روسيا تخشى قيام نظام في دمشق يهدد مصالحها

جلب الدعم الروسي غير المحدود لدمشق على مدار 16 شهرا من الأزمة المتصاعدة في سوريا على موسكو إدانة شديدة من جانب واشنطن وحكومات غربية أخرى، لكن أسباب موقف روسيا العنيد لم يتم تفسيرها بشكل وافٍ من قبل موسكو أو منتقديها.

ظهر التوتر الأخير بين واشنطن وروسيا بشأن سوريا في اللقاء الذي تمّ وجهاً لوجه بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. قبل ذلك بأسبوع، وصفت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تأكيد روسيا أنها باعت أسلحة دفاعية فقط إلى دمشق بأنه "غير صحيح البتة". كان ذلك بعد اتهام كلينتون لروسيا بشحن طائرات هليكوبتر هجومية لسوريا لسحق المعارضة، وهو اتهام استنكرته موسكو. وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية بعد ذلك أن روسيا كانت تعيد مروحيات تم إصلاحها و بيعها لسوريا منذ عقود مضت.

دوافع تثير التكهنات

في شهر فبراير الماضي، استخدمت سوزان رايس المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، لغة غير دبلوماسية شديدة اللهجة بالقول إنه كان أمراً مثيراً "للاشمئزاز" أن تستخدم روسيا حق النقض ضد قرار مجلس الأمن الذي كان يفترض أن يدين الحملة السورية. يبدو الحديث المتشدد كان يستهدف إحراج روسيا، خصوصاً بعد التصعيد الأخير في القتال وسلسلة المجازر المروعة التي يلقى باللوم فيها على عميل لموسكو.

لكن حتى الآن، فإن دوافع روسيا للدفاع عن دمشق بقيت إلى حد كبير مثاراً للتكهنات، في ظل عدم رغبة وسائل الإعلام الأميركية، على ما يبدو، للتنقيب فيها.

يقول المسؤولون الروس إن موقفهم يستند على المعارضة الشديدة لتغيير النظام، خاصة إذا ما تم ذلك عن طريق التدخل العسكري الغربي، كما حدث في ليبيا. دعم موسكو للنظام السوري لم يتغير، على الرغم من أنها تراجعت في الآونة الأخيرة عن تأييد الرئيس السوري بشار الأسد.

يستشهد المحللون بصورة روتينية بثلاثة أسباب إضافية لسياسة موسكو في سوريا، وهي ملايين الدولارات في روسيا سنويا يتم الحصول عليها من خلال مبيعات الأسلحة القانونية لسوريا، وحصول البحرية الروسية على حق الوصول إلى ميناء طرطوس على الساحل السوري المطل على البحر المتوسط ورغبة موسكو في الحفاظ على حليفتها القديمة في منطقة الشرق الأوسط.

صورة أكثر وضوحاً

لكن صورة أكثر وضوحا لموقف روسيا تظهر في بؤرة الاهتمام عندما توضع في سياق الصراع لمدة 30 عاما من جانب موسكو ضد التربص بمناطق نفوذها من قبل المتطرفين.

فقد فتح الدعم في أوقات معينة لهذه الجماعات من قبل الولايات المتحدة ودول أخرى المجال لنشوب صراع امتد لثلاثة عقود مع روسيا والذي بدأ في أفغانستان، و امتد إلى جميع أنحاء شمال القوقاز إلى البلقان والآن في سوريا.

تعارض روسيا تغيير النظام في سوريا، ليس من حيث المبدأ فحسب، ولكن بسبب أن النظام الجديد المحتمل ستقوده حكومة إسلامية معادية للمصالح الروسية، حسبما يرى محللون ودبلوماسيون.

قال دبلوماسي غربي رفيع المستوى، رفض الكشف عن هويته نظراً للتوتر في العلاقات الغربية الروسية حالياً" "تستطيع الحديث عن مبيعات الأسلحة والميناء، لكن الشيء الحقيقي الذي يثير قلق روسيا هو وصول حكومة إسلامية إلى السلطة في سوريا".

يقول مارك غاليوتي، الذي يرأس مركز الشؤون الدولية في جامعة نيويورك: "من الواضح أن روسيا تشعر بالقلق إزاء الأنظمة الإسلامية، وربما الأهم من ذلك كله أنها تشعر بالرعب من الفوضى"، مشيراً إلى أن الفوضى والاضطراب في منطقة الشرق الأوسط يحفزان صعود التطرف الديني. وأضاف: "روسيا تشعر بأن الغرب لا يعرف كيفية التعامل مع تغيير النظام، وأن النتيجة في كل الأحوال تقريباً هي هذا النوع من الفوضى التي تسفر عن صعود حركات دينية متطرفة".

مخاوف من الانفجار

وتعتبر جماعة الاخوان المسلمين العضو المهيمن في المعارضة في سوريا، كونها تم قمعها على مدار 40 عاما من قبل الرئيس بشار الأسد، ووالده من قبله الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. يقول الدبلوماسي الغربي إن الخلاف بين صفوف المعارضة السورية ينشأ، إلى حد كبير، بسبب الخلافات بين الاخوان المسلمين وجماعات ليبرالية علمانية. وقد أضاف ظهور الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة والمسؤولة عن عدة تفجيرات بعداً تهديدياً.

وقال غاليوتي: "هناك شعور عام في موسكو أنه إذا سقطت سوريا في أيدي المتطرفين فإن منطقة الشرق الأوسط برمتها يمكن أن تنفجر، وهو أمر مصدر قلق أمني بالنسبة للروس".

و يقول محللون إن واضعي السياسات في واشنطن يوظفون بالطريقة نفسها سياسة خارجية قصيرة الأجل والتي تأتي فيما بعد لتلاحقهم. من وجهة نظر الإسلاميين، فإن من الصعب رفض الأسلحة الأميركية والتمويل عندما تتم مواءمة السياسات، ومن ثم تنفيذ جدول أعمالهم بمجرد أن تتم مساعدتهم للاستيلاء على السلطة.

يقول علي الأحمد، مدير معهد شؤون الخليج في واشنطن: "لقد كانت أفغانستان، في ظل النظام الموالي لموسكو، حكومة علمانية، حيث لم تكن المرأة تجبر على ارتداء الحجاب، ومنحت حق التصويت، نعم كانت دكتاتورية، ولكن الولايات المتحدة ساعدت في الإطاحة بها، و وإحلال نظام عقائدي محلّها دمّر أفغانستان".

 

جذور الصراع

 

يمتد صراع روسيا مع التطرف بجذوره إلى الصراع مع الأفغان بين عامي 1979-1989، التي فشل خلالها الاتحاد السوفيتي السابق في نهاية المطاف رغم امتلاكه طائرات هليكوبتر حربية وقوات برية في إلحاق الهزيمة بالمتشددين الذين كانت لديهم الأموال والأسلحة و الاستخبارات من واشنطن وإسلام آباد ودول أخرى. وجاءت صواريخ ستينغر الأميركية المحمولة على الكتف لتجسّد الصراع حيث كانت تسقط المروحيات السوفيتية، وتبعدها عن سماء أفغانستان.

وانسحبت القوات الروسية منهزمة في فبراير عام 1989. وانهار الاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1991، حيث أشار المحللون إلى كارثة الحرب الأفغانية كسبب أساسي. ومن رحم الحرب برزت شبكة القاعدة التي أسسها أسامة بن لادن ، والذي جاء فيما بعد ليلحق الدمار برعاته السابقين.

طباعة Email