العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    هيثم يوسف حوّل جرحه إلى محرّك إرادة

    هادئ جداً لدرجة توحي بالكآبة، لكنّه ينفي تماماً أن يكون مكتئباً أو مهزوماً أمام الوضع الخاص الذي وجد نفسه فيه، شأنه شأن آلاف السوريين الذين تحوّلوا إلى جرحى حرب، سواء كانوا أطرافاً فيها أم عابري طريق أم حتى في فراش نومهم.

    قصة الشاب هيثم يوسف قد تكون واحدة من أكبر قصص التحدي على مستوى سوريا كلّها. لم توقف إصابته في النخاع الشوكي محرّك الإرادة والعزيمة في داخله، رغم أنها تدرّجت في نهش جسده وتوجّت النهش ببتر ساقيه من الحوض. لكن نصف الجسد هذا تقوده روح أكثر من مكتملة وأبعد من طبيعية. إنه الآن طالب جامعي ومشروع مدرب في قضايا الإعاقة، ويحلم في المشاركة مستقبلاً في معركة إعمار سوريا.

    هيثم يوسف ابن الـ 24 عاماً، من بلدة القلمون شمال غرب سوريا على الحدود مع لبنان، كان طالباً بمعهد للمحاسبة في دمشق قبل أن تدفعه الأحداث التي ألمّت بالبلاد لمحاولة إكمال دراسته في الأردن. منتصف 2014، اتخذ القرار وانطلق. وفي طريقه إلى الأردن، وعندما وصل منطقة درعا حيث دخل بلا قصد أو علم إلى ساحة اشتباك، أصابه طلق ناري اخترق عنقه وخرج من رئته اليمنى. وبعد علاج لبعض الوقت في أحد مشافي الرمثا، نقل إلى العاصمة الأردنية عمّان.

    الجسد والروح

    بعد خمسة أيام استيقظ من حالة فقدان الوعي التي أدخلته فيها شدة الإصابة وتمكّنها من الجسد دون الروح. في أحد مشافي الأردن أجرى الأطباء لهيثم سلسلة عمليات جراحية حيث كان يعاني من ضغط الفقرات على الحبل الشوكي. وبسبب وجود ثقب في الرئة اضطر الأطباء لوضعه 35 يوماً تحت الجهاز التنفسي والرقابة الشديدة.

    خمسة شهور في المستشفى، ذهب بعدها هيثم إلى مخيم الزعتري للاجئين السوريين، لاستخراج بطاقة هوية تتيح له التنقل ومخاطبة الجهات المعنية في الأردن. لكنّه عاد من المخيم محمّلاً بجرثومة نادرة وعنيدة فتكت بجسده وحيّرت الأطباء، وأضافت معاناة جديدة لمعاناته من التقرح الجلدي الناجم عن عدم القدرة على التقلّب والحركة.

    نقل إلى مستشفى المقاصد الأردني ليمكث فيه ثلاثة شهور إذ إن الجرثومة التي استمدت عنادتها من تعقيدات الأزمة السورية، أنتجت التهاباً شديداً جداً، إلى درجة خشي معها الأطباء من أن يتسبب بقاؤها دون علاج جذري في انتقال الالتهاب من العضل إلى العظم، ما يعني إنتاج كريات دم مصابة بالجرثومة وانتشارها في كل أنحاء الجسم، وهذا من شأنه التسبب بمضاعفات أشد خطورة وقد تعني النهاية. كان القرار النهائي للأطباء، والحالة هذه، إجراء عملية بتر متتالية للساقين من منطقة الحوض بفارق شهر ونصف الشهر بينهما.

    رحلة علاج

    انتقل هيثم إلى مركز «سوريات بلا حدود» لتلقي العلاج الطبيعي والفيزيائي، وتعلّم مهارات الحياة اليومية والاعتماد على نفسه في التنقل وقضاء احتياجاته داخل البيت، ومنه إلى السيارة وإلى أي مكان يحتاج الوصول إليه. عملية العلاج الطبيعي هذه دامت قرابة السنة.

    لم يكن لهيثم أن يستسلم أو يستكين، حيث يدرك أن الحياة تنتصر لمن ينتصر لها، فقرر أن يستأنف رحلته الدراسية، وطلب من أهله الذين كانوا في تركيا أن يبعثوا له أوراقه الثبوتية. ولأنه من الصعوبة بمكان التعامل بحدوده الدنيا مع الدراسة الجامعية لمن هم في مثل حالته، التحق بمراكز خاصة تلقى فيها دورات تدريبية وتعليمية في مجال الإعاقة ودعم النظراء تحت مسمى «التربية الخاصة»، الأمر الذي أنضج إمكانية الدراسة، فالتحق بجامعة عمّان العربية الخاصة على طريق جرش. وهو الآن في السنة الثانية ويقيم في مركز «سوريات بلا حدود»، يذهب منه إلى الجامعة ويعود إليه. أما تمويل دراسته، فتتولاه جهات مانحة.

    هيثم في ظروفه التي لم يخترها وجد نفسه وسط نوع جديد من الأهل، أناس يقاسمونه الجروح والجراح، وآخرون يتولون رعايته صحيّاً ودراسياً، وبعض كتب يطالعها، وأجهزة طبية يغمض عينيه ويفتحهما عليها. لكنّه بين الحين والآخر يتواصل مع أهله الأصليين المقيمين لجوءاً في تركيا، من خلال الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، ولكي يتمكن من لقائهم مباشرة عليه أن يذهب إلى تركيا.

    رسالة

    يوجّه هيثم يوسف رسالة إلى من تعرّضوا أو قد يتعرّضون للإعاقة أو الإصابة بألا يستسلموا بل أن يخوضوا معركة تحدي الإصابة والإعاقة. ينصحهم بعدم الإحساس بأنهم عالة على المجتمع أو أنهم مجرّد مستهلكين. وحتى يكونوا منتجين يجب أن يكونوا حاملي شهادات وأصحاب تخصّصات، لا أن تستوعبهم المؤسسات من باب الشفقة والتعاطف. يجب أن يكونوا طبقة منتجة، وأن يكونوا جاهزين للمساهمة في إعادة إعمار سوريا.

    طباعة Email