رحيل «الذي يجلب المتاعب» بهدوء.. وأسبوع من التأبين تكريماً

جنوب إفريقيا تشيّع «ماديبا» 15 الجاري

خسر الزعيم الجنوب الإفريقي روليهلالا داليبونغا مانديلا، وهي كلمة تعني بلغة قبيلته «الذي يجلب المتاعب»، أمس معركته الأخيرة ضد الموت بهدوء بعد أن انتصر في معاركه في الحياة منذ أن دخل زنزانته في سجن روبن آيلاند، حيث نعت جنوب إفريقيا «تاتا ماديبا»، كما يلقب تحبباً، عن عمرٍ يناهز 95 عاماً، على أن يُشيع في جنازة دولية 15 الجاري ضمن أسبوع من التأبين.

وأعلن رئيس جنوب افريقيا جاكوب زوما وفاة مانديلا بطل النضال ضد نظام الفصل العنصري وأول رئيس أسود لجنوب افريقيا ديمقراطية. وقال زوما في كلمة بثها التلفزيون مباشرة أول من أمس بعيد الساعة 21,30 بتوقيت غرينتش ان «الرئيس السابق نلسون مانديلا رحل.. لقد ارتاح الآن والأمة فقدت أشهر أبنائها». وأضاف: «لقد توفي بهدوء وشعبنا خسر أباً»، قبل أن يعلن تنكيس الاعلام اعتبارا من أمس، على أن يدفن في مقابر اجداده بقرية كونو في اقليم الكاب الشرقي في 15 ديسمبر الجاري.

شاهد الجرافيك

وقال زوما إن مراسم التأبين التي تستمر أسبوعا ستتضمن اقامة قداس في الهواء الطلق في العاشر من الشهر الجاري في استاد كرة القدم بجوهانسبورغ الذي شهد مباراة نهائي كأس العالم بكرة القدم لعام 2010. وسيسجى جثمان مانديلا في يونيون بيلدينغز مقر الرئاسة في بريتوريا من الحادي عشر الى الثالث عشر من ديسمبر.

وتابع زوما: «لنعبر عن امتناننا العميق لحياة عاشها في خدمة الناس في هذا البلد وفي خدمة الانسانية»، مؤكدا انها «لحظة حزن.. وسنحبك دائما ماديبا». واستخدم زوما الاسم الذي يطلقه شعب جنوب افريقيا على مانديلا الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة. وكان مانديلا، الذي احتفل بعيد ميلاده الـ95 في 18 يوليو الماضي، نقل الى المستشفى اربع مرات منذ ديسمبر بسبب اصابته بالتهاب رئوي متكرر.

تاريخ وخلفية

وشخصت اعين العالم على مانديلا في 11 فبراير 1990 يوم خرج بهالة من البطولة بعد قرابة ثلاثة عقود قضاها وراء القضبان لمعارضته نظام الفصل العنصري المفروض من الاقلية البيضاء في البلاد، في واحدة من اكثر الصور المؤثرة في تلك الفترة.

وبعد أربعة أعوام، أصبح السجين رئيساً للجمهورية، مطلقا مسيرة مصالحة وطنية في جنوب افريقيا من خلال اعادة الاعتبار للاكثرية السوداء في البلاد وطمأنة البيض لعدم وجود ما يخشونه بسبب التغيير. وبفضل أسلوبه الذكي في النقد الذاتي وانسانيته الواضحة، سحر مانديلا الجماهير. ومانديلا، واسمه الاصلي روليهلالا داليبونغا مانديلا، وهي كلمة تعني بلغة قبيلته «الذي يجلب المتاعب» مولود في منطقة ترانسكي، إحدى أفقر مناطق جنوب افريقيا، في 18 يوليو 1918.

وهو الحفيد الاكبر لزعيم من قبيلة تمبو. وتم اطلاق اسم نيلسون عليه من جانب معلمته في المدرسة. وافتتح مانديلا، الناشط منذ ايام الدراسة في كلية فورت هير جنوب شرق البلاد، اول مؤسسة قانونية للسود في جوهانسبرغ العام 1952 بمشاركة رفيقه الناشط اوليفر تامبو. وأصبح قائدا اعلى للجناح المسلح السري للمؤتمر الوطني الافريقي العام 1961، ثم خضع في العام التالي لتدريبات عسكرية في الجزائر واثيوبيا.

وبعد اكثر من عام من العمل السري، اعتقل وحكم عليه العام 1964 بالسجن مدى الحياة خلال ما عرف بـ«محاكمة ريفونيا» حيث ألقى كلمة تحولت بيانا رسميا لحركة مناهضة نظام الفصل العنصري. وأمضى 18 عاما في سجن على جزيرة روبن ايلاند قبل نقله العام 1982 الى سجن «بولزمور» في كيب تاون ثم في سجن «فيكتور فيرستر» في مدينة بارل المجاورة.

وتولى مانديلا الرئاسة لدورة واحدة من خمسة أعوام، لكن بعد انسحابه من المشهد السياسي في بلاده في العام 1999 كرس وقته، على الرغم من تدهور حالته الصحية، لمهام وساطة في نزاعات مختلفة خصوصا في الحرب في بوروندي. ولدى مانديلا ثلاث بنات هن ماكي وزيندزي وزيناني. وفي 2009، أعلنت الامم المتحدة يوم ميلاد مانديلا يوما عالميا، في اول تكريم من نوعه لفرد.

 الأخيرة

 من آخر المناسبات البارزة التي ظهر فيها مانديلا على الساحة الدولية هي مساعدته على حصول جنوب افريقيا على حق استضافة كأس العالم لكرة القدم لعام 2010، للمرة الاولى في القارة الافريقية. وقام بإسعاد الجماهير في المباراة النهائية لدى ظهوره المفاجئ على عربة غولف.

الشعب يستفيق على حياة بلا مانديلا

أفاق مواطنو جنوب أفريقيا أمس على مستقبل بلا نيلسون مانديلا، وأعرب البعض عن خوفهم من ان تصبح بلادهم بعد وفاته عرضة للتوترات العرقية والاجتماعية التي بذل المستحيل لتهدئتها.

ومع بزوغ الفجر، توجه المواطنون الجنوب إفريقيون إلى أعمالهم وقد تملكتهم الصدمة لوفاة رجل أصبح رمزا عالميا للمصالحة والتعايش السلمي.

وسمع هؤلاء رئيس بلادهم جاكوب زوما وهو يبلغهم أن الرئيس السابق للبلاد الحائز على جائزة نوبل للسلام توفي بمنزله في جوهانسبرج وسط أفراد أسرته.

وقالت شارون كويبكا (28 عاما) التي تعمل سكرتيرة وهي في طريقها إلى العمل في جوهانسبورغ: «الامور لن تسير بشكل جيد. اعتقد أن البلاد ستصبح اكثر عنصرية. الناس سينقلبون على بعض ويطاردون الاجانب»، مضيفة: «مانديلا الوحيد الذي كان قادرا على جمع الكل». وحضر كثيرون القداس في الكنائس وعلى رأسهم زعيم آخر لمقاومة الفصل العنصري كبير اساقفة كيب تاون السابق ديزموند توتو الذي قال انه صدم لوفاة مانديلا.

وبالنسبة لمواطني جنوب أفريقيا، يجيء موت زعيمهم المحبوب في وقت تشهد البلاد، التي نعمت بالاشادة العالمية لانهائها الفصل العنصري، اضطرابات عمالية دامية واحتجاجات متصاعدة على ضعف الخدمات والفقر والجريمة والبطالة وفضائح الفساد التي تلاحق حكم زوما.

لكن كثيرين يرون أن جنوب افريقيا، وهي اكبر اقتصاد في أفريقيا لكنها واحدة من أكثر دول العالم افتقارا للمساواة، مازالت بعيدة عن نموذج الدولة «ذات اطياف قوس قزح التي تنعم بالسلام الاجتماعي وتتشارك في الرخاء» كما أعلن مانديلا لدى خروجه مظفرا من السجن العام 1990.

وقال جوزيف نكوسي (36 عاما) وهو حارس امن في جوهانسبورغ: «أشعر كمن فقد أباه. فقدت من كان يرعاني. أي مواطن أسود بلا معارف يجد نفسه في وضع ضعيف». وقالت آشلي وليامز التي تسكن بجوار منزل مانديلا وهرعت فور إعلان وفاته على التلفزيون: «كنت أدرك أن هذا اليوم آت، لكن بوسعي القول إن حبيبنا مانديلا خاض المعركة الصحيحة، وآن له أن يرقد بسلام».

شخصيته تعرفها من أقواله

- فيما يلي مقتبسات من رئيس جنوب أفريقيا السابق نيلسون مانديلا الذي توفي الخميس عن 95 عاماً:

- بيان صحافي للمؤتمر الوطني الافريقي صادر في 26 يونيو العام 1961: «من جانبي كنت صاحب الاختيار. لن أترك جنوب أفريقيا ولن أستسلم. الحرية لا تكتسب الا من خلال المحن والتضحية والعمل الثوري. الكفاح هو حياتي. سأستمر في النضال من أجل الحرية الى آخر أيامي».

- خطاب ألقاه أثناء محاكمته بتهمة الخيانة في 20 ابريل 1964: «طوال حياتي كرست نفسي لنضال الشعب الافريقي هذا. قاتلت ضد هيمنة البيض وقاتلت أيضا ضد هيمنة السود. انه مبدأ أتمنى ان اعيش من اجله وأراه يتحقق. لكن اذا اقتضت الضرورة، هو مبدأ أنا مستعد للتضحية بحياتي من أجله».

- لدى خروجه من السجن في 11 فبراير 1990: «أقف هنا أمامكم لا كرسول بل كخادم ذليل أمامكم أمام الشعب. ان تضحياتكم الدؤوب والتاريخية هي التي جعلت من الممكن ان أقف هنا اليوم. ولهذا أضع ما تبقى من أعوام عمري بين أيديكم».

- أمام لجنة الأمم المتحدة الخاصة لمكافحة التمييز في 22 يونيو 1990: «ستظل جريمة التمييز العنصري الى الأبد آفة لا تمحى في تاريخ البشرية. ستتساءل الأجيال القادمة بالقطع: ما الخطأ الذي ارتكب حتى ينشئ هذا النظم نفسه بعد التصديق على الاعلان العالمي لحقوق الانسان؟».

- في أول خطاب له كرئيس لجنوب افريقيا في العاشر من مايو 1994: «حان الوقت لمداواة الجراح.. حان وقت تخطي الهوة التي فرقت بيننا. حل علينا وقت البناء».

- من سيرته الذاتية «رحلتي الطويلة من أجل الحرية» العام 1994: «لا يولد أحد وهو يكره شخصاً بسبب لون بشرته او خلفيته او دينه. الناس يتعلمون كيف يكرهون، واذا كان يمكن ان يتعلموا كيف يكرهون فيمكن ان يتعلموا كيف يحبون».

- تصريحات العام 1999: «في اليوم الأخير من حياتي أريد ان أتيقن من أن من عاشوا بعدي سيقولون (هذا الرجل الذي يرقد هنا قام بواجبه من أجل بلده وشعبه)».

نظام فصل عنصري قسّم المجتمع وصنّف السكان

 كان «الابارتايد»، الذي ساهم نيلسون مانديلا في تسريع سقوطه، عقيدة تهدف الى فرض تمييز عنصري صارم على المجتمع على كل المستويات.

وأصبحت سياسة «الابارتايد»، الكلمة التي تعني بلغة الافريكان تفريق الاشياء وتترجم عادة بـ«التنمية المنفصلة»، نظاما مطبقا بشكل منهجي بعد فوز الحزب الوطني في انتخابات 1948.

والصورة التي ستبقى على الارجح في الاذهان عن هذه السياسة هي صورة اللوحات التي تخصص للبيض حصرا المطاعم وكوات البريد والمراحيض والشواطئ.

لكن البلاد بدأت أصلا عملية فصل بين الاعراق منذ المستوطنين الهولنديين الاوائل الذين أقاموا سياجا من اشجار اللوز لحماية الكاب من السكان الاصليين في القرن السابع عشر.

وأجبر الهوتنتو، احد شعوب المنطقة، على الحصول على تصريح خاص للتنقل اعتبارا من 1797 بينما ابعدت مدينة مثل جوهانسبورغ منذ تأسيسها في 1886 سكانها السود الى احياء واقعة في اطرافها.

وعاش المهاتما، غاندي الذي امضى اكثر من عشرين عاما في جنوب افريقيا، هذه التجربة عندما طرد من عربة للدرجة الاولى في قطار مخصصة للبيض عند وصوله العام 1893.

وفي تجاهل كامل لأبنائها السود، ولدت جنوب افريقيا المعاصرة في 1910 من اتحاد بين بيض ضم اسياد البلاد الانجليز والافريكان او «بورز» احفاد المستعمرين الهولنديين.

ورد بعض السود بانشاء المؤتمر الوطني الافريقي الحزب الذي قاده مانديلا في وقت لاحق.

كما منع قانون اول الزواج بين الاعراق (1949) ثم العلاقات الجنسية بين اشخاص من اعراق مختلفة (1950).

ويقوم هذا النظام على قانون عرف بقانون تسجيل السكان (1950) وقد صنف السكان في اربع فئات بحسب لون بشرتهم وهي البيض والهنود والخلاسيون والسود، محددا بذلك كل أوجه حياتهم، من المهد حتى اللحد. وأزيلت أحياء بأكملها مثل صوفياتاون في جوهانسبورغ والمنطقة السادسة في الكاب، بينما ابعد السكان السود الى ابعد ما يمكن في «مدن صفيح». جوهانسبورغ ـ أ.ف.ب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات