علي.. ردد الشهادة وارتقى من ساحة التظاهر

مؤلمة ومليئة بالهموم تلك الأعمال التي يقوم بها «المسعفون» من أطباء ومتطوعين في ساحات التظاهر والاعتصام، بل هي الأقسى على من يقومون بها، وتتطلب أعصاباً فولاذيةً.

علي، إصابته شديدة وخطرة، نتيجة انفجار قنبلة غاز أصابت صدره بشكل مباشر. «المسعفة» تضغط على مكان الجرح، وهي تبكي، وزملاؤها يراقبون الموقف بوجوم، فالإصابة قاتلة، يبدو أنهم ترصدوه لنشاطه الملحوظ، وأطلقوا القذيفة عليه كهدف، وليس لغرض إسالة دموع بقية المتظاهرين.

المتظاهر «علي» يطلب من المسعفة ألا تضغط على مكان الإصابة، فذلك يزيد من آلامه، ولكنها تجيبه بصوت مخنوق «ردد الشهادة يا علي».

علي بين صحوة وموت، وهي تأخذ يده، وترفع له إصبع الشهادة، يقبّل يدها، يقول لها بهمس «أنت عظيمة» ليفطر قلبها ألماً، وتجيبه «أنت أيضاً عظيم يا علي»... فيردد الشهادة، ويسألها «كم بقي على موتي؟».

ترد المسعفة «إنك لن تموت إن شاء الله».

ويبرق في خاطرها ذلك الفتى النشط، الذي لا يتقاعس عن أي عمل يكلف به، وهو يتنقل بخفة بين ساحتي الخلاني والحرية وجسر السنك، كان مثالاً في الأخلاق والتفاني و«المجازفة»، ومعروفاً في أدائه المتميز بين المتظاهرين، وكان أحياناً يحمل أثقالاً تكاد تكون أكثر من وزنه، وينطلق عند الحاجة لنقل التعليمات والردود بين ساحات التظاهر، وكانت آخر مهمة له، ليل الجمعة، في ساحة الخلاني، عندما انسحبت قوات الشغب، ودخل الغرباء الملثمون، بأسلحتهم الحاقدة.

قال علي بصوت خفيض، هل تعلمين لماذا خرجت إلى ساحة التحرير، وأنا في السادسة عشرة من عمري؟ خرجت لأثبت أنني رجل، وليس ذلك الصبي المدلل، وأن أصدقائي رجال. لقد استشهد قبلي عثمان ومصطفى، والآن أراهم معي في سيارة الإسعاف، وهم يضحكون.

تقول المسعفة: هكذا هم شباب وفتية العراق، يتبارون لنصرة وطنهم وحقوقهم فيه، وينعتون من لا يلتحق مع المتظاهرين بالتخاذل والجبن، وذلك ليس من شيمة العراقيين.

ويختم «علي» حياته بالاعتذار «أنتم قولوا لأمي إنني شهيد، فأنا أستحي منها، لأنني وحيدها، وتركتها وحدها».

وخرجت روحه الطاهرة، وحلق مع عثمان ومصطفى، ليصبحوا ثلاث نجمات تضيء في سماء العراق الذي أحبوه وقضوا من أجله، وازدادوا تألقاً وبريقاً كلما سمعوا نشيد «موطني.. موطني».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات