فلسطين .. «يوسف» بلا أطراف يطير نحو المستقبل والحياة

بكتفيه يمسك الشاب يوسف هاتفه الخلوي، ويتصفح مواقع التواصل الاجتماعي كل يوم، ويجري اتصالاته على هاتفه الخلوي من خلال إدخال الأرقام بشفتيه، ويضع الهاتف بعد الانتهاء من الاتصال على كرسيه المتحرك.

لم تقف أطرافه المبتورة حاجزاً أمام حياته ومستقبله، بل كانت دافعاً له ليطير نحو الأمل بجسده الصغير، الذي ولد به بلا أطرافه الأربعة، حتى حقق نجاحه بوصوله إلى المرحلة الجامعية، مسجلاً نجاحاً باهراً في تخصصه، في بلد يفتقد للإمكانات الملائمة للمعاقين.

الشاب يوسف أبو عميرة (23 عاماً) من مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، ولد بلا أطراف، لكن الله عوضه بنعمة العقل، الذي ساعده في تخطي كل العقبات أمامه، رغم الصعوبات التي واجهته في بداية حياته، بعدما وجد نفسه عاجزاً عن اللعب مع أطفال جيله في الحي الذي يسكنه، لكن أسرته ساعدته في تخطي هذه العقبة، وأعطته الدعم اللازم، ولم يشعروه يوماً من الأيام بأنه معاق، بل أعطوه الثقة ليشعر بأنه إنسان كامل الأطراف.

بكى يوسف ثم بكى لوالدته في كل مرة يعود فيها من الشارع من نظرة الناس له، لكنها كانت تخفف عنه، وأعطته القوة ليكون مثلهم تماماً في ممارسة حياته، لإكمال المشوار منذ طفولته.

التعليم

وبنعمة العقل وقوة الصبر لدى يوسف، ألهمه الله أن يمسك القلم منذ طفولته ويبدأ بالكتابة، وعندما شاهدته والدته يكتب في طفولته بدون يدين، ممسكاً القلم بأكتافه، طرحت على والده إلحاقه في المدرسة، وكان له ذلك، وبدأت بتعليمه الكتابة بعدما عجز عن الكتابة في بداية مرحلته الدراسية مثل باقي الطلبة، لكنها استعانت بجارتهم التي تدرس معه في نفس الفصل، وأصبحت تواكب مسيرته التعليمية من داخل البيت.

أنهى يوسف مرحلته الابتدائية والإعدادية والثانوية بمعدل 90 بالمائة، والتحق في الدراسة الجامعية بتخصص الشريعة والقانون، وحصل حتى الآن على معدل 93 بالمائة.

ومن المهارات التي يتقنها يوسف بدون مساعدة أحد، التحرك في المنزل بدون الاعتماد على أحد، والصعود والنزول على درجات سلم بيته وصولاً للطابق الثاني، متخطياً 50 درجة، معتبراً هذه أكبر معضلة تشعره بالتعب، ويأكل ويشرب وحده، ولا يحتاج مساعدة والدته إلا قليلاً جداً بنسبة لا تتعدى 20 بالمائة.

ومن جديد أتقن يوسف مهارة السباحة، بعدما عثر على المدرب ماهر أبو مرزوق مدير مدرسة s.d.r، الذي أشرف على تعليمه السباحة، وحصل على دورة مجانية، بعدما وجد في يوسف كنزاً من الكنوز المدفونة في قطاع غزة، وقام بإظهارها للعالم، وأتقن السباحات الأربع: الحرة، والفراشة، والضفدع، والظهر، وينوي الالتحاق بدورة كاراتيه.

وعن المعوقات التي تقف في وجه يوسف، قال لـ«البيان»: «أكبر عائق يقف في وجهي هي درجات السلالم في بيتي، ويوجد في بيتي مصعد كهربائي، لكن الكهرباء غير متوفرة على مدار الساعة في قطاع غزة نتيجة الحصار المفروض، والكرسي المتحرك الخاص بي يحتاج إلى تجديد البطاريات كل فترة.

كما أن السائقين يرفضون نقلي للأماكن التي أحتاجها، وقد اضطر للوقوف بعض الأوقات إلى أكثر من نصف ساعة لأعثر على سائق يساعدني في الصعود والنزول من سيارته».

حياة

ويبدأ يوسف يومه بصلاة الفجر، والتجهيز للتوجه للجامعة، ثم العودة إلى البيت، ومراجعة الدروس، وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بعدها النوم.

وكتب يوسف رسالته إلى شباب العالم بخط يديه، قائلاً فيها: «لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة»، معتبراً نفسه قصة كفاح وصمود في حياته.

%2.1

تشير الإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني ضمن «تقرير المرأة والرجل في فلسطين: قضايا وإحصاءات 2018» إلى أن نسبة الإعاقة تصل لنحو 2.1% على مستوى الأراضي الفلسطينية، وترتفع في أوساط الذكور مقارنة بالنساء وترتفع في قطاع غزة مقارنة بالضفة الغربية.

ويؤكد أسامة السلوادي وهو مصور صحفي وصاحب إعاقة حركية تسببت بها طلقة طائشة خلال فعالية وسط رام الله عام 2006 أن ذوي الإعاقة في المجتمع يفتقرون لأبسط الاحتياجات الإنسانية.

ومن أهمها عدم مواءمة الأماكن لحركة هذه الفئة، ما يشكل عائقاً كبيراً أمامهم لممارسة حياتهم اليومية الطبيعية كباقي أفراد المجتمع، خاصة عند احتياج هذه الفئة لمراجعة بعض المؤسسات الرسمية لتخليص أوراق معينة، وهنا يشير السلوادي إلى أهمية دور نقابة المهندسين في هذا الجانب نظرا لاختصاصها بمنح التراخيص لمبان غير موائمة لذوي الإعاقه. غزة-البيان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات