الطبلاوي.. صوت سكن السماء

ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، من هذا تتضح لنا الكرامة التي يؤتيها الله لحامل كتابه الكريم، الذي يتلوه ويعلمه، والمكانة التي تنتظره في اليوم الآخر، والتي حددها حديث آخر قال فيه صلى الله عليه وسلم: "يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ : اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ ، كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا".

لم تغب هذه الأحاديث عن ذهن والد الشيخ محمد محمود الطبلاوي وهو يرسله إلى الكتاب في قريته الصغيرة ميت عقبة، النائمة في سلام على ضفاف النيل، وهو في الرابعة من عمره (ولد في 14 نوفمبر 1934م)، فلم يتم العاشرة إلا وقد أتم حفظ  القرآن كاملاً.. ولم تنقطع صلاته بالكتاب بعد ذلك، حيث حافظ على التردد عليه تثبيتاً لحفظه.

بزغ نجم الشيخ الطبلاوي وبدأ العمل قارئاً في مناسبات العامة، قبل بلوغه الخامسة عشر من عمره، مقابل جنيهات قليلة.

تميز الطبلاوي إضافة إلى صوته الفخم القوي، بإرادة حديدية، حيث تقدم للإذاعة تسع مرات قبل أن يتم اعتماده رسمياً، في المرة العاشرة، ليصبح أكثر القراء تقدماً لامتحان الالتحاق بالإذاعة.

ذاع صيت الشيخ في منتصف السبعينيات، وطبقت شهرته الآفاق، حيث تهادت قراءاته عبر الأثير لتجوب العالم، جاذبة عشاق الأصوات السماوية من كل الأقطار الإسلامية.

وكانت للطبلاوي، زيارات عديدة للمملكة العربية السعودية حل خلالها ضيفا على مجلس عدد من الملوك والأمراء السعوديين والخليجيين، وأطلقوا عليه لقب «أيوب المقرئين» فاحتل مقدمة القراء على مدى سنوات طويلة، قبل أن يعتزل القراءة إثر بلوغه 84 عاماً.

سجل الطبلاوى القرآن كاملاً، مجوداً ومرتلاً، وزار أكثر من 80 دولة عربية وإسلامية وأجنبية.

تم تعيين الطبلاوي شيخاً لعموم المقارئ المصرية، وعضواً بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعضواً بلجنة القرآن، ومستشاراً دينياً بوزارة الأوقاف.

ارتقى الشيخ الطبلاوي إلى جوار ربه، ليسكن السماء، تاركاً إرثاً يمتد على مدى ستين عاماً من التلاوة العطرة للقرآن الكريم، لكن صوته باق يحوم في سماوات كتاب الله، يفتح مغاليق النفوس، ويزيح ركام الهموم، يستجلب المشاعر عند كل آية بما يوافقها، ففي الوعيد يرتجف صوته وفي الوعد يتهلل كأنه يبتسم.. فرحم الله درة برقت في تاج المقرئين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات