قصة خبرية

«أبو وحيد».. شرّده قصف الاحتلال فحوّل خيمته إلى مكتبة!

صلاح الجوجو

لم يكن حال صلاح الجوجو(أبو وحيد)، يختلف عن غيره من فئة كبيرة من سكان قطاع غزة، لا سيما ممن فقدوا المأوى ويعيشون في خيام، إلا أن ما ميزه عن غيره هو تحويله خيمته، التي تؤويه منذ 11 عاماً إلى مكتبة زاخرة بالكتب التي يجمعها يومياً من حاويات القمامة. أطلق صلاح على نفسه اسم «أبو وحيد»، بعدما عاش وحيداً حتى تخطى سن الـ 56 دون زواج، ودون أخ أو أخت أو حتى منزل يؤويه، وبات ينام ويصحو على أرصفة الشوارع.

إن كل أصحاب المحال والباعة وسط غزة يعرفون صلاح بطيبته وحبه واحترامه للجميع، حتى مع الحيوانات التي تركت الأراضي الزراعية، وجاءت لتعيش بجانبه وسط الازدحام السكاني. يستقبل الجميع ويحبهم، فرغم أنه مشرد ويعيش بخيمة في الشارع، إلا أن بعض أصدقائه وزواره من الطبقات المثقفة في المجتمع والأطباء، إذ أقبلوا عليه وعلى قراءة ما جمع من كتب، وهو مرحب بتسليط الضوء على تحويله الخيمة إلى مكتبه، ويرفض تسليط الضوء على حياته كقصة إنسانية.

بدأت حكاية «أبو وحيد» قبل عشر سنوات، عندما توجه في ليلة شديدة البرودة إلى حاويات القمامة لجمع الأوراق والأخشاب، عله يجد فيها الدفء المفقود في خيمته، ليكتشف أن العديد من الكتب قيمة، ويقرر حينها ترميمها والحفاظ عليها وقراءتها، ليكون ذلك دافعاً له للانطلاق في جمع الكتب وقراءتها، والتمعن في أسطرها، حتى حولته من مشرد إلى مثقف.

لم يقتصر جمع الكتب على نقلها للخيمة، بل تخللها عملية ترميم للكتب بإلصاق الأوراق الممزقة، وإعادة الكتب إلى هيئتها الجميلة، ثم البدء في قراءتها، ثم تزيين الخيمة فيها بشكل منظم، حتى بدأت تتكاثر يوماً بعد آخر.

صديق الشوارع

يعيش أبو وحيد في الشارع منذ العام 2008، بعدما هدمت قوات الاحتلال منزله في أول عدوان على القطاع، فذهب بيته واستشهد أقاربه، فلم يجد بديلاً عن قارعة الطريق، وأزقة الشوارع للنوم، بعد تجوله في النهار في شوارع المدينة بحثاً عن مصدر دخل، عمل أحياناً في نقل البضائع لأصحاب المحلات، حتى عاش عشر سنوات على هذا الحال.

اختلس أبو وحيد من وقته في كثير من الأحيان لحظات للراحة ليقرأ بعض الأوراق المتناثرة هنا وهناك، واتجه لتوسيع دائرة ثقافته وتغذيتها بالكتب الملقاة في حاويات القمامة، حتى أصبحت الحاويات مكانه المفضل للبحث عن الكتب فيها. يقول أبو وحيد: «أطلقت مبادرة للحفاظ على الكتب والروايات القديمة، بعدما كنت أقرأ الكتب لأصحاب المحلات المجاورة لي، وألاحظ إعجابهم بها، فبدأت رحلتي للبحث عن الكنز الفكري والثقافي في مكبات النفايات، حتى أضافت تغيراً جميلاً على حياتي، وأصبحت خيمتي مكتبة تحتوي على كتب نادرة».

لا تتعدى خيمة أبو وحيد أمتاراً قليلة من ألواح الصفيح والأخشاب، لكن ما بداخلها من كتب يعود إلى عصور وأزمان لم يعشها أي مواطن في القطاع، حتى أصبح أبو وحيد مولعاً بمعرفة التاريخ القديم، بعدما ترك المدرسة من الصف الثالث الإعدادي. وأضاف أبو وحيد: «لم أجد أجمل من مكتبة الحاويات، فكل ما تشتهيه نفسك لقراءته تجده متناثراً هناك».

شغف القراءة

ويرجع ولع أبو وحيد للقراءة إلى شغفه الكبير ومنذ نعومة أظفاره بقاعات السينما التي اندثرت عن ساحة غزة الثقافية، وأغلقت جميعها، فأغلقت الثقافة والقراءة من حياته من يومها حتى ما قبل سنوات قليلة، عاد لها ولكن وحيداً مشرداً في شوارع غزة، مصاباً بمرض الزهايمر، الذي يحاول القضاء عليه بالقراءة. يضيف أبو وحيد: «لن نرفع رأسنا، طالما شبابنا على الإنترنت ينشرون صورهم ويلقون بكتبهم في الحاويات». إن جمال روح أبو وحيد جعل الحيوانات تعيش معه داخل خيمته، إذ تتجمع حوله القطط والكلاب لتتناول طعامها الذي جمعه لها من الحاويات والطرقات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات