مخيمات اللجوء.. النكبة وشهودها

أطفال يلعبون في مخيم الأمعري قرب رام الله

(70) عاماً، وعشرات المخيمات الفلسطينية، ما زالت شاهدة على هول ما حدث، من استمرارية نزيف ذلك الجرح الذي يشق ذاكرة الفلسطينيين الفردية والجماعية، إلى نصفين: «ما قبل الوطن، وما بعده»، لا معنى لتذكُّر النكبة، دون الانتباه إلى المخيمات الفلسطينية، ولا يمكن النظر لتلك المخيمات، دون أن تُذكَر النكبة، والاقتلاع من الجغرافيا.. المصحوب بنوايا «الرمي» خارج التاريخ.

ذاكرة تبحث دائماً، وبشكل محموم، عن بصيص أمل في العودة، تلك التي تغلق وحدها دائرة الترحال والمنافي، لذلك تصرّ الذاكرة على الاحتفاظ بالذكريات، وبتفاصيل ذلك المكان، وتصرّ على توريثها. مأساة اللجوء الفلسطيني، طبعت بمذاقها المرّ، وها هم الفلسطينيون يقفلون سبعين عاماً على نكبتهم، في ظل إجماع إسرائيلي على إنكار تام لمسؤولية دولة الاحتلال عنها.

في المخيمات الفلسطينية، جيل عاش النكبة والتهجير، ما زال حياً، ويذكر تفاصيلها، ويتذكر البيت الأول، وكأن الحياة توقفت هناك.. وجيل آخر، يحمل الرواية بالكامل، في ذاكرة تصرّ على البقاء حية.. جيل عاش أكثر من ثورة وأكثر من انتفاضة، وهناك جيل ثالث جديد، يستفيق على أمل متجدد، بقدرة التاريخ على تضييق الخناق حول الأسطورة، لتحقيق حلم العودة.

حياة المخيم، مليئة بالذكريات «المضغوطة» تماماً كما هي بيوته وأزقته، وهي مليئة كذلك بالآمال الكبيرة، التي تعين على شروط الحياة الصعبة. في المخيم، ذاق والد الطفل، مرارة التهجير مبكراً.. كان الوالد أيامها طفلاً، فيما الابن يعيش تجربة الاقتلاع ثانية.

في المخيم، رجل يركض وراء لقمة العيش، وطفلة بزيها المدرسي تسير في الطريق إلى مدرسة الوكالة، والعَلَم في أيدي الصغار ينمو ويكبر مثل ذراع، وجلسة «عصاري» على الرصيف.. ومطبخ في الهواء الطلق، للخروج من جحيم المنازل المكتظة.

في المخيم، صراخ «مبحوح» لحناجر صغيرة، ربما لهذا السبب لا يسمعها العالم، ومشاهد النكبة، تضع الأطفال على مواجهة مبكرة مع المجهول، تترك بصماتها على أجسادهم الغضّة، وعلى هواجسهم، ونظرتهم للعالم ككل. وفي فلسطين، تعدّ مخيمات اللاجئين شاهداً حياً، على جريمة التهجير والاقتلاع من الأرض، التي نفذتها العصابات الصهيونية، بحق أصحاب الأرض، فيما تخوض هذه المخيمات، معركة البقاء، إذ إن تصفيتها، هي بمثابة تصفية للقضية الفلسطينية برمتها، وحسم للمعركة لصالح الاحتلال.

وغير بعيد، تجلس الحاجة آمنة محمود، التي قاربت التسعين، على الدرج المتعرج بمنزلها في المخيم، لتسرد الحكايات لأحفادها، حول قريتها «عنابة» القريبة من مدينة الرملة، وتستذكر والدموع تنهمر من عينيها كـ«رذاذ»: «كنا نسرح ونمرح في المروج الواسعة، والمساحات الرحبة، نلعب ونلهو بين المزروعات، وجئنا هنا لنكمل أعمارنا، في علبة سردين».

أما الثمانيني، الحاج عبد العزيز سرحان «أبو غسان»، من قرية التينة قضاء الرملة، ويسكن حالياً في مخيم قدورة القريب من رام الله، فلا زال يشعر بالحزن والأسى، ولم يذق طعم الفرح، منذ يوم النكبة الأسود. قال لـ«البيان» والمرارة تقطر من كلماته: «ضحكوا علينا، قالوا لنا بأنها جمعة مشمشية، لكن هذه الجمعة، لم تنته بعد، وها هي تنهي عامها السبعين»!!.. مؤكداً أنه يرفض التفريط، أو التنازل عن أرضه حتى لو تم إغراؤه بمال الكون.

وعن زيارته لقريته بعد النكبة، قال أبو غسان: «وجدت المنازل فارغة، وأبوابها مفتّحة، والقرية كلها مرعبة وموحشة، وكأنه ضربها زلزال.. فلا شيء في مكانه». سألنا أبو غسان، هل يتوقع العودة إلى قريته يوماً ما؟.. فأجاب دون أن يفكر للحظة: «أملي بالله كبير في العودة إلى التينة.. أنا لم أنسها، ويومياً أتجول وألعب في حاراتها».

تعليقات

تعليقات