4 أيام في بلاد السلام والأحلام «2- 2»

«صومالي لاند».. الجوهرة المنسية

صورة

«اختاروا الحرب، ونحن اخترنا السلام، مضينا في طريقينا حاملين غصن الزيتون، وهم ركضوا وفي يدهم الكلاشنكوف، ذهبوا به وذهب بهم إلى التطرف والإرهاب، وكان لنا نحن الاعتدال والوسطية ديدناً ومنهاجاً»، ويمضي السفير باشا عول عمر أمير، موضحاً لنا في أحاديث متفرقة الفروق بين الصومال و«صومالي لاند»، قائلاً: «نحن دولتان وشعبان»، لا أقول ليس بيننا علاقة فالعلاقات موجودة بين كل أبناء البشر، ولكن نحن مختلفون تماماً في كل شيء، كثير من الناس يخلط بيننا، يظن أن الصومال دولة واحدة.

ولكن هذا ليس حقيقياً بحكم التاريخ، نحن كان استعمارنا من بريطانيا، وهم استعمرتهم إيطاليا، نحن نلنا استقلالنا قبلهم، ونحن من بادرنا إلى إعلان الوحدة معهم ضمن مشروع سياسي كبير كان رائجاً حينها ينادي بوحدة «صومالي لاند» والصومال وجيبوتي وغيرها من الدول، فشل هذا المشروع بسببهم، أردنا استعادة دولتنا فرفضوا، وسعوا إلى عرقلة مشروعنا مستفيدين من جهل كثير من الشعوب بالتاريخ السياسي والاجتماعي لهذه المنطقة.

حماسة السفير باشا وكثير من أهل هذه البلاد لتوضيح الفروق بينهم وبين الصوماليين في الجنوب، لا تفوقها غير حماستهم في بناء دولة مختلفة في نظامها عن بقية الدول الموجودة في المنطقة المحيطة، همهم الأساسي نشر التسامح والأمن والأمان رغم محاولات جهات عديدة لتعكيره، إلا أنهم به متمسكون، بنوا نظاماً سياسياً وحقنوه بمضادات الفناء ومنعشات الاستمرارية، إعلام غاية في الحرية وبرلمان قوي، جعلا نسبة الفساد تصل إلى حد العدم، نظام سياسي متراض عليه ومحمي بحكمة وحنكة زعماء القبائل، مكن من تداول سلمي للسطة عبر آلية الانتخابات بين الأحزاب السياسية الثلاثة المتنافسة في يسر وسلاسة.

دخول وخروج

لم يكن الدخول إلى «صومالي لاند»، تلك الجمهورية المعلنة من جانب واحد وتكابد لنيل الاعتراف الدولي، كما الخروج منها، هواجس عديدة وتخيلات تنتابك وأنت الزائر لهذه الأرض للمرة الأولى، طائرة «فلاي دبي» تعلن الاستعداد للهبوط في مطار هيرجيسا، همهمات وأصوات بلغات مختلفة ترتفع، أظنها أدعية بسلامة ويسر نهاية الرحلة التي امتدت لثلاث ساعات ونصف الساعة تقريباً، صور شتى تتزاحم على مخيلتي من رحلات سابقة لمناطق الحروب والنزاعات، أطفال عراة منازل مهدمة، نساء منتحبات، عسكر في الطرقات وحواجز يقودك كل منها للآخر، أسئلة تعسفية عن سبب الزيارة والجنسية تضعك محط اتهام مبدئياً طالما أنت ممتهن لمهنة الصحافة وعليك أن تثبت العكس.

انتزعني صوت المضيفة وهي تعلن الهبوط بسلام، من تلك الهواجس، سحبت بصري ونظرت إلى المطار كان كل شيء اعتيادياً، بعض الموظفين يتحلقون حول الطائرة لتكملة إجراءات الهبوط، المدرج مرصوف كبقية مدرجات المطارات في العالم، لا يوجد ما يوحي بأنك في «الصومال» بصورتها الذهنية المطبوعة فينا.

نعم كنت أعلم أن هذه المنطقة تنعم بسلام ولكن لم أظنه لهذه الدرجة التي عايشتها فعلاً ونحن نتجول من أقصى شمال البلاد إلى جنوبها ومن غربها إلى شرقها في رحلات ماراثونية طيلة الأيام الأربعة التي أمضيناها في هذه الجوهرة المنسية.

نقبنا في تاريخها وتجولنا في معالمها ومشاريعها الاستثمارية والخدمية دونما رقيب، ولا خوف، يستقبلونا بابتسامة ويودعونا بها أينما حللنا، كل معلومة نطلبها يتطوع من في المكان لمساعدتك في الحصول عليها وأكثر.

بطاقة تعريف

أمضت «صومالي لاند» المعلنة من طرف واحد، أكثر من 27 عاماً، تنتظر الاعتراف الدولي، منذ أن نفضت في العام 1991 يدها عن مشروع الوحدة الذي أعلنته مع دولة الصومال ولم تفلح السلطات المتعاقبة فيها، من نيل هذا الهدف من أي دولة، غير أن أكثر من 20 بلداً حول العالم تتعامل معها باعتبارها واقعاً معيشاً، وتقيم معها علاقات غير رسمية وفي مقدمتها بريطانيا، المستعمرة السابقة لهذه الأرض.

تجارب وتفاوض

ويقول رئيس «صومالي لاند» موسى عبدي بيحي لـ «البيان» نحتكم في علاقتنا الخارجية إلى مصلحة شعبنا، ننظر حولنا في تجارب الدول ونتخير أفضلها لنستجلبه، فنحن دولة ناشئة ونحاول أن نصنع نظاماً يجعل مواطنينا يعيشون في رفاهية، ويمضي بيحي: نحن لا نستعجل الاعتراف الدولي رغم أهميته، فنحن نسعى له، كل الحكومات المتعاقبة عملت لتحقيق هذا الهدف ولكننا مشغولون أيضاً بتنمية بلدنا كذلك، وتطوير النظم الإدارية والمالية فيها لتقوية الاقتصاد وتحقيق رفاهية مواطنينا.

الاعتراف مهم ولكنه بالأساس هو وسيلة لتحقيق رفاهية المواطن، لذا نعمل في خطين متوازيين اتصالات دبلوماسية وسياسية لنيله، وأخرى تقوم على بناء علاقات اقتصادية قوية مع الدول التي تعمل معنا ومتفهمة لقضيتنا.

وبحسب صديق حسن ادو العضو في مجلس نواب الشعب (البرلمان) لم تمنع عقبة الاعتراف، الجمهورية الواقعة في شمال الصومال، من التميز في جوانب عديدة، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، وبدرجة عالية، حيث تنعم بالاستقرار والأمن مقارنةً ببقية مناطق الصومال، بل وتتفوق في بعض الحالات على دول معترف بها في القرن الأفريقي.

وتحتفظ هذه الدولة التي يبلغ عدد سكانها نحو 3.5 ملايين نسمة، بعلاقات غير رسمية مع العديد من الحكومات الأجنبية التي أرسلت وفوداً بروتوكولية إلى العاصمة هيرجيسا، كما تملك إثيوبيا مكتباً تجارياً فيها.

وتتمتع علاقات البلدين بدرجة عالية من الاحترام، فإثيويا تملك عدداً كبيراً من الجامعات التي تقدم خدماتها في هيرجيسا، كما افتتح عدد من المستشفيات في مناطق متفرقة في «صومالي لاند» التي تتمتع بوضع خاص لدى المنظمات الإقليمية والدولية التي تتعامل مع الصومال.

ومنذ إعلانها الاستقلال من طرف واحد في 18 مايو عام 1991 تتمتع «صومالي لاند» بنظم إدارية وسياسة مستقلة، وتدير المنافذ البحرية والبرية الحدودية عبر أجهزتها الخاصة من جيش وشرطة وأمن، ويقوم أفراد تلك الأجهزة، رغم قلة التدريب والإمكانات، بهذا العمل الكبير في كفاءة عالية، كما أصدرت البلاد عملة خاصة بها.

فشل الوحدة

شقت هذه الجمهورية ومنذ السنوات الأولى لتأسيسها، طريقاً مختلفاً عن بقية الأقاليم الصومالية، ويقول مدير جامعة عامود، بروفيسور سليمان أحمد قاعود، إن ذلك جاء نتيجة توافق سياسي وقبلي لسكان هذه المنطقة، حيث لعب فيها زعماء القبائل التقليديون دوراً محورياً في منع الصدامات القبلية، الأمر الذي مهّد لنشوء وضع سياسي مستقر يرتكز على السعي لنيل الاعتراف الدولي.

ويمضي قائلاً: الحياة مستقرة في هذه الجمهورية تماماً لا يعكر صفوها أي اختلافات، على عكس الصومال الجنوبي الذي لا يزال يعاني ويلات الحرب والاختلافات، المدينة الواحدة تصبح على سيطرة الشباب وتمضي ليلها تحت قبضة الحزب الإسلامي.

وفي فجر اليوم التالي تدخلها قوات الاتحاد الأفريقي، لا استقرار هناك، بينما نحن نعيش استقراراً منذ ما يقارب الثلاثة عقود، لماذا يريدنا العالم أن نكتف أيدينا وننتظر، ويعيش أهلنا ما بين الشتات في الدول الأخرى والفقر والحرمان هنا، الآن نظم العالم وقوانينه تشترط أن يكون الاستقلال برضى مقديشو التي أصلاً لا يوجد فيها طرف لنحاوره ونصل معه إلى تراض؟

ويضيف قاعود: الناظر إلى العلاقة بين بلدينا يجد أننا لم نكن يوماً دولة واحدة، بل نحن تاريخياً دولتان، اختارتا لأسباب تاريخية الوحدة مثل ما قررت سوريا ومصر على سبيل المثال، الوحدة وعندما فشل المشروع انفصلتا.

على الرغم من عدم اعتراف أي دولة رسمياً بها، فإن «صومالي لاند» أصدرت جوازات سفر خاصة بها تمكن حامليها من زيارة عدد من البلدان، ولكن يستخدم معظم السكان الذين يسافرون إلى الخارج جوازات سفر بلدان أخرى.

أما الدول الخارجية فإنها تتعامل مع «صومالي لاند» كأمر واقع، ولذلك فهي تحصل على جزء من أموال المساعدات المخصصة للصومال بشكل عام، ولها مكاتب تمثيلية غير رسمية في عدد من البلدان.

وقد نجحت هذه البلاد، على عكس محيطها، في تداول السلطة بشكل سلمي، حيث إن جميع الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم تداولوا السلطة بشكل سلمي، وعبر صندوق الانتخابات، بينما يتم احتواء النزاعات القبلية المسلحة قبل استفحالها، عكس ما يحدث في مقديشو، حيث أدى صعود أمراء الحرب إلى استمرار الحرب الأهلية لعقود من الزمان، حدث خلالها أيضاً تدخلات عسكرية أجنبية بدءاً بالولايات المتحدة، ثم الأمم المتحدة، وبعدها الاتحاد الأفريقي ودول منظمة «إيقاد» في القرن الأفريقي.

تعليقات

تعليقات