قضية

سوريا ما بعد انهيار معاقل الإرهاب

طفل سوري يدفع بدراجته وسط شارع مدمر بفعل الحرب | أ.ف.ب

انتهى تنظيم داعش الإرهابي من المنطقة وإلى الأبد، بعد انهيار كل معاقله الرئيسة في سوريا والعراق وأصبح مجرد فلول إرهابية، تتنقل من مكان إلى آخر منزوعة القوة والإرادة، لتطوي المنطقة حقبة سوداء من تاريخها الذي لطخه إرهابيو التنظيم بالدم، أرعب شعوب المنطقة قاطبة ودمر القيم الحقيقية للإسلام، ولعل إعلان تحرير الرقة وإنهاء التنظيم من دير الزور.

وتطهير الأحياء العراقية القريبة من الحدود السورية، وأخيراً البوكمال سيكون الفصل الأخير من حياة هذا التنظيم. ولكن السؤال الكبير بعد انهيار هذه الجماعات وتحولها إلى أفراد غير قابلين للتفعيل، ماذا سيكون مستقبل هذه المناطق، التي كانت عواصم وهمية للإرهاب.

وماذا سيكون مستقبل هذه الدول التي كان التنظيم يصول ويجول فيها، وماذا عن إمكانية التخلص من هذه الأيديولوجية الخطرة على المنطقة، ومن هي القوى التي تضطلع بمهمة دفن فكر هذا التنظيم.

الأجندة الأميركية

في الثامن من نوفمبر، تحرك وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس إلى أوروبا في الوقت الذي تنهار فيه معاقل التنظيم في سوريا والعراق. وأجرى محادثات مع نظرائه من حلف شمال الأطلسي في بروكسل لمدة يومين حول ملفات ساخنة مثل أفغانستان وكوريا الشمالية وروسيا وسوريا ثم مع التحالف الدولي بقيادة واشنطن، الذي يحارب تنظيم داعش.

وحازت، بحسب ما تسرب من معلومات لوسائل الإعلام، مسألة القضاء على «داعش» الحصة الأكبر من محادثات وزير الدفاع مع الجانب الأوروبي، بل إن ماتيس بحث في مقر الحلف الأطلسي مع 60 وزيراً وممثلاً عن الدول المشاركة في التحالف الدولي ضد التنظيم، كيف سيكون الوضع في سوريا والعراق بعد زوال «داعش».

ويقول الكاتب الأميركي في صحيفة «واشنطن بوست» ديفيد إغناتيوس، إن بالون تنظيم داعش الأسود قد فرغ من الهواء سريعاً في سوريا والعراق.

ويضيف الكاتب، يبدو أن المواجهة الأميركية مع النظام السوري وروسيا، قد خفت، على الأقل حتى وقتنا الحالي، مؤكداً أن القوات التي يقودها الأكراد، المعروفة باسم «قوات سوريا الديمقراطية»، أثبتت أنها تستطيع هزيمة «داعش»، ما دام أنها تحظى بالتغطية الجوية من القوات الأميركية. وربما كانت معركة الطبقة، التي نشبت في مايو الماضي الأكثر طموحاً والأجرأ في تلك الحرب.

إذاً «داعش» بات من الماضي، والحديث الآن عن الاستراتيجية التي ستعقب هذا التنظيم على المستوى الأمني وعلى المستوى الاقتصادي والسياسي أيضاً. يقول الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية، رياض درار لـ«البيان» بعد تحرير الرقة، تسلم المجلس المدني في المدينة شؤون المدينة وبدأ بالتواصل الدولي. واجتمع المجلس في روما مع 11 دولة وتلقى وعوداً بالدعم من أجل إعادة الإعمار.

إعادة الإعمار

وهذا الأمر ينطبق على دير الزور، وهناك دول مضمونة في إطار إعادة إعمار دير الزور. ويضيف درار، أن الشعب السوري بعد هذه المحنة أدرك الخطأ من الصواب ولم يعد أحد قادر التحايل عليه، خصوصاً من القوى المتطرفة، مؤكداً أن البديل على المستوى الاجتماعي خصوصاً في المناطق الشرقية هو الوسطية والاعتدال وقبول الآخر، تمهيداً لمرحلة البناء.

أما المدير التنفيذي لشبكة دير الزور 24 عمر أبو ليلى فقد قال لـ«البيان» إن الأمور بعد القضاء على تنظيم داعش في المناطق الشرقية ستتجه نحو الأفضل، خصوصاً في العلاقة من قوات سوريا الديمقراطية، التي بالفعل هي من قاتلت «داعش»، لافتاً إلى أن المدنيين في دير الزور وكذلك في الرقة يميلون إلى الحل السلمي والتعايش المشترك بعد نهاية حقبة الكراهية والخوف، التي خلفها التنظيم.

وأضاف أبو ليلى، إن أهالي المناطق الشرقية سئموا الحرب، ومن حالة الخداع على يد المعارضة وغيرها من القوى الأخرى، وهي الآن مستعدة للتعايش والعودة إلى مناطقها في حال كانت هناك ضمانات للعيش دون خوف من قوات النظام السوري أو المليشيات الطائفية.

وأشار إلى أن داعش انتهى وإلى الأبد، إلا أن هناك مسؤولية على القوى الدولية أن تساعد المدنيين في إعادة إعمار مدنهم التي تدمرت بفعل الحرب، مؤكداً نهاية فكر التطرف وإلى الأبد من المناطق الشرقية.

حكم مدني

أما الخبير أحمد حمادة فقال، في المحصلة، إذا لم تكن هنالك آفاق في كل من العراق وسوريا، مع اختلاف الحالة السورية التي تتوفر على بدائل سنية عسكرية قوية، وعادت المعادلة السياسية إلى ما كانت عليه قبل بروز «داعش»، فإن النتيجة ستكون شبيهة. أما في سوريا، فإن غياب الآفاق السياسية يخدم الخراب، لافتاً إلى أنه لا بد من مشروع سياسي في المناطق التي اندحر فيها التنظيم من أجل ملء الفراغ.

وأضاف أن المستقل لن يكون في صالح القوى المتطرفة، التي جربتها شعوب المنطقة، خصوصاً وأن كل المناطق التي يسيطر عليها «داعش» أو «النصرة» باتت مناطق موت بطيء، وهذا يجعل الشعوب تدرك أنه لا حياة في ظل وجود هذه القوى.

أما الكاتب والمعارض السوري، فايز سارة فيرى أنه لا بد من الإسراع بإحلال إدارات مدنية في المناطق الخارجة عن سيطرة «داعش» بدل الإدارات العسكرية، التي قادت عمليات تحرير تلك المناطق، وثمة حاجة حقيقية في أن تكون الإدارات المحلية منتخبة، ولها مستوى من الاستقلال الفاعل، في ما يتصل بالحياة اليومية وضمنها موضوع الأمن الداخلي من أجل إخراج السكان من بيئة التشدد والتطرف إلى حياة عادية.

مهمة صعبة

وأضاف فايز أن فترة ما بعد التحرير ستكون الأهم والأصعب بالنسبة للمناطق التي تم انتزاعها من التنظيم، فالحرب رغم قساوتها وسوء نتائجها، تظل أسهل من إعادة الحياة لطبيعتها في تلك المناطق المدمرة، والتي لا تتوفر فيها موارد وفرص عمل وسكن وتعليم وصحة.

الرأي اللافت في مسألة داعش ونهاية حقبة الشر، جاء من المفكر محمد شحرور، الذي تساءل قائلاً: بعد كل ما ارتكبه «داعش» وكل الاستنكار لأعماله هل يمكننا التفاؤل بعدم عودته مرة أخرى تحت مسمى آخر؟ أم هو ترف من خيال لا يمكننا أن نطمح له؟ أعتقد أنه طالما لا نملك الجرأة على مراجعة أدبياتنا ونقدها فسنبقى ندور في حلقة مفرغة، تطغى علينا النزعات الطائفية والآبائية، في تقديس أعمى لموروث له ظروفه ومعاييره.

وأضاف شحرور، إن كتاب الله واضح أمامنا، يبين لنا الحق والباطل، يقدم لنا الإسلام من إله رحيم رؤوف حكيم، خلق الناس ليعمروا الأرض وينالوا جزاء أعمالهم بخيرها وشرها في اليوم الآخر، وفق عدالة إلهية مطلقة لا يمكن لمقاييسنا الإنسانية الإحاطة بها، تأخذ تحت ظلها كل أهل الأرض.

تفكك تنظيم

منذ اللحظة الأولى التي بدأ التنظيم يتهاوى في سوريا بدءاً من مدينة دابق في الشمال السوري، أصيب التنظيم بالتصدع، إذ تبين أن معظم القيادات السورية تخلت عن التنظيم خلال الحرب ضد قوات درع الفرات. وقد أكدت قيادات في درع الفرات لـ«البيان» أن معظم القيادات من الصف الأول والثاني في «داعش»، كانت تعمل من أجل المال، وبالتالي ليست هناك قيم أو دوافع أيديولوجية حقيقة، ولهذا سرعان ما اندحر التنظيم من كل الشمال السوري.

وقال أحد المحققين البارزين مع مقاتلي «داعش»، إن المقاتلين السوريين في الأغلبية ليسوا متعلمين أو مدربين على مستويات كما هي في حالة المهاجرين، وهذا الأمر يجعل تمسك السوري بالتنظيم أقل. وأضاف إبراهيم النجار لـ«البيان» إن داعش فقاعة عسكرية، فهو يعتمد مبدأ الصدمة والتخويف، وبالتالي يحكم ويعيش على هذه الفلسفة، لافتاً إلى أن القيادات الخارجية قسم منها قتل والآخر هرب واختفى، وهذا ما سيجعل التنظيم يذهب إلى غير رجعة.

ورأى أن البديل عن داعش في المناطق التي تم طرده منها، ليس بالضرورة أن يكون الجيش الحر أو فصائل عسكرية، وإنما قوى مدنية قادرة على ضبط الأمور وتحظى باحترام المدنيين، ذلك أن المدنيين سئموا من الحالة الفصائلية العسكرية طوال سبع سنوات من الصراع.

شياطين الظلام

ويقول مراقبون إنه إذا لم تعمل الجهات صاحبة القرار على ملء الفراغ الذي خلفه التنظيم بإدارات مدنية ذات وعي كبير ومسؤولية عالية وتسرع إعادة الإعمار في المناطق التي دمرتها الحرب فإن شياطين الظلام جاهزون وإن «جرة التطرف والإرهاب بها أكثر من عفريت» يمكنه أن يخرج ليغطي على ذلكم الفراغ، ولفت المراقبون إلى «داعش» عملياً انتهى.

ولكن هناك تنظيمات لا تقل خطورة عنه ما زالت تعمل في سوريا ولها مؤيدون وداعمون بالمال والسلاح وهي على أهبة الاستعداد لطرح نفسها بديلاً خاصة أنها تتفق و«داعش» في الأيديولوجية بنسبة كبيرة جداً.

المعركة المقبلة.. الممسك بالأرض يملي شروطه

يعد طرد تنظيم «داعش» من آخر معاقله في سوريا منعطفاً جديداً وحاسماً في مصير القوات الأجنبية الموجودة على الأرض السورية التي تشهد الآن حرباً تعد الأوسع نطاقاً خلال العشرية الأخيرة.

وربما كانت القوات الأميركية والروسية وهما القوتان الأعظم في العالم الآن في التفكير ملياً في وضع الطرفين، وما هو المستقبل القريب منه والبعيد هل ستكون هناك اتفاقيات وقف إطلاق نار محلية، أم سيشتد الضغط من أجل محادثات سلام أوسع نطاقاً، أو مزيد من الصراعات، أو كل ما سبق.

في سبتمبر كسرت القوات السورية بدعم من الغارات الجوية الروسية والميليشيات المدعومة من إيران حصارا فرضه داعش منذ 3 سنوات على مدينة دير الزور، الواقعة على الضفة الغربية من نهر الفرات، وقاعدة جوية قربية قبل أن يتمكن من السيطرة عليها بداية الشهر الجاري.

وسخر النظام لتلك المعركة مجموعة كاملة من الأصول العسكرية، ما يعني رغبته في إعادة فرض سلطة حكومته على أكبر قدر ممكن من سوريا، لا سيما مواردها الاقتصادية الضخمة والمناطق الحدودية الحساسة.

وبعدها بأيام قليلة بدأت خطوة مضادة، حيث تخلت الميليشيات الكردية المسلحة من قبل الولايات المتحدة عن معركتها الخاصة ضد داعش في الرقة، من أجل التوجه بسرعة فائقة نحو دير الزور، التي تبعد حوالي 120 كيلومترا عن الجنوب الشرقي، واستولوا على العديد من منشآت البترول والغاز، بما فيها أكبر حقول البلاد؛ حقل غاز «كونيكو» وحقل البترول «العمر».

محاولة إنهاء الحرب

يقول كبير المحللين العسكريين في مركز ستراتفور الأميركي للدراسات الاستراتيجية والأمنية عمر لامراني، بحسب بلومبيرغ إن «زوال تنظيم داعش كقوة تقليدية هذا العام سيمنح الموالين الزخم والفرصة لمحاولة إنهاء الحرب العام المقبل». فيما يرى جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما:

«نحن في المرحلة النهائية.. بمعنى أنها لن تكون بالتأكيد ثورة معارضة»، موضحاً: «توجد نهاية مهلهلة هنا».

مفترق طرق

والأكراد الذين يشكلون أقل من 10% من الشعب السوري، والذين استطاعوا بناء قوة قتالية معقولة بمساعدة غربية تجنبوا مواجهة قوات النظام بصورة كبيرة، واقتطعوا منطقة شبه ذاتية الحكم في الشمال والشمال الشرقي بدعم الولايات المتحدة، وقادوا المعركة ضد داعش.

ويتوقع لامراني من مركز ستراتفور أن دمشق ستتوصل إلى تفاهم حول حد أدنى من الحكم الذاتي في المناطق الكردية، ويضيف: «سيمنحهم النظام السوري حق وجود اللغة الكردية في المدارس والمجالس المحلية. لكن فيما يتعلق بالأمن والسياسة الخارجية فلن يتم منحهما إلى الأكراد أبداً، لأن هذا يعني تقويض حكم النظام المركزي».

من جانبه، يعتقد روبرت فورد، زميل أول في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، والسفير الأميركي السابق لدى سوريا في الفترة من 2011 إلى 2014، أن هذا المستوى من العرض المقدم من المحتمل ألا يستمر، ويوضح أن الحكومة السورية ربما تقبل نوعاً من الاتفاق مع الأكراد، لكنها لن تستمر في القيام بذلك، لأنها ستخاطر بمطالبة محافظات أخرى بأمور مشابهة.

ويقول أيهم كامل، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة أوراسيا: «سيواجه النظام الأكراد في نهاية المطاف.. إنها مسألة وقت». على صعيد آخر، تعارض تركيا جميع الخطوات نحو حكم ذاتي كردي في شمال سوريا، خشية أن يشجع هذا مجتمعها الانفصالي، وخلال الشهور الأخيرة جعلت تركيا سياستها في سوريا موازية بصورة متزايدة لتلك الخاصة بروسيا.

مزيد من المعارك

وفي مناطق أخرى في سوريا بحسب تقرير موقع بلومبيرغ يستمر احتمال اندلاع العنف في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، محافظة إدلب في الشمال الغربي، ونصف درعا في الجنوب الشرقي، ومحافظة الغوطة الشرقية بالقرب من دمشق، لكن من غير المحتمل أن يستمر هذا العنف كثيرا، حسب لامراني الذي أضاف «إذا استولوا على إدلب، وإذا تمكنوا من الوصول إلى الغوطة، سينتصرون.. هذا هو الأمر».

 

تعليقات

تعليقات