التسوية في سوريا تجتاز رمالاً متحركة

ليس لدى السوريين أية أوهام حيال وجود نهاية لبؤسهم في الأفق، مع كل طبول حرب الدبلوماسية أخيراً. وقد تلقت الخطة التي طرحت منذ ستة أشهر لعقد مؤتمر سلام ثان كبير في جنيف، دفعاً في سبتمبر الماضي، بعد موافقة الحكومة السورية على التخلي عن الأسلحة الكيماوية، بعد أن أودت بحياة أكثر من ألف مدني. لكن منذ ذلك الحين، كانت الآمال بإجراء محادثات جادة تغرق في الرمال المتحركة. في 5 نوفمبر، اعترف المبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية الأخضر الإبراهيمي، بأن مؤتمر جنيف لن يعقد في نوفمبر، كما وعد سابقاً.

والحقيقة هي أن المتشددين ما زالوا أكثر تصميماً على عدم التزحزح عن مواقفهم من الأصوات المعتدلة، التي كانت تهدف المحادثات إلى تمكين تلك الأصوات وتعزيزها، سواء داخل نظام الرئيس السوري بشار الأسد، أو ضمن الصفوف المتنافرة للثوار، أو في أوساط الرعاة الأجانب الذين يدعمون كلا الجانبين.

وكان الائتلاف الوطني السوري يتخبط في مواقفه حيال حضور المحادثات، وهو يريد الحصول على ضمانة بعدم مشاركة الأسد حتى في حكومة انتقالية. لكن النظام يرفض دعم هذا الرأي. بالإضافة إلى ذلك، شعر الأسد بأنه أقوى، منذ أن فشلت أميركا في تنفيذ تهديداتها بمعاقبة النظام على الهجوم المسبب لمجزرة غاز السارين في 21 أغسطس الماضي. والصفقة التي تلت ذلك بتدمير الأسلحة الكيماوية في سوريا، من قبل خبراء تابعين للأمم المتحدة، عززت من شرعية الأسد، وطمأنته إلى أن التركيز الوحيد في الغرب لا ينصب على الإطاحة به.

وعلى أي حال، لا يشكل اصطحاب هذين الطرفين إلى طاولة المفاوضات وصفة للنجاح. فمزيد من السوريين يرفض سلطة الائتلاف المعارض. في 15 أكتوبر الماضي، أعلنت 50 جماعة، معظمها ذات ميول إسلامية، عن أنها لم تعد تعترف بسلطته. وقال القيادي في جيش الإسلام، زهران علوش، إن الائتلاف سيصبح عدواً "تماماً مثل نظام بشار الأسد، إذا شارك في المحادثات في جنيف". وبعد ذلك بـ 11 يوماً، قالت 19 جماعة أخرى إن المفاوضات مع النظام ترقى إلى مستوى الخيانة.

وفيما اقتربت مواقف أميركا وروسيا في تمني حل وسط لإنهاء الحرب، إلا أن هذا لا ينطبق على الأطراف الإقليمية. أما الغرب، فإن شعوره بالإلحاح شحذته الأدلة التي تشير إلى تعزيز قوة المتشددين في صفوف الثوار، وتفاقم الأزمة الإنسانية.

ومع تفاقم أعداد الجهات الفاعلة في الحرب السورية، فإن آفاق التوصل إلى حل مبكر تزداد بهتانا. وفي غضون ذلك، يزداد البؤس بلا رحمة. ولقد تفشى شلل الأطفال مجدداً بعد نحو 14 عاماً من القضاء عليه. وتفيد التقارير عن حالات شديدة من سوء التغذية، لا سيما بين الأطفال في المناطق المحاصرة من قبل القوات الحكومية. وتفيد الأمم المتحدة أن اثنين من أصل كل خمسة سوريين الآن بحاجة إلى مساعدات طارئة. والبلدان المجاورة تحذر من أنه لم يعد بإمكانها التعامل مع حجم تدفق اللاجئين، الأكثر دراماتيكية، منذ الحرب العالمية الثانية، حسب بعض التقديرات.

وفيما يتحدث الدبلوماسيون عن موضوعات في غير مكانها وزمانها، تستمر الحرب على أرض واقع. وإلى أن يصبح مزيد من الأطراف في الداخل والخارج على استعداد لتقديم تنازلات والتوصل إلى حل وسط، فإن الجمود القاتل سوف يسود البلاد.

تشرذم الصراع

 

بدا الصراع في سوريا قضية واضحة تعود لثوار يقاتلون نظاماً محصناً، لكن الثوار الآن قلقون في كثير من الأحيان من بعضهم بعضاً، بقدر قلقهم من الأسد. والمقاتلون الأكراد الذين هم في تحالف تكتيكي مع النظام، بحكم الأمر الواقع، أخلوا مساحات شاسعة من الجماعات الإسلامية المعادية في شمال شرقي البلاد. وازدادت الفصائل المتشددة، ليس فقط قرب تركيا، وإنما أيضاً حول دمشق. كما بات النظام يعتمد على مزيد من الفصائل التي لديه سيطرة محدودة عليها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات