«الجمّيزة».. قصة بيروت العتيقة تحت ركام «النكبة» مجدداً

بالأمس القريب، كان شارع الجمّيزة «العتيق»، صاحب الطابع التراثي وبأمسياته التي «لا تنام»، يروي حكاية شارع فريد، تشير هويته إلى أنّه من أقدم الشوارع في وسط بيروت، التي لطالما برعت في إعادة صوْغ البدايات، والأكثر شبهاً بها، وشاهد على متغيّراتها كلّها في الأزمان الغابرة، والذي يوازي اسمه شوارع: «سوهو» في لندن، «شانزيليزيه» في باريس، و«فيا فنيتو» في روما.

بيوت قديمة، وأخرى تراثيّة «هاربة» من فورة العمران العشوائي، بقناطرها الثلاثيّة، وأسقفها القرميديّة الحمراء، بأبوابها العتيقة، ونوافذها الخشبيّة المهترئة، وتلك المجدّدة، بشرفاتها المستديرة، بأزقّتها المظلّلة بالأشجار.. كلّها، كانت تواجه من يتأمّلها بتفاصيل تشير إلى معانٍ خفيّة ويوميّات، تتحرّك على إيقاع الناس وأنغامهم الشخصيّة، في شارع تلوَّن وتوسَّع وتوافد إليه أناس جدد، إلا أنّه بقي مصرّاً على البقاء في إطاره الأصلي، الذي يعود إلى أكثر من مئة عام، وخشيته الأولى من الزمن.

وما بين الأمس واليوم، تبدّل المشهد، بفعْل عصْف الانفجار في المرفأ، الذي يبعد عن تلك المنطقة بضعة كيلو مترات، تماماً كما في الأفلام التي ترسم مشهد نهاية الكون، ذلك أن الغيمة التي تلوّنت سريعاً، من حمراء إلى سوداء إلى رماد سامّ، في سماء مرفأ بيروت، بدت صورة مستعادة من أفلام الحروب في سماء «الجمّيزة».. هزّة أرضيّة، فعصْف، ثم غبار أخفى للحظات حجم الكارثة، قبل أن يجد أهالي الجمّيزة أنفسهم، فجأة، أمام الصورة كاملةً، صورة الانهيار الكبير، الذي أصاب شارعهم. دمار كبير وخسائر لا تُقدّر حلت به، في بلد لم تعد تُحصى نكباته.

الزجاج في كلّ مكان، والصراخ أيضاً، إذ لم ينجُ مبنى من التحطيم والتدمير. الركام يفترش الأرصفة، والكلّ يركض، إذ لا وقت لقاطني المحلّة وأصحاب المطاعم والملاهي فيها لإطلاق التحليلات، وهم يلملمون جنى أعمارهم، بعضهم أمضى الليل كلّه في رفع الأنقاض والحطام، وبعضهم الآخر جلس عاثراً متحسّراً أمام محلّه يحدّق في الخراب، فيما ثمّة من افترش ركام منزله. وفي الخلفيّة مشادّات متنقّلة، دخان، صراخ، بكاء، غضب، حطام، ظلمة، ودماء لم تجفّ بعد.

سيارات تفحمت، وأخرى تحطّمت تحت أنقاض الشرفات التي تساقطت من المباني.. صفّارات الإنذار تدوّي باستمرار، قبل أن تصبح غير مسموعة، وكأنّها تماهت مع الضجيج الذي لفّ وسط العاصمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات