4 أيام في بلاد السلام والأحلام «1- 2»

«صومالي لاند» الإمارات تنعش الحياة في بربرة

«انظر هناك هذه لم تكن موجودة قبل عامين»، وأردف وهو يشير بيده إلى مجموعة من المباني المشيدة على الطراز الحديث، كل شيء لم يكن موجوداً هذه المدينة كانت مجموعة منازل صغيرة يقطنها فقراء، قليل من المباني الحكومية والمحلات التجارية لم تكن هناك حياة بالمعنى المعروف، الإمارات لا تنفذ مشروعاً بل تصنع حياة كاملة هنا في بربرة، المشروعات الضخمة جلبت استثمارات كبيرة إلى المدينة التي باتت بها مجموعة من الشركات في كل المجالات ارتفعت أسعار الأراضي تلقائياً وبات هناك سوق لها، في السابق كانت أسعارها رخيصة جداً وغالباً لا تجد مشترين، أصبح الوضع مختلفاً الآن.

هكذا تحدث عبد الكريم عبدي حاج من مواطني بربرة يعمل سائقاً لإحدى الآليات الثقيلة في ميناء بربرة.. الناس في هذه المدينة التي تقع على بعد حوالي 160 كيلومتراً في الشمال الشرقي من هيرجيسا عاصمة جمهورية «صومالي لاند» المعلنة في شمال الصومال من طرف واحد، طيبون وجادون ومجتهدون في رسم صورة مختلفة لتلك التي تعج بها وسائل الإعلام عن الصومالي النزق الداعم دوماً للإرهاب، إنها تؤلمهم حقاً لأنهم فعلاً مختلفون، فهم متمسكون بالسلام ويحلمون بوطن أفضل.

الرحلة من هيرجيسا إلى بربرة لم تكن سهلة لكنها ليست بالصعوبة الكبيرة، الطريق معبدة اسماً، كما بقية الطرق في هذه البلاد التي تكابد جور سياسات المجتمع الدولي، الذي يرفض الاعتراف بها، وبالتالي لا تستطيع الحصول على تمويلات للنهوض بالبنية التحتية، فكل ما تم إنجازه يمثل معجزة في ظل حالة الحصار الاقتصادي غير المعلن التي تعيشها الحكومات المتعاقبة وفقاً لدورة انتخابية حقيقية.

استثمار بأخلاق

ساعة ونصفها أمضيناها لنصل ميناء بربرة، في فاتحة زيارتنا لهذه البلاد التي استمرت أربعة أيام، مخيلتي الأسيرة لزيارات سابقة لمشروعات واستثمارات تنفذها بلدان في بلدان أخر، لم ترتق قط إلى ما شاهدته في بربرة، الاستقبال كان حميمياً من مسؤولي الميناء وهم من أبناء البلد، أخذت أبحث عن أصحاب الأسهم الكبرى والمطورين الرئيسيين للميناء، عاجلت أحد المستقبلين بسؤالي «أين مسؤولي موانئ دبي»؟:

ابتسم الرجل الذي تجاوز عمره الأربعين بقليل وأجابني «نحن مسؤولي موانئ دبي هنا في بربرة»، وأردف لإشباع فضولي الذي أظنه قد قرأه في تعابير وجهي: نحن نتعامل مع مؤسسة محترمة ودولة أكثر احتراماً، أنهم لم يغزوا بلادنا كما يفعل الآخرون بعمالة رخيصة أجنبية لكسب الأموال، وإنما قاموا بتدريبنا وتأهيلنا لندير هذا الميناء لصالحهم، نعم أفهم كان بإمكانهم أن يستجلبوا عمالة مؤهلة من أي بلد في الدنيا ولا يهتمون بنا.

ولكن لأنّ الإمارات ومؤسساتها تعمل بأخلاق عالية حتى في الاستثمار لم يذهبوا إلى هذا الحل السهل، بل قاموا بتدريب العمالة المحلية وأقاموا دورات تدريبية داخلية وخارجية لهم وسلموهم هذا العمل وهم من يديرونه الآن بكفاءة عالية والفضل يعود إلى الـ«دي. بي.وورلد» وهو الاسم المستخدم هنا لهيئة موانئ دبي العالمية.

عمالة محلية

ويضيف علي محمود إسماعيل، وعلمت لاحقاً أنه يشغل منصب مدير العمليات في ميناء بربرة، 99% من العمالة المستخدمة في ميناء بربرة هي محلية بل من أبناء منطقة بربرة نفسها، ويبلغ عدد العاملين في الميناء 780 وظيفة، ويردف بفخر إنه عدد كبير جداً فتحت بيوت وتحسنت أحوال الناس كثيراً منذ قدوم «موانئ دبي».

ويقول إسماعيل «أقامت «موانئ دبي» العديد من الدورات التدريبية على أفضل البرامج لإدارة الموانئ، نحن الآن نعمل ببرنامج متطور يستخدم في العديد من الموانئ العالمية، كما تم حوسبة العمل داخل الميناء، حيث تتم الآن جميع المعاملات في الميناء إلكترونياً، من كان يظن أن ذلك سيحدث في بربرة ولكنه الآن بات واقعاً معاشاً».

ويمضي إسماعيل شارحاً التطورات التي شهدها الميناء منذ توقيع الاتفاق بين حكومة جمهورية «صومالي لاند» وهيئة موانئ دبي قائلاً«منذ تولي موانئ دبي العالمية إدارة الميناء، حدثت العديد من التغييرات. لقد أضفنا الكثير من المعدات. لقد أضفنا ثلاثة رافعات مرفأ متنقلة، إلى جانب مناولات الحاويات الفارغة، وسيارات الركاب الداخلية والرافعات الشوكية. كل ذلك حدث في هذه المرحلة».

مراحل العمل

وينقسم العمل بحسب إسماعيل إلى ثلاث مراحل، ويقول: «نعمل حالياً على أساس ثلاث مراحل: المرحلة صفر، المرحلة الأولى، والمرحلة الثانية. كجزء من المرحلة صفر، نقوم بتطوير المحطة الحالية. لقد أجرينا العديد من التغييرات، بما في ذلك البنية التحتية والكهرباء ومرافق التدريب إلخ.

تبدأ المرحلة الأولى خلال خمسة أشهر، ومن المتوقع أن تكتمل في عام 2020». وخلالها سيتم إنشاء «المنطقة الخضراء» وهي إنشاء رصيف جديد مجاور للرصيف الحالي بامتداد 800 متر سيكون مخصصاً للحاويات، وقد بدأ العمل فيه فعلياً، كما سيتم قيام المنطقة الحرة، وكذلك سيتم إكمال الطريق الرابط بين بربرة وإثيوبيا.

وفي عام 2016، صوت برلمان أرض الصومال لصالح منح موانئ دبي العالمية، رابع أكبر مشغل للموانئ في العالم، امتيازاً لمدة 30 عاماً مع تمديد تلقائي لمدة 10 سنوات لإدارة وتنمية الميناء في بربرة وبموجب الصفقة، ستستثمر «موانئ دبي العالمية» في الميناء 442 مليون دولار (1.62 مليار درهم)، بحصة 51٪ في المشروع في حين تملك حكومة «صومالي لاند» 30٪. وكجزء من صفقة أخرى أعلن عنها الشهر الماضي، ستصبح إثيوبيا صاحبة حصة 19 في المائة في الميناء.

مشروعات مجتمعية

ويشير مدير العمليات في ميناء بربرة إلى أن موانئ دبي لم تكتف فقط بالاستثمار في الميناء وما أحدثه ذلك من نقلة كبيرة في حياة الناس وإنما تدعم العديد من مشروعات المجتمع المحلي، فقد قدمت دعماً مقدراً للصحة في بربرة، وكذلك التعليم بتأهيل المدارس إضافة إلى المساجد وتوفير المياه للسكان المحليين من خلال حفرها لخمسة آبار ارتوازية تقدم خدماتها لإنسان المنطقة.

وقال «أفادت موانئ دبي بوضوح اقتصاد المدينة؛ وقد تم إعطاء قطاع البناء حافزاً للتوسعات والتحسينات التي تم إدخالها بالفعل على الميناء. وأضاف «الأرض في المنطقة ترتفع قيمتها أيضاً. إن البنية التحتية في المنطقة تتحسن والعديد من الشركات تأتي إلى هنا للقيام بأعمال تجارية.

كما تقدم موانئ دبي العالمية بربرة المساعدة لأكاديمية بربرة البحرية ومصايد الأسماك القريبة، والتي تأسست في عام 2012 وتخرج منها 85 طالباً، من بينهم 12 امرأة. وفي معرض حديثه إلى الصحافيين، قال وزير خارجية «صومالي لاند» الدكتور سعد علي شيري إنه لا يوجد أحد يملك سلطة التدخل في صفقة بين الحكومة وموانئ دبي العالمية. هذه صفقة اقتصادية وتجارية ستفيد الجميع في منطقة القرن الأفريقي».

شحن وتفريغ

كانت الشمس تؤذن بالرحيل عندما دخلنا إلى منطقة الشحن والتفريغ في الميناء حركة نشطة في الميناء الذي ارتفعت طاقته الاستيعابية، وأضيئت جميع جوانبه عبر نظام إضاءة متطور يمكن من العمل لأربعة وعشرين ساعة، حيث كانت عمليات الشحن والتفريغ في السابق تتوقف عند السادسة مساءً، سفينة حاويات ضخمة يتم تحميلها عبر رافعتين، طاقة إيجابية يتمتع بها العاملون في الميناء لا تكاد تسمع ضجيجاً سوى صوت الشاحنات الداخلة إلى المنطقة بين الفينة والأخرى أو الأصوات التي تصدرها الرافعات، حماس عالٍ تحسه في عيون كل العاملين في الميناء يقول أحد العاملين نطمع بأن نصل بالميناء ليكون معبراً إقليمياً تستفيد منه منطقة القرن الأفريقي هذا ما سيحدث قريباً عقب اكتمال الطريق الرابط مع إثيوبيا.

غادرنا ميناء بربرة ونحن واثقون أن مستقبل هذه المدينة سيشهد نقلات كبيرة في ظل العقلية التي تدير العمل هناك والحماس الكبير الذي أشعلته هيئة موانئ دبي العالمية في نفوس السكان المحليين الذين لا يخفون أبداً احترامهم وامتنانهم لما تقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة من نشاط اقتصادي نقل حياتهم إلى الأفضل.

علاقات راسخة

ويقول عبد الرحمن شبع اديكي وهو أحد مواطني صومالي لاند الذين يحملون الجنسية الكندية «إن لم تقم الإمارات بغير تسيير رحلات طيران «فلاي دبي» والعربية إلى مطارنا لكان ذلك كافياً لكل أهل هذه البلاد أن يلهجوا بشكرها طيلة حياتهم»، ويضيف لـ «البيان» كنت في السابق آتى من كندا إلى أديس أبابا ومنها إلى مطار هيرجيسا.

ولكن رحلتي الأخيرة كانت عبر مطار دبي الدولي لا تتخيل الإحساس الذي شعرته عندما رددت الإذاعة الداخلية لمطار دبي الدولي اسم الرحلة المتجه إلى مطار هيرجيسا، إحساس لا يوصف لا أكذبك ان قلت إن دموعي انهمرت، نعم لم يكن يعرف الكثيرون أين هيرجيسا وما هي صومالي لاند، ولكن الآن الكثير من الناس يعرفونها من خلال إذاعة مطار دبي ولوحاته الإعلانية،إنهم يصنعون حياة في بلادناهكذا ختم حديثه في اشارة الى المشروعات الإماراتية.

منسق الشؤون العربية لـ« »:دبي بوابتنا الى العالم

شدد عدد من المسؤولين في جمهورية صومالي لان على عمق العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة مؤكدين أنها علاقات تاريخية قديمة، تعود بحسب ماهو مؤرخ إلى العام 1830 م وبينما قال وزير الخارجية د. سعد علي شيري إن حكومة صومالي لاند تنظر إلى هذه العلاقة باعتبارها علاقة مفتاحية في جميع المجالات .

مؤكداً أن الاستثمارات الإماراتية في «صومالي لاند» انعكست بشكل إيجابي على الحياة في بلاده. وقال منسق الشؤون العربية يوسف دعال سليمان إن كانت دبي تعد بوابتنا الى العالم في تسفارنا فالامارات كدولة هي بوابة عبور علاقتنا مع الوطن العربي.

وقال يوسف لـ «البيان» إن العلاقات الإماراتية مع بربرة تمتد إلى قرون مضت مشيراً إلى أن الوثائق تشير إلى العام 1830، وأضاف لذا لا نقول العلاقات مع دولة الإمارات علاقات قديمة لمجرد الحديث الدبلوماسي والسياسي وإنما ذلك أمر يعضده التاريخ.

وقال في العامين الأخيرين تم تنشيط هذه العلاقات بشكل واضح وأخذت طابعاً مختلفاً لأنها علاقات مهمة جداً لجمهورية صومالي لاند، لأن الثقل والاحترام الذي تتمتع به الإمارات في محيطها العربي وكذلك علاقتها الدولية يمكن أن تساعدنا كثيراً في نيل حقوقنا، مشيراً إلى أن «صومالي لاند» منذ إعلان استقلالها كانت علاقاتها مع العالم العربي ضعيفة جداً رغم إيمان شعبها الذي يتمتع بثقافة عربية وحب كبير لهذه الثقافة بضرورة تنشيط العلاقات العربية.

ولكن ذلك لم يحدث لعدة أسباب في مقدمتها أن العرب يفضلون التعامل مع مقديشو ويستمعون لوجهة نظرها فيما يخص القضية الصومالية دونما النظر إلى ما تريده «صومالي لاند»، ولكن الإمارات الآن اتخذت موقفاً سيلفت الانتباه إلى أن «صومالي لاند» ليست منفصلة او متمردة على مقديشو وإنما هي دولة قائمة من قبل توحدها مع الجزء الجنوبي، وهي الآن عادت إلى ما كانت عليه.

وأضاف سليمان إن الزيارة الأخيرة للرئيس موسى بيحي عبدي إلى أبوظبي خلال الشهر الماضي اعطت العلاقات دفعة قوية واضاف نتوقع أن تفتح لنا هذه العلاقات أبواب العالم وستكون هذه العلاقة ذات مستقبل قوي.

وكشف أن حكومة صومالي لاند وضعت خطة متكاملة لعلاقاتها الخارجية منذ فترة ليست بالقصيرة وهي اختارت أن تطور علاقاتها بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية باعتبارها الدول الثلاث القائدة للمنطقة العربية وذلك قبل تفجر الأزمة الأخيرة في منطقة الخليج العربي.

مشيرا إلى أن أهالي صومالي لاند يعرفون السعودية ارض الحرمين الشريفين ويرتبطون مع الإمارات بعلاقات اقتصادية قوية جدا فمعظمهم عمل او لديه من يعمل في الإمارات العربية وكل وارداتنا تأتينا من دبي ولكن لا يعرفون قطر ولا تربطهم بها صلة لذا خياراتنا في الأزمة الأخيرة ليست نابعة من صدفة وإنما سياسة استراتيجية، مضافاً إلى ذلك أن قطر تدعم الحركات المتطرفة ونحن ضد الإرهاب والتطرف ونرى ماذا فعل الإرهاب بجيراننا في الجنوب الذي نتمنى له الاستقرار والانتصار على تلكم الحركات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات