00
إكسبو 2020 دبي اليوم

غطرسة نتانياهو تصطدم بالبيت الأبيض

ت + ت - الحجم الطبيعي

تنهض العلاقات الأميركية – الإسرائيلية على ثلاث ركائز أساسية: العسكرية والاستخباراتية والسياسية. الأولى والثانية تقفان على أرضية صخرية. الثالثة تصدّعت بفعل التأزم بين البيت الأبيض ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي وصل إلى ذروته بسبب خطاب هذا الأخير اليوم الثلاثاء أمام الكونغرس.

السؤال: إلى أي مدى باتت هذه الركيزة معطوبة، وإلى أي حدود يمكن أن يؤثر عطبها في باقي جوانب العلاقة؟

الأزمة الراهنة بين الجانبين ليست عرضية. لجوء نتانياهو إلى الكونغرس عبر خطابه الذي عملت سفارته في واشنطن مع اللوبي على ترتيب دعوته، بالتعاون مع رئيس مجلس النواب جون باينر، كانت ذروة تعبيراتها وليست سببها. عواملها تتراكم منذ سنوات.

التوتر تأسس مع المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية. عجز الإدارة عن وقف زحف المستوطنات أدّى إلى المزيد من استئساد نتانياهو. استمرار رخاوة البيت الأبيض مكّنه من إطاحة مفاوضات التسعة شهور التي راهنت عليها الإدارة لتحقيق مشروع الدولتين. ابتلعت الإدارة الصفعة، لكن النفور بدأ يتفاعل تحت السطح.

فوز الجمهوريين

نقل نتانياهو تماديه إلى الملف النووي الإيراني، واستقوى في هذا الموضوع بالكونغرس، خاصة بعد فوز الجمهوريين بالأغلبية في مجلسيه في نوفمبر الماضي. أقنع الرئيس مجلس الشيوخ بمنحه فرصة حتى أواخر مارس الجاري.

مع تزايد احتمالات الصفقة، عمل رئيس الوزراء الإسرائيلي مع الجمهوريين على إخراج دعوته من وراء ظهر البيت الأبيض. تفجّرت الأزمة. غرور نتانياهو أوقعه في خطأ أثار نقمة ضده حتى في ساحات نفوذه: الكونغرس والأوساط اليهودية.

عدد من النواب وأعضاء مجلس الشيوخ قرروا مقاطعة الخطاب إلى جانب نائب الرئيس باعتباره يترأس مجلس الشيوخ. العدد رمزي، بين سبعة وتسعة، لكن مثل هذه المقاطعة غير مسبوقة. وتفاقمت الأجواء أكثر عندما رفض نتانياهو طلب الديمقراطيين في الكونغرس الالتقاء به على حدة.

هجوم مضاد

والمعروف أن الحزب الديمقراطي كان دوماً السند الأساسي لإسرائيل في الكونغرس. التقطت الإدارة الفرصة وشنّت هجوماً مضاداً على نتانياهو وحكومته. على غير عادة كانت مفردات ردها قوية وغير مألوفة. مستشارة الرئيس سوزان رايس قالت إن ما حصل بشأن الخطاب وملابساته «مدمّر لنسيج» العلاقات. كلام جديد يشي بأن الكيل طفح.

لم يسبق لأحد في واشنطن أن اقترب من موضوع العلاقات بمثل هذا التعبير. الوزير كيري لم يتردد في القول إن نتانياهو كان من المحرضين على حرب العراق عام 2003. وكان قد سبقهما قبل أسابيع «مسؤول كبير» في البيت الأبيض – على الأرجح نائب الرئيس جو بايدن أو سوزان رايس – بإطلاق نعوت دونية على نتانياهو، منها أنه «وسخة دجاجة».

تخفيض

لم تقف الهجمة هنا. الإدارة خفضت تمثيلها في مؤتمر اللوبي الإسرائيلي الذي يبدأ أعماله اليوم، والذي سيخطب فيه نتانياهو، إلى مستوى سفير أو أعلى بقليل.

عادة يشارك ويتحدث فيه نائب الرئيس أو وزير الخارجية وأحياناً الرئيس. هذه المرة اكتفت الإدارة بتكليف السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة سامنتا باور ومستشارة الرئيس سوزان رايس، ولم تبلغ اللوبي بالاسمين إلاّ قبل ثلاثة أيام من افتتاح المؤتمر.

رسالة أخرى زادت من خشية أوساط ودوائر يهودية أميركية تتولى عادة دور المحامي عن إسرائيل في واشنطن. قسم كبير منها دعا نتانياهو عبر وسائل الإعلام إلى إلغاء خطابه. بعضها هاجم قبوله الدعوة واتهمه بأنه يعمل على توظيف المناسبة لتعزيز حملته الانتخابية، وأنه يدخل طرفاً في الاستقطابات السياسية الأميركية.

لعبة تحذر هذه الجهات من عواقبها، من شأنها أن تنسف أو تزعزع الإجماع في تأييد ودعم إسرائيل. لا يقوى اليهود في أميركا على أخذ موقف علني بدعم رئيس وزراء إسرائيل ضد البيت الأبيض. ولا حتى الكونغرس يقوى على ذلك. سبق أن وقف مع الرئيس بوش الأب عندما اصطدم مع شامير. والآن يسود امتعاض كبير صفوف الديمقراطيين في الكونغرس، حتى لو حضر معظمهم جلسة الخطاب.

لحظات توتر

مرّت العلاقات الأميركية الإسرائيلية بلحظات توتر سابقة وفي ظل إدارات ديمقراطية وجمهورية. وسرعان ما كان يتم تجاوزها. نتانياهو نفسه منعه الوزير جيمس بيكر من دخول وزارة الخارجية. لكن ما شهدته في زمن أوباما، خاصة في المدة الأخيرة، مختلف نوعياً.

تراكم التأزم والنفور على مدى ست سنوات حصل نتيجة تصادم بين توجهين، ما جعل من المستبعد جداً ترميم العلاقات خلال المتبقي من رئاسة أوباما، بل من الصعب إزالة رواسبها حتى بعد هذه الرئاسة. بالتأكيد العلاقات ليست مكسورة الآن.

لكنها تشقّقت. أسست لافتراقات لاحقة. أحد كبار المناصرين لإسرائيل، برات ستيفنس، يقول إنه من مصلحة إسرائيل التخلي عن المساعدات الأميركية لتتحرر في مواقفها، لا سيما أنها غنية ومتقدمة ولا تحتاج إلى العون. بقياسات العلاقة التاريخية المميزة بين إسرائيل وواشنطن، التشقق هذا ليس فاصلة بسيطة. إنه تحوّل يستحق الترحيب ولو من غير تهليل.

طباعة Email