كأس العالم 2018

الحركات الانفصالية نذر مرحلة جديدة من رسم الخرائط

Ⅶ هواجس في أوروبا والعالم من «دومينو» الحركات الانفصالية | أرشيفية

مثل «الصراع الأيديولوجي» المحور الرئيسي للأزمات التي شهدتها مرحلة الحرب الباردة؛ كانعكاس طبيعي للعلاقات السائدة آنذاك على قمة النظام الدولي، الذي كان ينقسم إلى قطبين أو معسكرين رئيسيين يعمل كل معسكر على فرض هيمنته على دوله لضمان تماسكها واستقرارها في مواجهة المعسكر الآخر.

ومن ثمّ ومع انتهاء الحرب الباردة بدأت أزمات من نوعٍ آخر فرضت العديد من الآثار المختلفة للقضايا السياسية وإدارة الأزمات الدولية في ذلك الصدد، أدت تلك الأزمات إلى إتاحة الفرصة لظهور العديد من الحركات الانفصالية المطالبة بنيل الاستقلال ولو بقوة السلاح، ما خلف صراعات دموية واسعة امتدت لسنوات في بعض الأحيان.

تزامن ظهور تلك الحركات مع موجة أثارتها نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي في العام 1991 مرتبطة بإثارة النعرات القومية والعرقية والدينية داخل محاور المعسكرين السابقين. ومثلت في ذلك «أزمة حرب يوغسلافيا» النموذج الأكثر اتضاحًا، وهي الحرب التي وقعت في أواخر القرن العشرين، بدأت بحرب البوسنة والهرسك في العام 1991 وانتهت بحرب كوسوفو في يونيو 1999، ما أدى إلى تفكك الاتحاد اليوغسلافي وتقسيمه إلى جمهوريات مستقلة.

شهد العالم العديد من الحركات الانفصالية الساعية لنيل الاستقلال والتحرر، إما بناءً على أسباب أيديولوجية بحتة أو أسباب عرقية أو سياسية واقتصادية أخرى. ولعل ما يجري في إقليم كردستان العراق وأيضًا في كتالونيا (شمال شرقي إسبانيا) مؤخرًا يعتبر موجة ضمن موجات الحركات الانفصالية.

وقد كتب النجاح لعدد من الأقاليم في الانفصال عن الدولة الأم من بينها على سبيل المثال لا الحصر: شبه جزيرة القرم (جنوبي أوكرانيا) التي انفصلت عن أوكرانيا في العام 2014، وانفصال جنوبي السودان عن السودان في العام 2011، وانفصال تيمور الشرقية (جنوب شرقي آسيا) عقب استفتاء العام 1999، وأيضًا انفصال إريتريا (شرقي أفريقيا) في العام 1993 عن أثيوبيا.

وتبزغ العديد من الحركات الانفصالية الأخرى الساعية إلى الانفصال، والكثير منها في القارة العجوز؛ الأمر الذي دفع باستفتاء انفصال كتالونيا في الأول من الشهر الجاري إلى أن يوقظ هواجس أوروبية من أن يمثل ذلك الاستفتاء حافزًا لحركات انفصالية أخرى في العديد من المناطق والبلدان الأوروبية، من بينها على سبيل المثال الحركات الانفصالية في إقليم الباسك (شمالي إسبانيا).

وأيضًا إقليم الفلاندرز في شمالي بلجيكا، وإقليمي لومبارديا وفينيتو في إيطاليا، وأيضًا جنوبي تيرول الواقعة في شمالي إيطاليا، بالإضافة إلى جزيرة كورسيكا الفرنسية، ومناطق أخرى.

تصاعد الحركات الانفصالية

يستخدم دعاة الانفصال عن إقليم الدولة الأم ما أقره ميثاق الأمم المتحدة في ما يتعلق بـ«حق الشعوب في تقرير مصيرها»، فيما يبدي مراقبون تخوفهم من نذر حرب متصاعدة في العديد من الجهات على وقع تلك الحركات الانفصالية، مستشهدين بما صاحب أزمة تفكك الاتحاد اليوغسلافي في التسعينات من صراع دموي، وذلك في خطٍ متوازٍ مع إعادة رسم الخرائط الإقليمية في ضوء تلك التطورات وتصاعد الحركات الانفصالية إذا ما نجح الانفصاليون في تحقيق أهدافهم.

وفي منطقة الشرق الأوسط، تُقرأ العديد من الدعوات الانفصالية في إطار «المؤامرات» التي تحاك لدول المنطقة بغرض تقسيمها وتفتيت دولها إلى دويلات صغيرة يسهل السيطرة عليها وتركيعها في ضوء مشروع الشرق الأوسط الجديد القاضي.

توابع الحرب الباردة

وبشكل عام، فإن نشاط الحركات الانفصالية خلال المرحلة الراهنة يأتي استمرارًا لتلك الحالة التي خلفتها نهاية الحرب الباردة التي أفرزت ذلك النوع من الأزمات بعد مصادمات دموية عانى منها الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية التي شهدت عمليات تقسيم وإعادة رسم خرائطها السياسية آنذاك.

وما زالنا وفق ما تؤكده أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة الدكتورة نهى بكر لـ«البيان» - نعيش في توابع ما بعد انتهاء الحرب الباردة، نتيجة تعدد الأعراق والاثنيات ولعدم وجود توافق كامل داخل بعض المناطق في أوروبا، مثلما رأينا في كتالونيا في إسبانيا، التي تسعى إلى الانفصال منذ سنوات طويلة.

ففي العام 2012 نظم الكتالونيون مسيرة مليونية وفي العام 2014 أجروا استفتاءً رمزيًا على الانفصال كذلك، ومؤخرًا في الأول من أكتوبر الجاري أجروا الاستفتاء الذي وجه بكم كبير من العنف من قبل الحكومة المركزية في إسبانيا، بما يحدث شرخًا في نسيج المجتمع وبين المواطنين في كتالونيا والحكومة المركزية.

وتفرز تلك الحركات الانفصالية مخاوف من صدامات دموية عديدة في بعض المجتمعات كما حدث في مراحل سابقة. وهنالك رأيان في مسألة الحركات الانفصالية في أوروبا، فهناك من يبدي تخوفه وقلقه الشديد من إعادة رسم الخرائط الإقليمية وإحداث حالة من عدم الاستقرار في القارة العجوز.

وهناك الرأي القائل إن عدم الاستقرار ينتج من عدم السماع إلى صوت الشعوب على غرار ما حدث في البوسنة والهرسك ومأساة كوسوفو مع صربيا، ما يطرح تساؤلاً على الساحة الأوروبية: ما الأفضل بين استمرار الوضع على ما هو عليه وجر دول مختلفة إلى صراعات دموية أم الاستجابة لرغبات الشعوب على أن تنعم بعلاقات سليمة بين مختلف الأطراف؟

وهنا تشدد بكر في الوقت ذاته على ضرورة «التفاوض» كآلية ضمان للاستقرار الدولي وعدم تكرار مشاهد دموية أخرى التي كان آخرها ما حدث في استفتاء كتالونيا في الأول من أكتوبر.

الأسباب

والحركات الانفصالية ليست فقط جراء اختلافات عرقية أو عدم إحساس بالمواطنة، ذلك أن هنالك أسبابًا أخرى داعمة لميلاد تلك التحركات سواء في القارة العجوز أو في منطقة الشرق الأوسط، منها شعور بعض الأقاليم في أوروبا بأنها لم تحصل على حقوقها كافية بنفس الدرجة، فالكتالونيون يرون أنهم مساهمون بجزء كبير في الاقتصاد يصل إلى 20 مليار يورو ولديهم أربعة مطارات وميناء ولديهم فريق «برشلونة» الذي يعتبرونه نوعًا من الفخر للوطن.

ومع ذلك لا يتم ضخ استثمارات من قبل الحكومة المركزية من أجل البنية التحتية بما يكفي، كما أن إقليم الباسك يرى أنه ليس ملزمًا بدفع هذا الكم من الضرائب ويشعر بعدم عدالة، الأمر الذي يحتم وجود «مفاوضات» بتدخل ورعاية من الأمم المتحدة، وتقديم الحكومة الإسبانية لبعض التنازلات من جانبها. وتضرب أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية المثل بتعاطي الحكومة البريطانية مع أزمة «اسكتلندا» ولجوء بريطانيا للتفاوض السلمي الهادئ.

وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، فالمنطقة تمر إجمالًا بحالة عدم استقرار، تظهر خلالها مشروعات ودعوات انفصالية، كان من بينها استفتاء إقليم كردستان مؤخرًا، والغموض لا يزال يلف مصير الأزمة السورية وكذا الوضع في ليبيا ومستقبل شكل الدولة.

أطر المعالجة

وتبزغ العديد من الأطر التي يمكن من خلالها معالجة مسألة الحركات الانفصالية في بعض المجتمعات لضمان عدم تطور الأزمة إلى صراع دموي كما الوقائع المختلفة التي شهدها التاريخ، من بينها معالجة الأسباب الرئيسية الدافعة لتغذية هذه الرغبة في الانفصال، التي من بينها أسباب سياسية واقتصادية، وذلك عن طريق التفاوض والحوار كما تشدد بكر.

فيما يلفت مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية توم حرب، في تصريحات لـ«البيان»، إلى نموذج «الفيدرالية» كأساس يمكن البناء عليه لمعالجة الحركات الانفصالية المنتشرة في العالم، وفي الشرق الأوسط، على اعتبار أنه النظام المناسب لأية دولة بها تعدد عرقيات واثنيات، ويمكن من خلالها إعطاء المحافظات أو البلديات حقوق الإدارة الذاتية تحت نطاق الدولة الأم باستثناء الدفاع المشترك، وهذا لا يعد تقسيمًا للبلاد بأي حال.

كما لا يمكن استبعاد الأصابع الخارجية في دعم بعض المخططات والمطالب الانفصالية التي تبرز من آن لآخر في بعض المجتمعات بمنطقة الشرق الأوسط في ضوء ما تشهده المنطقة من صراعات وأزمات، تهدف تلك الأصابع إلى محاولة تنفيذ مخططات التقسيم وتفتيت دول المنطقة لدويلات صغيرة في إطار مخطط الشرق الأوسط الجديد.

ذلك ما يؤكده الدبلوماسي المصري مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمود السعيد لـ«البيان»، الذي يعتبر أن الحركات الانفصالية الموجودة لدينا في الشرق الأوسط هي «حركات خارج التاريخ»، ذلك أنها حركات مكتومة منذ عشرات السنين.

فرصة للانطلاق

وعندما تجد هذه الحركات «المكتومة» كتلك مثلما يحدث أيضًا خارج نطاق الشرق الأوسط في كتالونيا على سبيل المثال، الفرصة للانطلاق فإنها تعبر عن مشاعرها القومية المكبوتة منذ سنوات وتبدأ الترويج إليها، في حركة مضادة لحركة التاريخ يمكن فهمها في نطاق ما حدث في منطقة الشرق الأوسط خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

وتلك الحركات بحسب السعيد - جزء منها مدفوع من قبل قوى خارجية تسعى لتفتيت الدول الكبيرة والمؤثرة في الشرق الأوسط، وكان ذلك واضحًا في التحذير الذي أعلنته مصر قبل غزو الولايات المتحدة الأميركية للعراق، وقالت مصر وقتها إن ذلك سوف يؤدي إلى تفتيت المنطقة، ولن يكون هنالك بعد ذلك مستفيد من تلك المحاولات إلا إيران.

ويعتقد مساعد وزير خارجية مصر الأسبق، بأن مسألة الانفصال لو بدأت في العراق في كردستان، فإنها لن تنتهي عند حد العراق نفسه، إذ إن هنالك العديد من الدول الأخرى المعرضة للانقسام والتقسيم، ولا يمكن أبدًا استبعاد الدور الخارجي في تحريك تلك الحركات ودعمها وتشجيعها في إطار الرغبة في إحداث عملية انقسام في المنطقة وتفتيت، وتستغل تلك الجهات وجود رغبة لدى هذه الحركات في الأساس لتدعيمها في عملية الانفصال.

فعلى سبيل المثال، إن ما دفع أكراد العراق إلى مساعيهم للانفصال أو الاستقلال عن العراق حسبما يؤكد نائب رئيس الائتلاف الوطني السوري والقيادي البارز في المجلس الوطني الكردي، عبدالحكيم بشار في تصريحات خاصة لـ«البيان» - ليس فقط الانطلاق من إيمانهم بمشروعية الحق في ذلك.

بل لأن حكومات بغداد المتعاقبة تعاملت مع كردستان العراق خلافاً للدستور وخلافاً للتعهدات التي ألزمت نفسها بها بل «تعاملت بمنطق المحتل من خلال فرض حضاري اقتصادي خانق على الإقليم وعدم دفع مستحقاته من الميزانية خلال سنوات وكذلك رواتب الموظفين وغيرها من الالتزامات الدستورية». ومع ذلك لا تزال حكومة وقيادة إقليم كردستان العراق تدعو للحوار لحل المشاكل العالقة، وفق وصفه.

وهو ما يشير إليه كذلك ممثل المجلس الوطني الكردي عضو لجنة التفاوض السورية المعارضة فؤاد عليكو، في تصريح لـ «البيان»، ويعتقد بأن قرار إقليم كردستان العراق لم يأت ارتجاليًا ووليد لحظة انفعال وغير مدروس كما يحلو للبعض قوله، وإنما جاء بعد معاناة طويلة مع النظام.

بين كردستان وجنوب السودان

يقارن مدير المركز المصري للشؤون الخارجية السفير منير زهران، في تصريحات لـ «البيان» بين ما حدث في عملية استفتاء انفصال جنوب السودان وبين ما حدث في «كردستان». ففي جنوب السودان جرى الاستفتاء بعد حرب طويلة بين الشمال والجنوب، انتهت بأن وافقت الحكومة السودانية على إجراء الاستفتاء الذي تم إجراؤه بالفعل في العام 2011 بعد فترة انتقالية من 2005 وحتى 2011، ونتيجة ذلك الاستفتاء تم انفصال جنوب السودان عن الشمال، بناءً على اتفاق دولي وافق عليه السودان ووافق على إجراء الاستفتاء.

بينما في العراق، فإن الحكومة المركزية هناك لم توافق على إجراء الاستفتاء والدول العربية ومجلس الأمن والأمم المتحدة أصدروا بيانات رافضة له، بما لا يعطي المشروعية لاستفتاء كردستان.

ويصب ذلك كلية في صالح مخططات تقسيم العراق إلى ثلاث دول (دولة كردية في الشمال، ودولة سنية في الوسط والعاصمة، ودولة شيعية في الجنوب) ضمن المخطط الأكبر الذي يندرج تحت «الشرق الأوسط الجديد» الذي تحدثت عنه كوناليزا رايز، بما يعني أن تقسيم العراق لن يقف عند حد العراق وحده بل يمتد إلى دول أخرى يستهدفها ذلك المخطط، وفق ما يوضح الخبير الاستراتيجي المصري اللواء عبد المنعم كاطو، في تصريح لـ «البيان».

والذي يعتقد بأن انفصال كردستان إن حدث سوف تكون له جملة من الآثار المُهددة للمنطقة بأسرها وليس للعراق وحده، على اعتبار ذلك المخطط التفتيتي الذي يحاك لدول المنطقة وفي ضوء الأزمات والصراعات الحالية التي تشهدها العديد من دول الشرق الأوسط.

وقد ساهمت العولمة بما أفرزته من تداعيات اقتصادية أدت لزيادة الفجوات بين الدول وداخل الدولة الواحدة ما بين طبقات شديدة الثراء وأخرى فقيرة، في تغذية تلك الرغبة الانفصالية لدى الكثير من الأقاليم، وكان اللافت في النزاعات والحركات الانفصالية أنها غير مرتبطة بمدى تقدم أو تأخر الدول، فظهرت في دول نامية وظهرت في دول أوروبا المتقدمة.

فضلًا عن بزوغ المصالح الدولية والبعد الخارجي في تحريك بعض تلك الحركات وتشجيعها بما يخدم مصالحها عندما وجدت الرغبة لدى تلك الحركات الانفصالية داخل الدولة القومية وشعور تلك الحركات بالتهميش أو عدم حصولها على حقوقها كاملة من قبل الدولة الأم.

وعليه فإن الأزمة تكمن أساسًا لدى الدولة القومية التي عليها أن تراجع استراتيجياتها لتفويت الفرصة على تلك المحاولات إن أرادت الحفاظ على تماسكها، ذلك من خلال الحوار والتفاوض الجاد لحل المشكلات التي تغذي خيارات الانفصال في عالم يبحث عن الاتحاد والتكامل.

تعليقات

تعليقات