كيري وتسويق الضمانات الأمنية لإسرائيل

بعد ساعات من عودته إلى واشنطن، عقب زيارته الثامنة للقدس ورام الله، ألقى وزير الخارجية الاميركي جون كيري كلمة في المؤتمر السنوي العاشر لـ «مركز صبان» في مؤسسة بروكنغز للدراسات والأبحاث بواشنطن والذي يموّله الملياردير اليهودي حاييم صبان. ما قاله هو والرئيس الاميركي باراك اوباما أمام حشد أميركي إسرائيلي كبير، دار حول الضمانات الأميركية غير المسبوقة، المعروضة على حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لبلوغ صيغة الدولتين. تحدث بلغة تسويق العرض.

في المناسبتين شارك امس واليوم نتانياهو ووزير خارجيته افيغدور ليبرمان وغيرهما من الإسرائيليين، بحيث تحولتا إلى نوع من البازار للحديث عن المقاربات المختلفة للتسوية التي توحي إدارة أوباما بأنها تتعامل معها من موقع العازم على الانجاز. أو على الأقل، من موقع المتفائل بإمكانية تحقيقها. فقد كشف بأنه لم يسبق أن دخلت واشنطن في تفاصيل المفاوضات كما هي الآن. لأول مرة تبادر في طرح مخارج وبدائل مع سخاء غير معروف في الإمكانات التي توفر الأمن التام لإسرائيل.

واضح أنه كان يخاطب القوى اليهودية الأميركية المؤثرة على القرار الإسرائيلي، لحملها على الوقوف إلى جانب الإدارة في عملية الترويج لمقاربتها. العلّة أن هذه المقاربة معطوبة من عدة جوانب: أولاً أنها تنطلق من أن القضية أمنية في جوهرها وليست قضية احتلال مطلوب إزالته.

وهذا موّال قديم ومفتعل طالما عملت منه إسرائيل ذريعة وبغطاء اميركي، لتتملّص من أي التزام بحل سياسي. فهي لديها فائض قوة جعلها قوة احتلال، الواقع تحته بحاجة إلى أمن وليس هي. الناحية الثانية، أن الإغراء بالمزيد من الدعم والضمانات لا يشدّ إسرائيل إلى التزحزح، بل يفتح شهيتها على المزيد وهي البارعة في الابتزاز. والتجربة تؤكد ذلك.

ثم هي تعرف أن الحنفية الأميركية مفتوحة لها باستمرار. تستقوي بالكونغرس وبمفاتيحها النافذة في واشنطن لضمان امتيازاتها الأميركية. ولا يكسر هذا الاستقواء إلاّ الرئيس عندما يقرّر تجاوز «الستاتيسكو».

ولا دليل حتى الآن أن اوباما في هذا الوارد. العطب الثالث في مقاربة الإدارة وكيري بالذات، أنها تقوم على نوع من شراء التسوية. ذلك أنه في مثل هذه العملية، لا حدود للثمن الذي تطلبه إسرائيل. بل هو ثمن متجدّد، حيث تسارع إلى رفع سقف كلما بدا أن الاقتراب منه بات وشيكاً.

وها هو الوزير ليبرمان الذي سبق كيري في مخاطبة مركز صبان، يقول إن «المفاوضات يجب أن تبدأ حول الثقة ومن الضروري مواصلة الحوار مع الفلسطينيين». مفاد كلامه أن الأرض ليست للتفاوض بل الثقة ! وأن المسيرة المستمرة منذ أوسلو يجب الاستمرار فيها... إلى آخر الزمان.

صحيح أن زيارة كيري كشفت عن تحوّل نسبي قياساً على السابق- في الدور الأميركي تجاهها. فهو طوّر من وظيفته كـ«مسهّل» إلى دور «المبادر» المتواضع. صار أكثر من وسيط، لكن أقل من مقرِّر. محاولة خجولة للدخول على خط المفاوضات من موقع التحريك. تتوخى إرضاء نتانياهو لإحراجه وليس لإلزامه. فهي تعرض عليه ترتيبات أمنية مستقاة من صميم مبدأ السيطرة الإسرائيلية. ما أزعج إسرائيل أن واشنطن تبادر لأول مرة لتحريك العملية.

ومع أن مثل هذا الدور مبني على نظرية الأمن الإسرائيلي وإن بوسائل مختلفة، إلا أن إسرائيل لا تطيقه إسرائيل، لأنه خروج على ترك الساحة خلواً لها للاستفراد بالجانب الفلسطيني، بذريعة أنه لا يمكن لأحد أن يكون أكثر رغبة في السلام من الطرفين المعنيين. وهكذا تمكنت إسرائيل من استهلاك فترة عقدين من خلال المماحكة تحت غطاء أميركي.

اليوم تريد إدارة أوباما أنها تتحرك من خارج هذا الغطاء. وبهذا فهي امام الامتحان. ويبقى السؤال: أي تسوية ؟ وهل تمضي إلى فرض خريطة مقبولة لو واصلت إسرائيل العرقلة والابتزاز؟ بعد خمسة اشهر تصدر نتيجة الامتحان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات