التحرير وأرباح السلام الاستراتيجية

كلما تم التواصل مع الحوثية بالأدوات الناعمة وتم توظيف التقنيات التي تقودها إلى السلام وبناء الشراكة مع الآخرين خارج سياق العصا الغليظة المنتجة لمتغيرات جذرية، تمرّدت وزاد تغوّلها وانتهاكها للحقوق واغولت في الهدم والسطو، وأصرّت على استمرار الحرب كخيار وحيد رغم الجهود الحثيثة الوطنية والإقليمية والدولية لدمج هذا التكوين ليكون فاعلاً سياسياً طبيعياً.

خلال السنوات الأربع الماضية بُذلت جهود كبيرة من أجل السلام وتم استخدام القوة باتزان وعقلانية للوصول إلى انتقال سياسي يحقق مصالح اليمن وجميع أبنائه، إلا أن الحوثية استغلت ذلك وحاولت عبر الجهاز الدعائي الذي تديره إيران ووكلاؤها ترسيخ عقيدة أصولية كهنوتية بأنهم مؤيدون من الله وأن النصر حليفهم.

ورغم الهزائم المتلاحقة والفشل الذريع للحوثية في إدارة المؤسسات المختطفة وفي الحرب وحتى في إدارة اللصوصية التي اعتبرتها إنجازاً مع افتتاح عشرات المقابر والافتخار بذلك والتعامل معها كإنجاز.

فشلت الحوثية وتراكمت هزائمها وتعاظمت الكراهية الشعبية للحوثية ككهنوت وكميليشيا، والأخطر أحقاد تتراكم ضد تكوين اجتماعي متنمّر ضد إخوانه اليمنيين.

لم تفهم وتستوعب الحوثية المتغيرات وسقوطها في هاوية الإرهاب والتخريب والهزيمة، ومازالت مُصرّة على الحرب والنهب والسطو وتنفيذ أجندات إيران، وتسعى للتعامل مع واقعها المأساوي باعتباره امتحاناً لنيل النصر، وهذه الذهنية المريضة نتاج لوعيها الأصولي ذي الجذور الكهنوتية، وكأي حركة متطرفة تسوّق لأتباعها أنها لحظة انتقالية وامتحان لها لتكون جديرة بالنصر الإلهي هي إيحاءات شيطانية لتمارس إرهابها دون أن يهتز ضمير أتباعها.

نحن اليوم أما متغير جذري، فتحرير الساحل الغربي غيّر معادلة الحرب، وليس بعد ذلك غير الانهيار الشامل واستعادة دولة اليمنيين.

تمكنت الشرعية وبإسناد التحالف من مراكمة القوة وباستراتيجية النفس الطويل وسياسات القضم وإنهاك العدو وصلنا إلى لحظة تحصيل الإنجازات الحاسمة.

لم تحدث متغيرات جذرية منذ تحرير عدن بما يجبر الحوثية على التعامل بواقعية مع وضعها المنهار وتم التلاعب بها بتقنيات احترافية وتم استنزافها ببطء.

وقد منحت الحوثية أكثر من فرصة لعل وعسى أن تستجيب للسلام إلا أنها راهنت على التناقضات الداخلية والخارجية ولعبت بعض الأطراف الدولية دوراً محورياً وأساسياً في إطالة الحرب وتوظيف الحوثية والمأساة الإنسانية في الابتزاز والبحث عن نفوذ خارج سياق الأعراف والقوانين الدولية، وتماهت الحوثية مع هذه الأطراف وظل اللعب من تحت الطاولة ومن فوقها يسير باتجاه إنقاذ الحوثية من الهزيمة مستغلين البعد الإنساني الذي أصبح الهدف الأول للحوثية عبر تعميق المأساة الإنسانية، إلا أن الإرادة الوطنية وعمقها العربي تمكّنا من تجاوز الصعاب وتقديم التنازلات ومراكمة القوة وقد حان وقت الضربة القاصمة.

وفي هذا السياق يمكن الحديث عن انتفاضة الثاني من ديسمبر التي مثلت أهم المتحولات الجذرية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فقد فجّرت التحالف الانقلابي من داخله وأصبحت الانتفاضة الضربة القاصمة التي كسرت العمود الفقري للكهنوت الحوثي، ورغم تحصيل الحوثية لقوة مضافة واتساع دائرة تأثيره وفي بناء قوتها فإن الانتفاضة أزالت الغطاء السياسي والاجتماعي وزعزعت أركانها وأفرزت قوة جديدة التحمت بالشرعية والتحالف، ونراها اليوم لاعباً محورياً في معركة الساحل وسيكون لها دور كبير في تحرير صنعاء وبناء التوازن الكفيل باستعادة الدولة بلا نزاعات مستدامة، وما زال المخزون الاستراتيجي للانتفاضة كامن وسيلعب دوراً محورياً في قادم الأيام في معركة مفصلية لابد منها من أجل إنجاز السلام.

مكاسب وخسائر

تحرير الحديدة يعني مكاسب خالصة لليمن شعباً ودولة وخسارة خالصة للحوثية، ربح خالص للأمن العربي وخسارة خالصة للأمن الإيراني، ربح للسلم والأمن الدوليين وحصار وهزيمة للابتزاز وللإرهاب وللفوضى.

معركة الحديدة بداية لإيصال وكيل إيران إلى حافة هاوية السقوط والخسارة التامة والانتحار المجاني في حالة رفضت الاستسلام للإرادة الوطنية، واستمرار التحرير عبر العصا الغليظة كفيل بإيصال عرَّابها الإيراني إلى قناعة بأن التدخل في الشأن العربي لن يحقق غير الخسارة وإذلال وكلائها، وقد تدفع إيران وكيلها إلى الاستسلام إن كان لديهم ضمير باعتبار ذلك الخيار الأسلم والأهم، وإقناع الحوثية بأن تنفيذ أجندات إيران المتطرفة في الحرب المستدامة سيقودها كتنظيم إلى صراع عدمي وربما إلى استئصالها عبر ثورة شعبية مسلحة تدافع عن نفسها أمام هذا التعنت الإجرامي وحرب الانتحار الحوثية.

بعد تحرير الحديدة ستتغير المعادلات في الساحة اليمنية وعلى المستوى الإقليمي، وستصبح الحوثية عبارة عن تمرّد محاصر في الجبال من جميع الجهات ومحاصر بالجبال من كتلة اجتماعية سترى أن الخلاص من الحوثية طريق النجاة وللحفاظ على المصالح ولو بالحد الأدنى، وستفقد إيران ورقة ضاغطة نتيجة تأثيرها على أمن البحر الأحمر، وسترى الحوثية وظيفة غير مربحة وهذا قد يقودها إلى تخفيف دعمها وربما التخلي عنها إذا بدأت مفاعيل الانتفاضات الشعبية الغاضبة وترك الحوثية لقدرها الانتحاري.

* وكيل وزارة الإعلام اليمني

تعليقات

تعليقات