«الدولـة القـزم» تتـلاعب بالذمم وتشتري تنظيم كأس العالم

دعم الإرهاب يهدد «مونديال 2022» ويعيد فتح ملف الفساد

صورة

ما زرعت يداها تجني قطر، لم يدر بخلدها ربما أن ينقلب عليها ما اقترفت من جرم وما دفعت من رشى للظفر بتنظيم كأس العالم 2022، لم ينس لها العالم ذلك ويبدو أنّه لن يفعل، فها هي أكبر عتاة منتخباته والفائر بآخر نسخة «المنتخب الألماني» يلوّح بمقاطعة المونديال بعد تكشّف دعم قطر الإرهاب فالقلق بادٍ على مسؤوليه الذين يعتزمون إبلاغ الحكومة الألمانية بمخاطر هذه القضيّة التي باتت تمثّل هاجساً كبيراً لهم، بينما الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» خائف في الآن ذاته في صمت من مخاطر إقامة مونديال في بلد يطارده دعم الإرهاب من طريق ومن الآخر فضائح ملف العمال الأجانب في منشآت المونديال.

ولم يستعبد رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم راينهارد جريندل، من الناحية المبدئية مقاطعة منتخب «المانشافت» لكأس العالم 2022 في قطر وذلك بعد دعمها للإرهاب.

وقال جريندل في مقابلة نُشِرَت أول من أمس على الموقع الإلكتروني للاتحاد الألماني: «لا تزال هناك خمسة أعوام حتى انطلاق المونديال، وخلال هذا الوقت لابد أن تكون الأولوية لوضع حلول سياسية للتهديدات بالمقاطعة، لكن هناك شيئاً ثابتاً بغض النظر عن هذا وهو أن البطولات الكبرى لا يمكن أن تُلْعَب في بلدان ناشطة في دعم الإرهاب».

ولم يخف جريندل اعتزامه الاتصال مع الحكومة الألمانية بعد تلقيه الاتهامات الراهنة والخطيرة باهتمام بالغ وبقلق على حد قوله.

وفيما لم يعلّق الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» بعد على الأحداث، لفت إلى أنه يجري اتصالات بشكل منتظم مع اللجنة المنظمة المحلية وجهات أخرى مهتمة بالشؤون المتعلقة بمونديال كأس العالم 2022، فيما كان «الفيفا» قد أعلن تصريحات مشابهة، بعد توجيه انتقادات إلى الظروف التي يعمل بها العمال الأجانب في منشآت كأس العالم في قطر.

وتحدث جريندل العضو السابق في البرلمان عن حزب المستشارة انجيلا ميركل المسيحي الديمقراطي، والعضو الحالي في لجنة الحكم الرشيد التابعة للفيفا، عن فشل القيام برحلة إلى قطر في مايو الماضي، قائلاً: «كنت أود أن آخذ صورة بنفسي عن الموقف على الأرض في مواقع البناء وتوجيه أسئلة حرجة في قطر، غير أنّ القطريين ألغوا زيارة كان مقرراً القيام بها مباشرة بعد كونغرس الفيفا في البحرين»، منّهاً إلى أنّ إلغاء الزيارة جاء قبل وقت قصير من موعدها المقرر.

لقد كان أصل الحكاية عندما أفاق العالم على صدمة كبرى في الثاني من ديسمبر 2010، بإعلان «الفيفا» منح قطر شرف تنظيم مونديال 2022، على حساب الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا، في واحدة من أكبر المفاجآت غير المنطقية التي عرفتها الرياضة، ومنذ تلك اللحظة بدأت تساؤلات العالم عن الطريقة التي تمكنت بها قطر أو الدولة القزم كما يطلق عليها في كثير من وسائل الإعلام الغربية من الوصول إلى منحها الاستضافة.

يبدو أن العقلية القطرية المعتادة على الفساد، والوصول إلى الأهداف بأسهل الطرق، مستخدمة ثروتها بشكل غير مشروع من أجل تحقيق غايات أجهدت الدول سنوات وسنوات من أجل الوصول إليها، إلّا أنّ العقلية القطرية التي تعتقد أن الأموال هي كل شيء، لا يمكن أن تتغير فبعد أن صنعت منتخبات بسرقة مواهب الدول الأخرى، ها هي تسرق شرف تنظيم أكبر بطولة في العالم الرياضي، وحتماً ستواصل في طريقها الفاسد من أجل الحصول على غايات يسعى إليها الآخرون بشرف ونزاهة.

ولعل أول من تنبه إلى هذا الأمر كان الفرنسي جيروم فالكه الأمين العام السابق لفيفا، وأحد رموز الفساد في المنظمة الدولية الرياضية، وكان طبيعياً جداً أن يلاحظ الفاسد فالكه التصرفات التي يقوم بها الملف القطري من أجل الحصول على شرف تنظيم مونديال 2022، فلا يكشف الفاسد إلا فاسد مثله.

كشفت رسالة إلكترونية لفالكه تمّ نشرها من قبل جاك وارنر أسطورة الفساد في الفيفا، قال الأمين العام للفيفا وهو يتحدث عن مساعي محمد بن همام للحصول على منصب رئيس الفيفا: «هذا الأمر غريب، يعتقد بن همام أنه سيحصل على دعم العالم العربي ضد بلاتر، هذا أمر لا يمكن أن يحدث، عليك أن تؤكد دعمكم لبلاتر، وكذلك منطقة كونكاكاف، هذا عدم احترام لبلاتر، إنه يبحث عن رئاسة فيفا على حساب الرجل الذي قاده إلى قمة العالم، لا يمكن أن يحصل على أصوات تكفي لذلك».

وختم فالكه: «هل يعتقد بن همام أنه سيشتري رئاسة الفيفا كما أشترى حق تنظيم مونديال 2022».

تخطيط مبكر

وكان من الواضح أن الملف القطري من أجل تنظيم مونديال 2022، يدرك أن لا قدرة له على التغلب على الملف الأميركي أو الأسترالي بطريقة مشروعة.

لذا كان يخطط منذ البداية من أجل أن يتلاعب بالأصوات، ويحصل على أكبر قدر ممكن من الأصوات عبر شراء ذمم أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي، لذا كانت الخطوة الأولى، والتي استغرب منها العالم في ذلك الوقت ولكن الجميع عرف السبب لاحقاً، هي إبعاد محمد بن همام عن لجنة ملف قطر 2022، وتبين السبب بعد أن تكرر اسم بن همام في جميع علميات شراء الأصوات.

وكان هو العامل المشترك لجميع عمليات الفساد، وكان الملف القطري ينفي بشدة مشاركته في شراء الأصوات، أو اتهامات الفساد، مدعين أن بن همام تصرف بمفرده، بل وصل الحال أن أمرت الحكومة القطرية بن همام بالانسحاب من سابق رئاسة فيفا قبل ساعات من التصويت، حتى ترضي بلاتر الذي هدد بإثارة موضوع استضافة مونديال 2022، إذا خسر الانتخابات.

كما تعهد في الوقت نفسه، بحرمان قطر من تنظيم البطولة إذا فاز في الانتخابات، لتسارع الحكومة القطرية بالضغط على بن همام وتجبره على الانسحاب على الرغم من ثقته في الفوز، إذ كان الرجل قد اشترى بالفعل أصوات 137 عضواً بالجمعية العمومية للاتحاد الدولي لكرة القدم.

تأكيد

وبدأت الشكوك التي حامت حول فوز قطر بشرف تنظيم مونديال 2022 تتأكد، عقب كشف صحيفة صنداي تايمز عن أدلة جنائية تؤكد وجود علاقة خفية بين بن همام وجاك وارنر الذي شغل منصب رئيس اتحاد الكرة الكاريبي، والذي تلقى 450 ألف دولار من بن همام قبل التصويت على ترشيح قطر لاستضافة كأس العالم 2022.

ونشرت صحيفة صاندي تايمز البريطانية تقريراً تقول فيه إنها حصلت على عدد كبير من الوثائق، تتضمن رسائل إلكترونية وخطابات وتحويلات مصرفية، تؤكد أنها دليل على دفع القطري محمد بن همام، مبالغ مالية قيمتها 5 ملايين دولار لمسؤولين، مقابل دعمهم ترشح قطر لاحتضان نهائيات كأس العالم.

وقالت صاندي تايمز إن بن همام البالغ من العمر 65 عاماً، كان يسعى لكي تفوز بلاده بالمنافسة على التنظيم على الأقل عاماً قبل إجراء التصويت لاختيار الدولة الفائزة. وتبين الوثائق كيف كان بن همام يدفع مبالغ مالية لمسؤولين في كرة القدم في إفريقيا، من أجل شراء دعمهم لملف قطر في المنافسة.

وتقول «صاندي تايمز»، إن استراتيجية بن همام كانت الحصول على دعم المسؤولين الأفارقة في الفيفا الذين يشاركون في التصويت. وتضيف أنها حصلت على وثائق تثبت أن بن همام دفع 305 آلاف يورو لتغطية مصاريف قضائية لمسؤول سابق في الاتحاد الدولي عن أقيانوسيا، اسمه رينالد تيماري.

وكان تيماري، وهو من تاهيتي، ممنوعاً من التصويت لأنه أوقف بسبب قضية رشوة، ولكن الصحيفة تقول إن بن همام وفر له الدعم المالي لتقديم استئناف قضائي لإلغاء قرار إيقافه حتى لا يصوت نائبه ديفيد تشانغ بدلاً منه.

وتقول الصحيفة أن تشانغ كان سيمنح صوته لأستراليا، منافسة قطر، وكان غياب ممثل أقيانوسيا لصالح قطر في الانتخابات. وقالت الصحيفة إن بن همام وضع مبالغ تصل إلى 200 ألف دولار في حسابات مصرفية لرؤساء 30 اتحاداً أفريقياً لكرة القدم، فضلاً عن تنظيمه لسهرات فخمة في أفريقيا، حيث سلم مزيداً من الأموال مقابل دعم ملف قطر.

إعادة تصويت

دعا رؤساء فرق كرة قدم وسياسيون وخبراء مكافحة الفساد إلى إعادة التصويت لاختيار البلد المُستضيف لكأس العالم عام 2022.

ووصف راجي ألكسندرا، عضو سابق بالإدارة المستقلة للجنة الفيفا، الأدلة التي يقدمها التقرير بأنها دامغة، كما صرح جون ويتينغدالي، رئيس لجنة الثقافة بمجلس العموم، لا شك الآن في وجوب إعادة التصويت بشأن البلد الذي ستعقد به كأس العالم في عام 2022.

ومع ذلك، تظهر الوثائق التي تسربت الاتصال الوثيق لابن همام مع قادة لجنة التصويت، على غرار ترتيبه لرحلة فخمة قدم خلالها مبالغ طائلة لمسؤولي كرة القدم مقابل دعمهم للمشاركة القطرية.

سخرية

وسخر العالم من النفي الذي قدمه ملف قطر 2022 عندما أكد عدم وجود أي علاقة لهم بابن همام، مؤكدين أنه لم يلعب أي دور سري في حملتهم.

وتكشف ملفات التقرير أن بن همام استضاف ثلاثة أعضاء أفارقة في المكتب التنفيذي لـ «فيفا»، إلى جانب 35 مسؤولاً لكرة القدم في أفريقيا في إطار رحلة بالدوحة في ديسمبر 2009 مولتها اللجنة القطرية. وتبين مراسلات البريد الإلكتروني مع بعض المسؤولين، أنه مارس ضغطاً عليهم لدعم استضافة قطر لكأس العالم، مقابل مبالغ كبيرة.

من ناحيته، وعد جون موينغو، رئيس اتحاد كرة القدم في ناميبيا، بن همام، عبر البريد الإلكتروني، أن الاتحاد سيواصل دائماً دعمه التام له في جميع الأوقات. وأضاف: نود تلقي مساعدات تصل قيمتها إلى 50.000 دولار لبناء ملاعب لكرة القدم. وأجاب بن همام شخصياً، متعهداً بأنه سيتم تسليم المبلغ بأسرع وقت.

شكر

وفي إطار مراسلات مع زميله القطري، أكد عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي، جاك أنوما، دعمه بن همام، إثر إقامته بالدوحة في الشهر نفسه. وكلف الأمين العام لاتحاد ساحل العاج أن يراسل بن همام بالنيابة عنه ويعده بمساندته التامة للمشاركة القطرية.

ثم وجه بنفسه رسالة بالبريد إلكتروني إلى بن همام، معرباً عن شكره وامتنانه لكرم الضيافة الذي تلقاه هو وزوجته، مضيفاً: أنقل شكري إلى الحكومة القطرية، على كرمها وما قدمته لي. وأضاف أود أن أؤكد لكم عزمي على ضمان أن تترجم المناقشات التي أجريناها معاً خلال إقامتي بينكم إلى إجراءات ملموسة.

إعجاب

بدوره راسل ديفيد فاني، رئيس اتحاد كرة القدم في بوتسوانا بن همام عبر البريد الإلكتروني، إثر رحلة إلى الدوحة، ليعرب عن إعجابه الشديد بالتحضيرات التي حققتها قطر لاستقبال كأس العالم 2022. وقال ليس لدى أي شك في أن بلدكم سيكون جاهزاً، وحتى من دون تصويت، أتعهد بدعمي لكم في هذا الشأن.

وأضاف: إذا كان هناك أي شيء يمكنني القيام به، بغض النظر عن قيمته، لمساعدتكم، سأكون سعيداً بمنحكم مساندتي الكاملة، سأراسلكم في العام الجديد بشأن تقديم المساعدة إلى جمعية بوتسوانا لكرة القدم، وفقاً لناقشنا بهذا الشأن، في 21 ديسمبر 2009.

وتكشف الملفات كذلك أن بن همام استخدم ثروته لعرقلة التصويت لصالح أستراليا، والتي كانت المنافسة لقطر في تنظيم كأس العالم 2022، ولإنجلترا في مسابقة عام 2018.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات