EMTC

تداعيات وصوله إلى البيت الأبيض ستكون جسيمة على الحزب والعالم

ترامب يجسد أفول عصر النخبة في صفوف الجمهوريين

في أي إطار ينبغي على المرء وضع صعود نجم المرشح الرئاسي الجمهوري المحتمل دونالد ترامب؟ من البديهي التفكير بالمقارنات مع الفوضويين الشعبويين في الماضي والحاضر.

كما أنه من الطبيعي طرح التساؤل أيضاً: لماذا قد يختار الحزب الجمهوري بلطجياً نرجسياً ليكون مرشحه للرئاسة؟ إلا أن الأمر لا يتعلق بالحزب فقط بل بالبلاد برمتها، سيما أن الولايات المتحدة تشكل الجمهورية الأعظم منذ روما، وهي معقل الديمقراطية وضامن النظام الليبرالي العالمي.

وسيشكل وصول ترامب للرئاسة الأولى كارثة على العالم، حتى أن فشله في الوصول إلى البيت الأبيض سيجعل المستحيل قابلاً للطرح.

وقد أشار روبرت كاغان، المفكر المنتمي إلى معسكر حزب المحافظين الجدد، في إحدى مقالاته الصحفية، إلى أن ترامب يعتبر أيضاً "وحش فرانكشتاين الجمهوري"، والنتيجة السافرة "لتدخل الحزب المتعمد لإعاقة العمل"، وتشويه سمعة المؤسسات السياسية، ونهج العبث المتزمت، وظهور "متلازمة التشويش المصبوغ عرقياً" حيال الرئيس الأميركي باراك أوباما.

الجمهوريون والتقهقر

ويتابع كاغان القول: يفترض بنا الاعتقاد أن رابطة ترامب من الناس (الغاضبين) يشعرون بالاستياء حيال ركود الأجور. وهم غاضبون حيال كل ما طلب منهم الجمهوريون بأن يغضبوا منه، على مدى السنوات السبع والنصف الأخيرة.

ويعتبر كاغان محقاً في قوله، إلا أنه لا يذهب بعيداً بما يكفي. فالأمر لا يقتصر على السنوات السبع والنصف الماضية وحسب، وقد شهدت فترة التسعينيات هذا النوع من المواقف، إبان محاكمة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.

ويمكن القول إنها تعود إلى زمن أبعد، شهد استجابة الحزب الوصولية لحركة الحقوق المدنية في الستينيات. إلا أن الأمور ازدادت سوءاً، ولم تتحسن بمرور الوقت.

وإذا تساءلنا عن سبب حصول ذلك، فإننا نجد أن تلك كانت الطريقة التي حظيت طبقة أثرياء المانحين المكرسة لخفض الضرائب وتقليص هيبة الدولة، من خلالها بالمقترعين والمؤيدين، وأوجدت بالتالي ما يعرف بالشعبوية الأفلاطونية، القائمة على زواج حكومة الأثرياء والشعبوية اليمينية.

ويجسّد ترامب هذا الاتحاد، إلا أنه توصّل إلى تجسيد هذه الحالة بطمس معالم السوق الحر، جزئياً، وتخفيض الضرائب، وتقليص أهداف الحكومة على قياس المؤسسة الحزبية، التي لا يزال منافسوه مقيدين بها بحكم الاتكالية المالية. ويعطيه هذا الواقع امتيازات منيعة، على الرغم من اعتراض النخبة المحافظة على عدم انتمائه للمحافظين، لكن القاعدة الجمهورية من غير المحافظين كذلك.

رئاسة تفتقر للمعايير

يعتبر ترامب مرشحاً رديئاً، إلا أن سياسات منافسيه البارزين، السناتور تيد كروز وماركو روبيو، لا تقلّ سوءاً في بعض أوجهها. لكن ظاهرة ترامب ليست قصة حزب وحسب، بل مسألة بلد، وبالتالي العالم. ومن الحماقة الافتراض أن المعايير الدستورية في الولايات المتحدة ستنجو في ظل رئيس لا يستوعبها، ولا يؤمن بها.

ويعتبر حشد 11 ألف شخص وترحيلهم عملاً يتسم بالإكراه، فهل يمكن الحيلولة دون وصول رئيس يسعى لتحقيق ذلك ومن قبل مَن؟ وماذا عسانا نفعل بحماسة ترامب حيال بربرية التعذيب؟ وهل سيجد أشخاصاً مستعدين لتنفيذ رغباته أم لا؟ ولا يصعب على قائد مصمم كترامب أن ينفذ أموراً لم تكن واردة في حسبان أي كان من قبل، عبر التذرع بوجود ظروف طارئة.

وقد سبق للرئيسين الأميركيين الأسبقين أبراهام لينكولن وفرانكلين روزفلت أن أقدما على أمور غير اعتيادية في زمن الحرب. إلا أن الرجلين أدركا وجود حدود لتصرفاتهما، فهل يعرف ترامب حدوداً؟

لا تزال إمكانية عدم وصول ترامب لمرحلة ترشيح الحزب الجمهوري قائمة، إلا أن إتمام ذلك يستوجب من النخبة الجمهورية طرح أسئلة صعبة، لا تقتصر على كيف سمح الحزب بحصول ذلك، بل كيف يمكن للرد المناسب أن يكون.

وأكثر من هذا، سيكون على الشعب الأميركي أن يقرر أي نوع من الكائنات البشرية يريدون إيصالها إلى البيت الأبيض، إذ أن تداعيات الخيار على الحزب والعالم ستكون جسيمة. أضف إلى ذلك أن ترامب قد لا يكون فريداً من نوعه، إذ أن الحكم "القيصري" الأميركي بات واقعاً قائماً، والخطر الحقيقي ماثل بشكل مقلق اليوم، وقد يعود في المستقبل.

مقارنة

يروج ترامب لأحلام مجنونة، قائمة على الجهل المطبق. وتتلخص أعماله بإنشاء معالم بشعة تصور غطرسته، فهو لا يملك أي خبرة في العمل السياسي، ويقارنه البعض بشعبويي أميركا اللاتينية، بل أن البعض ينظر إليه على أنه سيلفيو برلسكوني أميركا، وإن كان أكثر افتقاراً لسحر وفطنة رئيس وزراء إيطاليا الأسبق في عالم الأعمال،ولا يتمتع ترامب بأدنى مقومات الكفاءة التي تؤهله لشغل المنصب السياسي الأهم في العالم.

لا بد من الإشارة إلى أن الموجبات التي دفعت هتلر لأن يتبع نهجاً تخريبياً لم تقتصر على نزعة جنون العظمة، بل لوجوده على رأس قوة عظمى. قد لا يكون ترامب هتلر، لكن أميركا ليست ألمانيا، بل دولة أعظم وأهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات