الفقر.. الوجه الآخر للحصار على غزّة

لم ينهض الأب مبكراً، وظل يتملل في فراشه، شارد الذهن، تدور في رأسه أسئلة كثيرة تطحن وعيه، وتستبيح ذاكرته، ثم تبعث في وجدانه الخراب كريح مرت على كومة قش، فشاركته زوجته باستنادها إلى جدار متهالك، وقد وضعت وجهها الشاحب بين كفيها، تهرب بعينها من زوجها كلما نظر إليها، ثم تتجول في أرجاء الغرفة بعينيها، تكسر الصمت السائد بقولها: «لم يعد شيء صالح للبيع في هذا البيت، لقد بعنا حتى سرير زفافنا، ولم يعد لدينا ما يمكن بيعه لنعتاش منه ونطعم أطفالنا».

هذا حال أسرة محمد أبو عجوة من شمال قطاع غزة، بعدما تقطعت بهم السبل لعدم وجود مصدر دخل للأسرة، إلى الحد الذي وصل بالزوجة إلى إعادة صناعة نفس الأطعمة البسيطة لإطعام أبنائها الأطفال، الذين يكررون عليها نفس السؤال يومياً: «هل سنأكل اليوم أكلاً مختلفاً، أم ككل يوم جمعة؟».

هذه ليست حالة معزولة بل تعم كل غزة تتكّرر تفاصيلها يومياً على سكان القطاع المثخن بجراح الفقر وانعدام الخدمات وفي مقدمتها الماء والكهرباء والعلاج والصرف الصحي. حاول أبو فارس عز الدين، ارتداء نظارة سوداء قاتمة على عينيه لإخفاء ملامحه، إلا انه فشل في إخفاء ملامحه عن زميله في وزارة الصحة سعيد، الذي حاول تجنب الركوب معه في سيارته الأجرة حينما كان ينتظر على الشارع وصول سيارة، منعاً لإحراجه، ولكن بعد إصراره اضطر للصعود في سيارته.

تلعثم في الحديث مع زميله لكنه استجمع قواه، وقال له: «إذا لم أعمل سائقاً على هذه السيارة بعد الدوام الرسمي، فسأرتكب جريمة بحق بناتي الجامعيات، ولن أتمكن من سداد إيجار بيتي».

عمل أبو فارس لأكثر من عشرين عاماً ممرضاً في أحدى أكبر المستشفيات الحكومية في قطاع غزة، ليعالج المرضى بثوبه الأبيض، إلّا أنّ الظروف الاقتصادية الصعبة في القطاع وخصومات الرواتب دفعته كما الكثير من الموظفين من أصدقائه للبحث عن عمل إضافي لتحسين الدخل، وإمكانية توفير الاحتياجات المنزلية، واستمرار أبنائهم بالدراسة في الجامعات.

تعذّر حياة

في مشهد آخر في قطاع غزة، يتحرك محمد أبو فتوح بين زخات المطر مستمتعاً داخل متجره يتابع مع عماله إنزال صناديق كبيرة من شاحنتين عملاقتين، تسببا في إعاقة الطريق في المخيم، وهو ينظر بثقة لصناديق البضاعة، التي ستهبط في مخزنه، وبين الفينة والأخرى يتلقى اتصالات من زبائنه.

وبعد مرور الأسابيع، شوهد هذا التاجر يطأطئ رأسه، بينما كان الشرطي يساعده على النزول من جيب الشرطة المخصص لنقل المساجين من السجن إلى المحكمة، وقد قيدت الكلبشات حركة يديه، وما أن حطت قدماه على الأرض، رفع رأسه قليلاً، ليقرأ يافطة: «محكمة الذمم المالية».

وضع مزرٍ

كل هذه المشاهد رصدها الأخصائي النفسي سعيد الكحلوت، الذي يقوم بمتابعة هذه الحالات في غزة نتيجة الظروف الاقتصادية التي دمرت حياتهم في القطاع، بعد أشهر من اشتداد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

ووصف الكحلوت لـ«البيان» الأوضاع في قطاع بالمزرية وغير المسبوقة، مشيراً إلى أنّها أدت لحدوث مزيد من الضغط النفسي والاجتماعي على قطاعات كبيرة من السكان، لا سيّما ذوي الدخل المحدود، في ظل تناقص القدرة الشرائية. وتابع: «الظروف الحالية في القطاع أثرت بشكل كبير على تماسك الحياة الاجتماعية والنفسية للمواطن في غزة، فانقطاع الكهرباء والظروف الاقتصادية ستفاقم هذه الأزمة، وأدت إلى حدوث مزيد من الضغط النفسي على سكان القطاع».

نتائج كارثية

وشارك آلاف من المواطنين في مسيرة نظمتها الفصائل والحراك الشبابي رفضاً للظروف الاقتصادية الحالية في قطاع غزة، سبقه إضراب للمحلات التجارية والسيارات في خانيونس وبيت حانون وجباليا.

في السياق، قال الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، إنّ الاقتصاد الفلسطيني تعرض لانهيار كامل خلال العام الماضي، أدى لنتائج كارثية على طبقة العمال في قطاع غزة. وأوضح الاتحاد، أن 2017 هو الأسوأ منذ أكثر من 11 عاماً، لافتاً إلى أن أعداد المتعطلين عن العمل، وصلت لنحو 250 ألف عامل، فيما بلغت نسبة الفقر 70 في المئة، ونسبة البطالة أكثر من 60 في المئة في صفوف العمال.

تعليقات

تعليقات