السلام في السودان «قاب قوسين»

طالما مثّل السلام حلماً راود خيالات ملايين السودانيين طوال عقود، وأمنية عصية على التنزّل إلى أرض الواقع في الوقت نفسه، فقبل أن يعلن السودان الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، تفجّر أول تمرّد في عام 1955 في جنوبي البلاد والذي دخل في هدنة عشر سنوات خلال عقد السبعينيات يتفجّر بعدها أكثر ضراوة في عام 1983 كلّف البلاد ملايين الأرواح وانتهى باتفاق سلام تاريخي في عام 2005 أدى إلى انفصال الجنوب في آخر المطاف، إلّا أنّ تمرداً آخر تفجّر قبل نهاية الأول، إذ تفجّرت الأوضاع في إقليم دارفور غربي البلاد بشكل عاصف في عام 2002 ودارت معارك ضارية بين الحكومة والمتمردين استمرت سنوات طوالاً أودت بحياة مئات الآلاف وشردت الملايين.

طوى السودان فصل الحرب في الجنوب إلّا أنّ حروباً أخرى اشتعلت في مناطق أخرى وأبرزها في ولاية النيل الأزرق وجنوبي كردفان، فيما لم تثمر عشرات جولات المفاوضات بين الخرطوم والمتمردين وقف الحرب، ففيما كانت تصر الحكومة السودانية حينها على عقد اتفاقات شكلية لا تؤدي إلى تغيير حقيقي، بل مجرد تغييرات شكلية وتقاسم مناصب، كما يتهمها منتقدوها، لم ترَ حكومة البشير في منازعيها سوى عملاء للخارج.

ذهب البشير ونظامه في تحوّل تاريخي مهد الطريق أمام مرحلة انتقال كان السلام أحد أبرز متطلباتها الأساسية، وهو الأمر الذي عملت الحكومة الانتقالية ومنذ مجيئها على التوصّل إليه لقناعتها بأن لا تنمية ولا تقدّم من دون تحقيق سلام عادل وشامل يسكت أصوات البنادق إلى غير رجعة، ويمهد الطريق أمام تنمية متوازنة في كل مناطق البلاد، ومشاركة كل أبناء السودان حكمه وتقرير مصيره.

دخلت الحكومة الانتقالية في مفاوضات سلام مع حركات الكفاح المسلّح منذ أن تولت مقاليد الأمور، فيما اتخذت من جنوب السودان مقراً للتفاوض، إلّا أنّ هذه المفاوضات كانت مختلفة عما سبقها من تفاوض في عهد النظام السباق، فالإرادة تبدو قوية والتصميم أكبر على طي صفحة الحرب والانطلاق نحو التنمية والبناء.

يبدو السلام في السودان أقرب من أي وقت مضى، بعد التوافق على القضايا العالقة، والإصرار على تجاوز العقبات، وتجاوز هذا الواقع إلى آفاق السلام الذي يجمع أبناء السودان في خندق واحد، لتتفجّر بعدها قدرات بلد عملاق أقعدته الحرب عقوداً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات