العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    القدس اشتباك دائم مع الغزاة

    ■ منظر عام لمدينة القدس تظهر فيه قبة الصخرة المشرفة | أرشيفية

    كانت قضية القدس السبب الرئيس الذي أفشل مفاوضات «كامب ديفيد» الثانية بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، حيث رفض عرفات «الحلول الوسط»، التي عرضها الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بشأن القدس، بل وكانت إجابته القاطعة وبصوت مرتفع سبباً في مشادة كلامية بين عرفات وكلينتون الذي قال لعرفات:

    لا أحد يقول هنا لا، فرد عليه الزعيم الراحل: أنا أقول لا و«عازمك على جنازتي». وبعد عودته من «كامب ديفيد»، شن جيش الاحتلال الإسرائيلي عدواناً عسكرياً شاملاً على الضفة الغربية، وحاصر مقر عرفات الذي أمضى ما تبقى من حياته تحت ذلك الحصار إلى أن استشهد اغتيالاً بالسم.

    ذات حوار مع عرفات المحاصر تحدّث باستفاضة عن تلك المفاوضات، ومن ضمنه قال لي: لا يمكن أن أقبل أن يسجّل التاريخ أن صلاح الدين الأيوبي فتح القدس وأبو عمار باعها».

    ومن المؤكّد تماماً أن الرؤساء الأميركيين المتعاقبين لم يوقّعوا على قرار الكونغرس بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، ليس من باب القناعة أو الرغبة في حماية ما تسمى «عملية السلام»، بل لأنهم يدركون أن لمدينة القدس مكانة وخصوصية لا يمكن لأي فلسطيني أو عربي أو مسلم أو حر شريف أن يفرط بهما تحت أي ظرف، ولا أن تصبح المدينة المقدسة فريسة للأمر الواقع الاحتلالي التهويدي،

    لكن الرئيس الأميركي الحالي الذي أعلن منذ حملته الانتخابية اقتراباً أكثر من إسرائيل، ووعد بنقل السفارة إلى القدس وإعلانها عاصمة لإسرائيل، نفّذ الشق السياسي من هذا الوعد الأربعاء بإعلانه الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأمر بالبدء بنقل السفارة.

    هذا الموقف الجديد أثار ولا يزال ردود فعل عربية وإسلامية ودولية تراوحت بين الغضب وعدم القبول، ولا يستطيع أحد التنبؤ بتداعيات هذه الخطوة، ذلك القدس، كما فلسطين، مثّلت، خط الدفاع الأول عن العروبة والعرب، والإسلام وبلاد المسلمين، وهي استمدت أهميتها الدينية عند المسلمين، ليس لأنها ذات أصول عربية كنعانية فحسب.

    بل لأنها مهد الرسالات أيضاً، فمنها عرج رسول الله «محمد» صلى الله عليه وسلم إلى السماوات السبع، حيث تم فرض الصلوات الخمس على المسلمين، ثم العودة من السماوات العلى إلى بيت المقدس ومنها إلى مكة المكرمة.

    مكانة متميزة

    القدس تحتل مكانة متميزة في قلوب المسيحيين واليهود والمسلمين، حيث يتحدث التاريخ عن قرون من التعايش ومن النزاع بينهم حول هذه المدينة. وتعرضت المدينة وهي واحدة من أقدم مدن العالم، للغزو والتدمير وإعادة البناء مرات ومرات، فكل طبقة من أرضها تكشف عن قطعة من ذلك التاريخ.

    وفيما تتناول أغلب القصص عن المدينة الصراع بين أصحاب ديانات مختلفة فإنهم جميعاً يوحدهم تقديس وتبجيل هذه الأرض المقدسة.

    وفي قلب المدينة الذي يضم أزقة ضيقة توجد أربعة أحياء: المسلم والمسيحي والأرمني واليهودي، وهي تضم بعضاً من أقدس الأماكن في العالم، والحي الإسلامي هو أكبر الأحياء الأربعة ويضم قبة الصخرة والمسجد الأقصى في باسم الحرم القدسي الشريف.

    لم يختر الله سبحانه وتعالى بيت المقدس مكاناً لإسراء نبيه عبثاً، ولكنها مشيئة إلهية رسمت منذ ذلك التاريخ علاقة ملايين المسلمين بهذه البقعة المقدسة، حيث إنها قبلتهم الأولى وثالث الحرمين الشريفين.

    وبعد الجهر بالدعوة الإسلامية وانتشارها، بدأ رسول الله محمد- صلى الله عليه وسلم- بتوجيه أنظار المسلمين وقلوبهم إلى القدس، فبعث في جمادى الأول سنة 8 للهجرة أول قوة إسلامية إلى بلاد الشام، على رأسها زيد بن حارثة.

    ثم أعد الخليفة أبو بكر الصديق جيشاً توجه بلاد الشام وتحرير بيت المقدس.

    وبعد أن فرغوا من بلاد الشام، وجهوا جزءاً من قواتهم إلى فلسطين، وفتحوا مناطق عديدة منها، وحاصروا القدس زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، واستمات الروم في الدفاع عن بيت المقدس، بيد أن إرادة المسلمين انتصرت على عناد الروم، ودخل عمر بن الخطاب المدينة، وتسلم مفاتيحها من البطريرك صفرونيوس، في ما عرف بالعهدة العمرية.

    الحروب الصليبية

    واستطاع الصليبيون في نهاية القرن الحادي عشر، الاستفادة من الانقسامات التي تعرض لها العالم الإسلامي؛ نتيجة الفتنة، وتقدمت القوات الصليبية في 7 يونيو 1099م، وحاصرت القدس، وفي ليلة 14 يوليو 1099، استطاعوا دخولها ودمروا ما شاء لهم أن يدمروا، ونهبوها وانطلقوا في شوارع المدينة، وإلى المنازل والمساجد، يذبحون كل من صادفهم من الرجال والنساء والأطفال، وهكذا استطاعوا الاستيلاء على بيت المقدس.

    وعندما قامت الدولة الأيوبية في مصر، دبت الحياة والقوة في الجهة الغربية من جبهات المعركة، وكان التحام الجبهات وتوحدها شرطاً ضرورياً، حتى يتم محاصرة الكيان الصليبي الغريب.

    وكانت تلك هي المهمة التي قام بها وقاد معاركها صلاح الدين الأيوبي إلى تم تحريرها حيث أنه في يوم الجمعة 3 أكتوبر 1187م، الذي وافق ذكرى الإسراء والمعراج، تم التوقيع على نسختي المعاهدة بالتسليم، ودخل العرب المسلمون القدس في 5 أكتوبر.

    الحكم العثماني

    بعد الانتصار الحاسم الذي حققه السلطان سليم الأول في معركة مرج دابق، شمال سوريا، في 1516م، دخل العثمانيون القدس في 28 ديسمبر 1516م (الرابع من ذي الحجة 922هـ)، وبعد ذلك بيومين، قام السلطان بزيارة خاصة للمدينة المقدسة، حيث خرج العلماء والشيوخ لملاقاة «سليم شاه»، وسلموه مفاتيح المسجد وقبة الصخرة.

    وفي الثلث الأخير من القرن السادس عشر، بدأت تظهر تصدعات خطرة في الدولة العثمانية، وبدأت في تراجع دام أكثر من قرنين، منذ أوائل القرن السابع عشر، وتعمق هذا التراجع في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.

    وكان لتلك التطورات آثار سلبية في القدس، وصاحب ذلك تدهور في الأمن العام، وخصوصاً على الطريق المؤدية للمدينة، حيث صعد البدو هجماتهم على قوافل الحجاج، وفرضوا عليهم الإتاوات.

    وبدأ القرن الثامن عشر بثورة، كان على رأسها نقيـب الأشراف محمد بن مصطفى الحسيني، واستمرت سنتين، وبعد ذلك أرسل الوالي نحو 2000 من الانكشارية والجنود إلى القدس، وتمكنوا من احتلال المدينة سنة 1705م.

    الانتداب البريطاني

    احتل الحلفاء مدينة القدس في 9 ديسمبر 1917م، وأنشأت بريطانيا حكومة عسكرية في فلسطين، قبل أن تكمل احتلالها لشمال فلسطين، في سبتمبر 1918م، ومهدت لصدور وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917. ومنذ البداية، ظهر التواطؤ الاستعماري البريطاني مع الصهيونية، حيث سمحت بريطانيا لوفد صهيوني برئاسة حاييم وايزمن بالحضور إلى القدس،.

    وقام الكولونيل رونالد ستورز حاكم القدس العسكري ببذل مساعيه ليعقد اجتماعات بين الوجهاء والأعيان الفلسطينيين من جهة، وأعضاء اللجنة الصهيونية، والتي كانت تقوم بشرح أهداف الزيارة لإزالة مخاوف الفلسطينيين من إقامة الوطن القومي اليهودي في بلادهم، من جهة أخرى.

    كما سمح المحتل البريطاني للجنة الصهيونية برئاسة حاييم وايزمن، أن تعقد اجتماعات في مدن فلسطين التي زارتها، وخلال ذلك شعر الفلسطينيون بعمق التحالف البريطاني- الصهيوني؛ ما دعاهم إلى تشكيل الجمعيات وإقامة المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية.

    وقام اليهود بتنظيم الاحتفالات في الذكرى السنوية الأولى لوعد بلفور؛ ما حدا بالفلسطينيين القيام بمسيرات معاكسة؛ عندها هددت بريطانيا الشعب الفلسطيني، بإلقاء القبض على أي شخص يقوم بالتظاهر، ورغم ذلك قامت أول تظاهرة فلسطينية في القدس وعلى رأسها موسى كاظم الحسيني رئيس بلدية القدس.

    وعقد أول مؤتمر عربي- فلسطيني في القدس في الفترة ما بين 27 يناير- 10 فبراير 1919م، حضره 27 مندوباً عن الجمعيات الإسلامية والمسيحية من مختلف أنحاء البلاد، وأعلن المؤتمر أن قراراته تعبر عن أماني ومطالب شعب فلسطين، وتتمثل في اتحاد فلسطين مع سوريا، واعتبارها جزءاً منها، ومنع الهجرة اليهودية.

    نجحت بريطانيا في الربط بين قضية فلسطين، ومشكلة اليهود «المشردين» في أوروبا، وأحالت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها إلى لجنتها السياسية، التي أقرت تشكيل اللجنة في 22 مايو 1947م، والتي أوصت بدورها تقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية، وعربية، وإنشاء نظام دولي خاص بالقدس ومنطقتها، الأمر الذي تم في 29 نوفمبر 1947 رفضته الهيئة العربية العليا للفلسطينيين.

    كما رفضته الدول العربية، أما الحركة الصهيونية التي كانت تصر على إقامة دولة يهودية على كل فلسطين، وجعل القدس عاصمة لدولتهم، فقد قبلت به على أساس تكتيكي، كونه ثمناً للحصول على قرار دولي بإقامة دولة لليهود.

    الاغتصاب الصهيوني

    عندما أعلنت بريطانيا اعتزامها الانسحاب من فلسطين يوم 14 مايو 1948، وضمن تلك الظروف التي صنعتها لولادة «الدولة اليهودية»، أخذت المنظمات اليهودية الإرهابية في تصعيد حرب الإبادة وأعمال العنف واستخدام الأساليب النفسية؛ لبث الذعر في نفوس عرب فلسطين، وإجبارهم على الفرار من بيوتهم، وأخذ الأراضي خالية من السكان.

    ونفذت المنظمات الإرهابية اليهودية، العديد من المجازر البشعة ضد المدنيين العزل، بهدف تشريد وتهجير الشعب الفلسطيني، ومنها المذبحة التي نفذتها العصابات اليهودية في قرية دير ياسين، بالقرب من القدس في 9 أبريل 1948، والتي أسفرت عن مقتل 250 فلسطينياً.

    ولاستيعاب الأعداد المتزايدة من المستوطنين، تم توسيع حدود سيطرة الاحتلال في القدس، وأصبحت تضم القرى العربية التي هجِّر منها سكانها العرب، كما جرى بناء أحياء للمستوطنين فوق أراضي عدد من الضواحي والبلدات القريبة من القدس بشطريها المحتل عام 1948 والمحتل عام 1967.

    وبرغم الجهود التي بذلتها سلطة الاحتلال وما زالت، رفضت غالبية دول العالم التعامل مع القدس عاصمة لإسرائيل، وتمثل هذا الرفض في امتناع هذه الدول عن إقامة سفاراتها، أو نقل بعثاتها إلى القدس، وكذلك في رفضها تقديم أوراق سفرائها لدى إسرائيل في القدس.

    مدينة مؤسسات منذ القدم

    القدس مدينة مؤسسات منذ القدم؛ ففي أواسط القرن السادس عشر، أقيمت في المدينة مؤسسة مهمّة، هي تكية أو عمارة (رباط ومطبخ) خاصكي سلطان، وقد أنشأتها (خاصكي سلطان) زوجة سليمان الروسية الأصل سنة 1551م، وسرعان ما أصبحت من أهم المؤسسات الخيرية في فلسطين.

    وكانت التكية مجمعاً بنائياً ضخماً، يضم مسجداً وخاناً ورباطاً ومدرسة ومطبخاً، وكان المطبخ يقدم يومياً مئات الوجبات لضيوف الرباط والصوفية والطلبة، والفقراء بشكل عام.

    وورثت مدينة القدس من زمن الأيوبيين والمماليك عدداً كبيراً من الأوقاف الإسلامية والمرافق العامة التي لقيت الرعاية في الفترة العثمانية وازداد عددها، وكان لهذا الوقف الإسلامي دور كبير في حياة القدس الاقتصادية، فقد تم توظيف مئات المواطنين، وزود مئات المنتفعين بدخل ثابت، كما أنه عمل على إنعاش كافة فروع الاقتصاد.

    3 ولايات

    منذ بداية الفتح العثماني، كانت القدس تتبع ولاية دمشق، وهي إحدى ثلاث ولايات تألفت منها بلاد الشام في ذلك الوقت، وقسمت كل ولاية إلى عدد من السناجق، وكان للقدس سنجقها الخاص الذي ضم الخليل والقرى المجاورة. وكان على رأس الإدارة حاكم اللواء (سنجق بك أو أمير اللواء)، وهذا المنصب مقصور على الأتراك العثمانيين تقريباً.

    وكان الحاكم رجلاً عسكرياً تمثلت واجباته الرئيسية في قيادة القوات المسلحة في السنجق أثناء الحرب، والمحافظة على النظام العام، والإشراف على الإقطاعيات العسكرية، وجباية الضرائب.

    كان للحاكم نائب يدعى «الكيخيا»، وكاتب يدعى «يازجي»، ويتبعه عدد من التراجمة، وكان الفرسان الإقطاعيون «السباهية» تحت إمرة الميرالاي. أما قوات الشرطة فكان يرأسها «السوباشي»، وكان للقلعة قائد خاص يدعى «دزدار»، يرتبط مباشرة بالحكومة المركزية، وتألفت حاميتها من السباهية وغيرهم من الجنود، إلا أن قوامها الرئيس هم الإنكشارية الذين كان يرأسهم «آغا».

    الحكم المدني

    أما الحكم الإداري «المدني»، فكان على رأسه القاضي، وعادة ما يكون تركياً يعين من إسطنبول لمدة سنة واحدة، وكان منصب القاضي مقصوراً على الأحناف (فالمذهب الحنفي كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية)، وكان قاضي القدس من القضاة الكبار في الدولة.

    وإلى جانب القاضي، كان هناك ثلاث شخصيات دينية واجتماعية بارزة في القدس، هي: المفتي، ونقيب الأشراف، وشيخ الحرم، وكان هؤلاء الثلاثة من المقادسة الذين يعينهم السلطان.

    طباعة Email