جدلية الانتحار تتفاعل في حراك لبنان

«كم انتحار بدكن بعد؟»، و«كيف ما انتحر بعد يلّلي تسبّب بالانتحار؟».. سؤالان طُرِحا على لافتات رُفعت في يوميات الحراك اللبنانيّ، المستمرّ منذ 17 أكتوبر الماضي، ليأتي الجواب من المحتجين أنفسهم، ومفاده أنّ «الانتحار ليس قدر شعب كامل، بل قدر زعماء فاسدين». هكذا تعلّمت الناشطة ربى من «ثورات الشعوب»، فاختارت أن ترفع لافتة خطّت عليها عبارة: «لو الحقّ إلو إجرين، كان دعس ع راس كلّ المسؤولين الفاسدين».

والسؤالان لم يأتيا من العدم، بل اقتضاهما فعل قصص الانتحار، التي امتدّت مؤخراً من منطقة عرسال في البقاع الشمالي إلى بلدة سفينة الدريب في عكار، مروراً بمحلّة النبعة في بيروت.

فبعد ناجي الفليطي، جاء دور داني أبي حيدر وأنطونيو طنّوس.. الثلاثة اختاروا أن يعرّوا فقرهم أمام الملأ، فرحلوا مدركين أنّ موتهم ما هو إلا موت أصمّ، بالكاد يُنشر كخبر عرضي في وسائل الإعلام. هم في نظر العلم «مرضى نفسيّون»، وفي نظر الشرائع السماويّة «ضعيفو الإيمان». والنتيجة واحدة: حياة تعطّلت، خلّفت يتامى وضجّت بصرخات عائلات.

نظرة المجتمع

أما المحتجون فلم ينبذوهم من مجتمع ينظر إلى الانتحار على أنه جريمة، وإلى من يُقدِم عليه على أنه «كافر أو مجنون»، فكرّموهم في وقفات احتجاجيّة غاضبة تحت شعار «علينا أن نحرق السلطة ولا ننتحر» وصنّفوهم في لوائح «ضحايا السلطة»، بعيداً عن لغة الأرقام. وذلك، على وقْع ازدياد الخشية من أن «يتحوّل شهداء الأزمات الاقتصادية والمالية إلى مجرد أرقام، تُحصيهم وسائل الإعلام، وتقدّم الأجهزة الأمنيّة إفادات بالتحقيقات عنهم، من غير أن يتحرّك اللبنانيون لإنقاذ شعب يدفع ثمن سلطة أمعنت في الاستحواذ على مقدّرات البلد وتركت الفقراء يصارعون الموت، بقرارهم أو غصباً عنهم، لا فرق»، وفق تعبير سهى، إحدى المشاركات في الوقفات الاحتجاجيّة لـ«البيان»، والتي أشارت إلى أنّه من الإجحاف حصر موضوع حالات الانتحار في الموضوع النفسي البحتّ، وفصله عن الإفقار والعنف الممنهج من السلطة.

ثلاث صور

وفي انتظار الأجوبة المرتبطة بهذه القضيّة، لا يزال المشهد يضجّ بثلاث صور متلاحقة: الصورة الأولى، هي لناجي الأربعيني، العاطل عن العمل والأب لطفلين، لم يستطع تأمين 1000 ليرة لبنانية يعطيها لابنته ثمن «منقوشة» لتذهب إلى المدرسة. علّق نفسه على حبل وتدلّى منه، وأنهى هذا الكابوس إلى غير رجعة، تاركاً زوجته مريضة العضال، على جدول ديونه في دكّان الحيّ ما يقارب الـ200 ألف ليرة، لمواد أبسط ما يُقال عنها إنّها أساسيّة: خبز، طحين، زيت، سكر، أرز، برغل، وملح.. والصورة الثانية هي لأنطونيو، عنصر في قوى الأمن الداخلي، أطلق النار على نفسه وانتحر حسب التقديرات الأوليّة. هو في السلك العسكري، والحصول على كامل تفاصيل الرواية صعب، كما أنّ أهله ممنوعون من الكلام قبل صدور بيان رسمي عن القوى الأمنيّة. لكنّ قصّته قد لن تكون بعيدة عن الواقع، بل ستتماشى مع السياق، أي اليأس من الأحوال.. أما الصورة الثالثة فهي لأمّ تبكي ابنها داني في «النبعة».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات