليس واضحاً ما إذا كانت بيلوسي مهتمة في إعطاء هذا التصريح، فإعلان تاريخ للتقاعد قد يحد من قوتها كرئيسة لمجلس النواب. وهذا ما يؤكده الصحافي دوبونيس من «واشنطن بوست» قائلاً إن اقتراح تحديد مدة لولايتها يبدو أنه سقط بعد انتقال بيلوسي وغيرها لتأجيل أي تغييرات في القوانين حتى العام المقبل.

مؤكداً أن خصوم بيلوسي وجدوا أنفسهم معزولين ومحاصرين من المجمع الانتخابي للحزب الديمقراطي الداعم لبيلوسي، بما في ذلك النقابات العمالية والجمعيات النسائية والمنظمات الأخرى، وإن خمسة منهم على الأقل باتوا على استعداد لإلقاء ثقلهم خلفها.

ابنة حاكم بلتيمور تبدو المفضلة بشكل ساحق وقادرة على تفكيك المنشقين فرداً فرداً عبر تنازلات صغيرة.

هي المرأة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة تتزعم حزباً سياسياً في الكونغرس، وتتبوأ المنصب الأعلى الذي تولته امرأة في التاريخ الأميركي.

نقرة سريعة

تتربع بيلوسي، البالغة من العمر 78 عاماً، على مقعد مجلس النواب منذ عام 1987، ورأت بلادها تمر عبر تغييرات كثيرة لا تحصى عبر السنين. وهي جدة لخمسة أحفاد. معروفة في واشنطن بابتسامتها وبدلاتها الأنيقة، ويزعم طاقم العمل معها أن بإمكانهم معرفة مديرتهم من «النقرة» السريعة لكعب حذائها.

ترعرعت وسط عائلة كبيرة أميركية إيطالية في بالتيمور تنتمي إلى الكنيسة الكاثوليكية، في أحد أحياء الطبقة العاملة. في السابعة من عمرها، انتخب والدها حاكماً للمدينة، وغالباً ما عملت في حملاته.

بعد تخرجها عام 1962، اتبعت بيلوسي مساراً أكثر تقليدية لشابة في عصرها، أي الزواج وتريبة عائلة، وكانت أماً لخمسة أطفال بحلول 1969، السنة التي انتقلت العائلة إلى سان فرانسيسكو. برغم انشغالاتها المنزلية، داومت على التطوع في حملات الحزب الديمقراطي. وفي عام 1976 أدارت الحملة الرئاسية لحاكم كاليفورنيا جيري براون بنجاح ، فرفعت تلك الخبرة سمعتها كدينامو ما وراء الكواليس.

ويتحدث المعلقون عن إنفاق الجمهوريين ثروة في الانتخابات النصفية لتشويه سمعتها، دون أي نتيجة. وقد تصبح بيلوسي أول رئيسة مجلس نواب تفوز بالمنصب مجدداً خلال أكثر من ستة عقود، حيث من المتوقع أن توقع على سلسلة من القضايا المتعلقة بإدارة ترامب، وما تصفه بـ«الفساد المدقع والمحسوبية وعدم جدارة» الجمهوريين، وفقاً للصحافي مايكل هيرش.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات