أوكار للجريمة في ظروف حياتية أليمة

سكان «العشش» في مصر . . أمواتٌ على قيد الحياة

صورة

تشبه العُلب في تقسيماتها، لا تتعدى مساحتها المتر ونصف المتر، أو مترين طولًا وعرضًا، لا يملك أصحابها أي خيار سوى الخشب أو الصفيح لبنائها، يقطن فيها رجالٌ عاجزون عن توفير لقمة العيش، ونساء راضيات بأمر الله، وأطفال يبحثون بين أكوام القمامة عن المستقبل، وعواجيز ينتظرون الموت في أي لحظة؛ كي يرفق بهم من الحال المزري الذي يقلب عليهم المواجع

أولئك بشر يغرقون في البؤس، وتقذف بهم قسوة الحياة إلى أعماق سحيقة من الفقر والمعاناة بلا نهاية ، فلا مستشفيات تعالجهم إذا مرضوا، أو مدارس تعلم أبناءهم ، أو صرف صحي آدمي، أو حتى مياه شرب نظيفة، لا يجدون سوى حيوانات ضالة تشاركهم حياتهم، وأكوام قمامة تحيط بهم من كل اتجاه وتفرز أطنانا من القذارة ؛ وفي احيان كثيرة تكون المأوى للبحث عن غذاء قذف به الأثرياء، ودمى لتفرح أطفالهم. انهم يفتقدون المعنى الحقيقي لحياة "البشر"، ليتحولوا الى أموات محسوبين على الأحياء.

إنها مأساة سكان "العشش" في مصر، ممن يحيون حياة مريرة تتلخص جميع أحلامهم في هذه الحياة بايجاد غرفة واحدة علها تأويهم، وهي التي لاتزال تمثل أحد أهم الظواهر الكارثية في مجتمعات عبرت بوابة القرن الحادي والعشرين منذ سنوات عِدة.

وقد استيقظت القاهرة مؤخرا على "كارثة كبرى"، إذ تسبب انفجار باسطوانة بوتغاز في واحدة من تلك "العشش" في انهيار احد الكباري التي كانت العشش بأسفلها، ما دفع الحكومة لإخلاء المنطقة منها فورًا.

كارثة حقيقية

أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر دكتورة سامية الجندي تؤكد لـ"البيان" وجود عددٍ من الدراسات الحديثة التي أجريت عن مساكن العشش وآثارها الاجتماعية والنفسية،فهي ظاهرة تمثل كارثة حقيقية تهدد أي مجتمع، ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين ،وهناك الآلاف يسكنون العشش على مستوى جميع المحافظات.

وبشكل عام فإن هذا المناخ غالبًا ما يُفرز أفرادًا غير سويين نفسيًا واجتماعيًا، فهم دائمًا في معاناة، بحثا عن أدنى متطلبات الحياة الإنسانية، من مأكل ومشرب وملبس وتعليم وصحة، واتضح أنه بؤرة للجريمة بكل ألوانها.

حيث يتفشى الجهل وتسود الأمية، وتتوطن فيها شرائح خارجة على القانون،لتصبح مصدرًا للعنف والإرهاب، ما يتطلب من مؤسسات الدولة بذل الكثير من الجهود للقضاء على الظاهرة، وإزالة العشش، وتوفير مساكن بديلة ولو بمقابل رمزي ودون أجر لمعدومي الدخل، و سبق أن طالبنا بالقضاء على الظاهرة، والتي تمثل عبئا على المجتمع، وضرورة توفير مساكن على مستوى صحي واجتماعي مناسب.

تفاقم الظاهرة

ويوضح استشاري الطب النفسي دكتورجمال فرويز لـ"البيان" أن الظاهرة للأسف باتت قنبلة موقوتة، حيث تفاقمت بشكل كبير في القاهرة والمحافظات الأخرى خلال السنوات الأخيرة، ومع ذلك لم تجد الحل الحاسم حتى الآن، فهي بيئة غالبًا ما تفرز عناصر تدمي خاصرة المجتمع.

وكارهة لكل الأفراد من حولها وناقمة عليهم، وبالنظر إلى انتشار العشوائيات في القاهرة، نجدها دائمًا ما توجد على حدود المناطق الراقية، وذلك ما يخلق أزمة نفسية حقيقية لسكان تلك العشش عند مقارنة أحوالهم ومعيشتهم مع علية القوم من أصحاب النفوذ والجاه والأرصدة المتضخمة في المصارف وهم تغرقهم مياه الصرف والبالوعات، فتزداد معدلات الجريمة، وتنتشر اللامبالاة والسلبية والسرقة والإدمان والانحراف.

ونتيجة للتكدس السكاني في هذه المناطق، وعدم توفر بدائل سكنية أخرى، مع ارتفاع نسبة معدومي الدخل، يلجأون إلى الزواج من أقاربهم من الموجودين معهم بالمنطقة في الغرفة نفسها التي تكتظ بكثيرين غيرهم، وقد أسهم في انتشار ظاهرة زنا المحارم، وكذلك ترتفع بينهم نسبة الطلاق التي تكاد تصل إلى 90% من الحالات السنوية.

 ورغم كل ذلك فاللأسف الحلول معروفة وهي مطروحة منذ سنوات عِدة ، الا انها لاتزال بعيدة عن حيز التطبيق والتنفيذ، ونحن بحاجة ماسة إلى مواقف حازمة ومعالجات حاسمة لتوفير السكن البديل ، وإزالة بؤرة تقلق مضاجع المجتمع وتشوه الصورة العامة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات