ليبيا تفتقر إلى ركائز الحكم المناسبة

بالنسبة لمعظم دول الربيع العربي، لم يكن بمقدور الغرب إلا أن يراقب بقلق ما يجري من موقع الهامش. كانت ليبيا الاستثناء. وقد بدا التدخل العسكري بقيادة الولايات المتحدة في عام 2011 نجاحاً سريعاً وغير مكلف. وبدعم من الطائرات المقاتلة لحلف شمالي الأطلسي "ناتو"، احتشدت الميليشيات المتمردة، واستولت على العاصمة طرابلس. والآن بعد سنتين، يبقى السبب وراء بقاء ليبيا في فوضى ملطخة بالدماء متمثلاً في تلك الميليشيات ذاتها والسياسيين الذين قاموا باستيعابها.

في 15 نوفمبر، قرر سكان طرابلس الذين سئموا رؤية مدينتهم مقسمة من قبل ميليشيات أصبحت أكثر غطرسة بعد سنتين من التساهل معها، الاحتجاج سلمياً ضد إحدى الميليشيات خارج المدينة بعد استيلائها على أحد الأحياء. فرد المسلحون بإطلاق النار على المحتجين السلميين، ولقي 50 شخصاً حتفهم خلال إطلاق نار في القتال الذي تلا ذلك.

وكانت أسوأ أعمال عنف تشهدها العاصمة الليبية منذ سقوط النظام، وشكّلت تذكيراً مؤلماً ومحبطاً بأن ليبيا، الدولة الغنية بالنفط التي ليس لديها أي من خطوط تصدع طائفية، بإمكانها مع ذلك أن تهوي في حرب بين الفصائل واسعة النطاق.

حالة خاصة

والسبب وراء وجود ليبيا في هذه الحالة يتعلق في جانب كبير منه بسبب آخر، وهو أن البلاد كانت حالة خاصة في الربيع العربي. وعلى نقيض مصر أو تونس اللتين ورثت حكوماتهما ما بعد الديكتاتورية بعض المؤسسات العاملة، فإن الحكومة الليبية في مرحلة ما بعد القذافي كان عليها بناء الأجزاء المكونة للدولة من الصفر. والقذافي، والثورة التي أطاحت به، تركا القليل من قبيل الوزارات والقوات الأمن وحكم القانون، وليبيا بعد القذافي ليست لديها ركائز للحكم تقريباً،

ويُشكّل هذا الأمر تحدياً بالنسبة لأي بلد من البلدان. وبالنسبة إلى ليبيا، بتاريخها الطويل من الخصومة القبلية والجغرافية وسيل الدماء المسفوك عام 2011، فإن هذا التحدي محفوف بالخطر. وكان المطلوب من قادة البلاد الجدد شكر أبطال الثورة على شجاعتهم وتضحياتهم والإصرار على تكويم أسلحتهم والتوجه إلى منازلهم من أجل إعالة أنفسهم وعائلاتهم.

لكن بدلاً من ذلك، تبنى عدد كبير من السياسيين الليبيين الميليشيات المنتصرة، وهناك ما يصل إلى 300 منها، من أجل تعزيز مواقعهم أو بهدف الاستعانة بها في محاولة السيطرة على الميليشيات، واستخدامها كقوى أمن احتياطية.

والحكومة قامت ببعض المحاولات لدمج المسلحين في الجيش الوطني وقوى الشرطة صغيري الحجم وغير الفعالين، لكن بنجاح محدود. وما يصل تقريباً إلى 200 ألف مقاتل هم على قوائم رواتب الحكومة، وليس هناك بينهم من هو تحت سيطرة الحكومة.

وهذا يتضمن المسلحين الذي اندفعوا إلى مكتب رئيس الوزراء علي زيدان في أوائل أكتوبر مطالبين بالرواتب المتأخرة، وأولئك الذين ايقظوه في غرفة الفندق في طرابلس في الساعة الثانية والنصف صباحاً بعدها بأيام قليلة، ليوضحوا له أنهم يقومون بخطفه (وأفرجوا عنه بعد ذلك بوقت قصير).

فإذا كان هناك شيء هزلي إلى حد المرارة في هذا الغياب للأمن الشخصي لدى كبار مسؤولي البلاد، فإنه لا يوجد ما يثير الضحك في قيام ميليشيات بقتل محتجين مسالمين في الشوارع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات