انتخابات روسيا... «القيصر» يتّجه إلى ولاية رابعة

أيام معدودة تفصل روسيا الاتحادية عن اليوم الذي سينتخب فيه رئيسها، فيما الحملة الانتخابية للمرشحين على أشدها، وحالة استنفار تعيشها مراكز دراسات استطلاع الرأي لإظهار حظوظ المرشّحين للفوز بمنصب الرئاسة، فيما بات محسوماً أن «القيصر» فلاديمير بوتين يتجه للفوز بلا منازع بولاية رابعة، وثانية على التوالي.

السبت المقبل سيكون اليوم الذي يحدد فيه الروس خيارهم لصالح أحد المرشحين، ما يعني أن القائد العام للقوات المسلحة الروسية سيكون خلال الأعوام الستة هو الشخص الذي سيفوز بالسباق الانتخابي.

يبلغ عدد المرشحين للرئاسة الروسية 8 من الوجوه السياسية المعروفة، وهم سيرغي بابورين- عن حزب الاتحاد الشعبي الروسي، وبافل غرودنين عن الحزب الشيوعي، وفلاديمير جيرينوفسكي عن الحزب الليبرالي الديمقراطي، وفلاديمير بوتين- الرئيس الحالي، وغريغوري يفلينسكي عن حزب «يابلوكو»، وكسينيا سوبتشاك عن حزب «المبادرة المدنية»، ومكسيم سورايكين عن «الشيوعيين الروس»، وبوريس تيتوف عن «حزب النمو».

الاستفتاء

وقد انتقلت روسيا إلى نظام الحكم الرئاسي في 21 يونيو 1991 إثر استفتاء شعبي بهذا الخصوص. وجرت أول انتخابات رئاسية في العام نفسه وفاز فيها بوريس يلتسين الذي حكم روسيا حتى العام 1999. ومن المقرر أن يتم الإعلان عن نتائج الانتخابات في 29 من مارس الحالي. ومع اقتراب هذا التاريخ يزداد اهتمام المواطنين الروس تجاه هذه الحدث لأهمية النتائج التي سيفضي إليها على مختلف جوانب حياتهم.

ويخوض المرشحون للرئاسة حملة انتخابية مكثّفة تستخدم فيها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، فيما انتهت في 12 من الشهر الجاري المدة التي تسمح فيها التشريعات المحلية بنشر نتائج استطلاعات الرأي حول شعبية المرشحين والتوقعات حول نتائج الانتخابات.

وأظهرت آخر نتائج لاستطلاعات الرأي أجراها المركز الروسي لدراسة الرأي العام- أكبر مراكز استطلاع الرأي في روسيا- تقدماً كبيراً للرئيس الحالي فلاديمير بوتين على بقية المرشحين، إذ أعلن 69% ممن شملهم الاستطلاع عن استعدادهم للتصويت له، فيما حل مرشحا الحزب الشيوعي والحزب الليبرالي الديمقراطي في المركزين الثاني والثالت على التوالي، أما المرأة الوحيدة في قائمة المرشحين فحلت في آخر القائمة.

شعبيته في ازدياد

رئيس صندوق تطوير المجتمع المدني في روسيا قسطنطين كوستين أكد ازدياد عدد المستعدّين للتصويت للرئيس الحالي فلاديمير بوتين، وقال إن تقديرات مؤسسته تشير إلى أنه يناهز الـ 50 مليون صوت، مع الأخذ بالاعتبار أن عدد المشاركين في التصويت خلال الانتخابات الحالية سيكون أكبر قياساً بانتخابات العام 2012.

وتشير استطلاعات للرأي أجريت في وقت سابق إلى أن الأغلبية الكاسحة من المواطنين الروس تعتبر أن سنوات حكم بوتين كانت أفضل من سابقاتها. فقد تضاعف ناتج النمو المحلي الإجمالي مرّتين منذ العام 2008. كما تستند هذه الآراء على التخوف من العودة إلى فوضى تسعينات القرن الماضي، عندما وصل مستوى الحياة والأمن في البلاد إلى مستوى متدن جداً.

ويرى خبراء في علم الاجتماع أن جيل المصوّتين ممن تزيد أعمارهم عن 18 عاماً نشأوا في فترة حكم بوتين، ما يجعل من الصعب بالنسبة لهم تخيّل شخصية أخرى في هذا المنصب، فضلاً عن استحسان هؤلاء للمكانة البارزة التي حققتها روسيا على الساحة الدولية، والتي لعب بوتين دوراً فيها، حيث بات ينظر العالم لروسيا كدولة عصرية ومهمة وقوية.

ورغم أن انضمام القرم إلى روسيا تسبّب في أزمة حادة ما زالت متواصلة حتى الآن بين موسكو والبلدان الغربية، إلا أن الخطوة عززت شعبية بوتين لاعتبار الغالبية الكاسحة من المواطنين الروس أن شبه الجزيرة هي جزء لا يتجزأ من روسيا، وأنه بفضل بوتين «عادت شبه الجزيرة إلى حضن الوطن».

وفي هذا السياق شهدت أعوام حكم بوتين تبدّلاً عميقاً في الوعي الجمعي في مقاربة العلاقة مع الغرب. ففي السابق كان المزاج العام يؤيد التقارب مع الغرب، وسادت قناعة بأن التطور الداخلي يرتبط بتحسين هذه العلاقة، حتى ولو استدعى ذلك تقديم تنازلات في أكثر من جانب.

أما الشعور العام السائد حالياً لدى الأوساط الشعبية على مختلف توجهاتها ومواقفها السياسية فيميل لاتخاذ موقف الندية، وهو ما يرى فيه الكثيرون السبب الرئيسي في استعادة روسيا لمكانتها كقوى عظمى، وشعور الاعتزاز القومي الذي تكرّس بسبب ما حققه الرئيس الحالي على هذا الصعيد.

معارضة مشتّتة

على صعيد الجبهة المقابلة فشلت كل محاولات قوى المعارضة الروسية في تشكيل جبهة موحّدة لخوض الانتخابات. وفي حين نجح بوتين في تقديم نفسه كبطل قومي تزداد شعبيته باضطراد، تعيش أطراف المعارضة تحت سقف التجاذبات والمنافسة.

ومع ذلك، يرى غليب كوزنيتسوف مدير معهد الدراسات الاجتماعية أن استراتيجية الحزب الشيوعي - المنافس الأبرز لحزب روسيا الموحدة الذي يترأسه بوتين- في الانتخابات الحالية ستركز على توسيع قاعدة الشعبية في المناطق الفلاحية ليصبح مرشحه بافل غرودينين الشخصية السياسية الثانية في البلاد. ويضيف أن رهان الحزب سيركز على القطاعات غير الراضية عن السياسة الاقتصادية للحكومة والمتضرّرة منها، والتي برزت من جديد خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع نمو الاقتصاد الروسي.

وكان الحزب الشيوعي قرر في مؤتمره الأخير ترشيح بافل غرودينين بدلاً من الأمين العام الحالي للحزب غينادي زيوغانوف الذي كان المرشح الثابت للحزب خلال الانتخابات الرئاسية الأربعة الأخيرة.

شبح التدخل

بيد أن هاجساً يخيّم على الأجواء السياسية في البلاد بعد صدور تقرير للجنة المؤقتة لحماية السيادة التابعة لمجلس الاتحاد الروسي، تحدث عن وجود محاولات أميركية وأخرى أوروبية للتدخل في الشؤون الداخلية لروسيا، ستأخذ منحاً أكثر حدة مع اقتراب من موعد إجراء الانتخابات.

وفي هذا السياق، قال رئيس اللجنة أندريه كليموف بصراحة إن للولايات المتحدة خبرة غنية في التأثير على الانتخابات في دول العالم، لكن «روسيا هي الدولة الوحيدة القادرة في أية لحظة على توجيه رد مؤلم، وهو ما تدركه واشنطن».

المسؤول الروسي الذي كان يقرأ خلاصة تقرير حول حالة الأمن القومي الروسي أمام أعضاء مجلس الاتحاد، شدد على أن الإدارة الأميركية الحالية تعيش أزمة عميقة وهي تحتاج لـ «عدو خارجي لإعادة التماسك للمجتمع، وأن روسيا بالنسبة لها هي أفضل مرشح لهذا الدور». ويستفاد من مضمون التقرير أن المهمة الرئيسية للإدارة الأميركية الحالية على الخط الروسي تتلخص في الحد من سيادتها، وممارسة دورها المستقل في حل مختلف المسائل والمهام على الصعيدين الداخلي والخارجي.

صراع مع الغرب من بوابة القرم

شكلت العقوبات التي فرضتها البلدان الغربية على روسيا على إثر أزمة القرم أهم ورقة سيجري اللجوء إليها على هذا الصعيد. ورغم أن تقرير اللجنة المؤقتة لحماية السيادة الروسية خلص إلى أن «مستوى السيادة» الذي تتمتع به روسيا قياساً بدول مجموعة العشرين يؤكد تجاوزها لهذا الاختبار، إلا أنه أظهر في المقابل بعض نواحي الضعف. ففي مجال السيادة الاقتصادية تحتل روسيا المرتبة الـ 14 في قائمة بلدان مجموعة العشرين. أما الوضع الذي تتمتع به بقوة فهو القطاع السياسي- العسكري، إذ تقف روسيا إلى جانب الولايات المتحدة والصين في تصنيف الدول التي تتمتع بـ«السيادة العالمية».

ورغم أن التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وروسيا هو في حدوده الدنيا، إلا أن مراقبين روساً يحذرون من إجراءات ستلجأ إليها واشنطن وحلفاؤها الغربيون. وأبرز اتجاهات التدخل الخارجي ستكون من خلال دعم المنظمات غير التجارية، والتأثير على المؤسسات التعليمية، واستخدام وسائل الإعلام وشبكات التواصل، وتشجيع حالة التذمر والنشاطات الاحتجاجية، والتدخل في سير العملية الانتخابية وإشعال الفتن العرقية والدينية، وفرض العقوبات، وتشويه صورة روسيا على الساحة الدولية وتسييس الرياضة.

ضوابط صارمة لمرشحي الرئاسة في روسيا

تشرف على التحضير للانتخابات الرئاسية في روسيا وإجرائها لجنة الانتخابات المركزية واللجان الانتخابية لأقاليم الاتحاد الروسي واللجان المحلية على مختلف المستويات. أما الوثائق القانونية الرئيسية التي تنظم انتخابات الرئاسة في روسيا هي الدستور الروسي والقانون الفيدرالي «حول الضمانات الأساسية للحقوق الانتخابية وحق مواطني الاتحاد الروسي في المشاركة في الاستفتاء» الصادر في 12 يونيو 2002 والقانون الفيدرالي «حول انتخابات رئيس الاتحاد الروسي» الصادر في 10 يناير عام 2003.

وتجرى الانتخابات باقتراع سري عام ومتساوٍ ومباشر. ووفقاً للقانون، فإن الحق الانتخابي مضمون بغض النظر عن الانتماءات الجنسية والعرقية والقومية أو الخلفية الاجتماعية والممتلكات والانتماء إلى منظمات اجتماعية والمعتقدات السياسية أو الدينية أو غير ذلك.

وحسب القانون، تعتبر المشاركة في الانتخابات حرة وطوعية. ولا يحق لأحد أن يجبر المواطنين الروس على التصويت لصالح مرشح معين أو منعهم من التعبير الحر عن إرادتهم.

يحق التصويت في الانتخابات لأي مواطن من الاتحاد الروسي، بلغ الـ 18 من عمره وبكامل قواه العقلية، ومن غير الموجودين في السجن بقرار من المحكمة. وحسب معطيات لجنة الانتخابات المركزية، تم تسجيل 111 مليوناً و425 ألفاً و443 ناخباً داخل الأراضي الروسية وخارجها، يحق لهم التصويت.

حق الترشح

يحق الترشّح للرئاسة لمواطن الاتحاد الروسي، لا يقل عمره عن 35 سنة، ويقيم على الأراضي الروسية بشكل دائم لفترة لا تقل عن 10 سنوات. ولا يحق لرئيس الدولة أن يشغل منصب الرئاسة لأكثر من ولايتين متتاليتين. وفي حال قدم رئيس الدولة استقالته من منصبه (بسبب الحالة الصحية أو أي سبب آخر)، لا يحق له أن يترشح للانتخابات التي تجرى مباشرة بعد استقالته.

ولا يحق الترشح لانتخابات الرئاسة لذوي جنسية أجنبية أو حق الإقامة أو أي وثيقة أخرى تمنحه الحق في الإقامة الدائمة على أراضي دولة أخرى. كما لا يحق الترشح للأشخاص الذين اعتبرهم القضاء ليسوا بكامل قواهم العقلية، أو للموجودين في السجون بقرار من المحكمة.

وتفرض كذلك قيود على ترشح أصحاب محكومية لم تنته مدتها حتى يوم الانتخابات، والمدانين بتهمة ارتكاب جرائم خطيرة أو خطيرة للغاية أو جرائم متعلقة بالتطرّف، أو من فرضت عليهم إجراءات إدارية لعرض أو نشر رموز متعلقة بالتطرف.

ولا يحق الترشح للمدانين في ارتكاب جرائم خطيرة خلال 10 سنوات، وللمدانين في ارتكاب جرائم خطيرة للغاية خلال 15 سنة منذ يوم انقضاء مدة سريان الأحكام القضائية الصادرة في حقهم. كما يحظر الترشح على الأشخاص الذين تم منعهم من تولي مناصب حكومية بقرار من المحكمة أو المدانين من قبل المحكمة في نشر دعاية متطرفة خلال فترة السنوات الست قبل الانتخابات. ويحظر على المرشّحين للرئاسة الروسية امتلاك أموال أو أصول أخرى في بنوك أجنبية خارج أراضي روسيا.

 

تعليقات

تعليقات