حرب بلا أفق وإجراءات بلا تنفيذ

الإرهاب والفساد والتهريب.. مثلث خراب يتهدد تونس

«الإرهاب والفساد والتهريب» ثلاثية الخراب، في تونس لم يعد يمر يوم فيها دونما يتصدر هذا الثلاثي أخبار الصالونات أو أجهزة الإعلام لذا لم يستغرب التونسيون اعتراف رئيس حكومتهم يوسف الشاهد بأن الحرب على الفساد أخطر بكثير من الحرب على الإرهاب.

فالبلاد التي دشنت انتفاضات الربيع العربي منذ أكثر من ستة أعوام تحت شعارات الإطاحة بالنظام الفاسد، شهدت اتساعاً لظاهرة الفساد بشكل غير مسبوق، جعل مسؤولين سياسيين وناشطين حقوقيين يؤكدون أن نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي لم يعرف ما تعرفه البلاد حالياً من استشراء الرشوة والمحسوبية والاعتداء على المال العام.

وهو ما ترجمه الرئيس الباجي قائد السبسي بالقول إن الفساد خلال العهد السابق كان منحصراً في عدد من المؤسسات والأفراد أما اليوم فقد استشرى وأصبح ظاهرة عامة في كل القطاعات والأوساط «لهذا يجب مقاومة الفساد وإرساء حوكمة رشيدة»، وفق تعبيره.

كما أقرّ السبسي بوجود طبقة استغلت هشاشة الدولة وضعفها في السنوات الأخيرة وأصبحت تتحكم في المشهد الاقتصادي والإعلامي، مشيراً إلى أنّ هذا الانفلات مقابل عدم ردّ فعل من الدولة ساهم في تكون «عصابات» تتمتع بالنفوذ المالي وتستطيع شراء الذمم.

ويرى المراقبون أن الفساد قد نخر معظم أجهزة الدولة بما في ذلك الأمن والقضاء والإدارة الحكومية والإعلام، كما بات قادراً على توجيه الرأي العام بمنظومة متعددة المشارب والاختصاصات، ما جعل رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب يعلن أن مؤشرات الفساد في بلاده قد ارتفعت بعد الثورة.

ويحذر من تحول الفساد في تونس إلى آفة وطنية ومن خطر الاتجاه نحو دولة مافيا، وفق تعبيره، مؤكداً ضرورة إيجاد إرادة سياسية وشعبية في مكافحة الفساد وعدم التغاضي عما أسماه بالفساد الصغير، وتعترف السلطات التونسية بأن المعركة ضد الفساد وإن كانت مصيرية إلا أن الحسم فيها لا يزال بعيداً، حتى إنها تبدو حرباً بلا أفق.

حيث أوضح وزير الوظيفة العمومية والحوكمة عبيد البريكي «أن الفساد في تونس استشرى بعد الثورة في كافة مفاصل الدولة ولم تعد محاصرته أمراً يسيراً، وتظل مكافحته من الأولويات المطروحة في وثيقة قرطاج التي تشكلت بموجبها حكومة الوحدة الوطنية في صيف 2016 فهو مسألة خيار مدروس يجب أن تتوافر الإرادة السياسية لتحقيقه».

وأردف البريكي أن مكافحة الفساد تفرض وضع ترسانة قوانين تتضمن في جانب منها الإجراءات التشريعية الوقائية للتقليص من الأرضية التي أفسحت المجال أمام انتشار الفساد ولسد منافذه، على غرار مراقبة الصفقات العمومية وتفعيل دور المواطن الرقيب، وفسح المجال أمام الإعلام ليتطرق لهذه المسائل بشكل حر وللتشهير بالفساد.

كما نبه إلى أن الحديث عن إقرار إجراءات وقائية يجب ألا ينفي ضرورة المحاسبة التي تكون مبنية على قاعدة التركيز على مظاهر فساد معينة بعيداً عن التشفي، لتفادي إيجاد عوامل حقد وضغينة أخرى في المجتمع التونسي، وعن قاعدة هتك الأعراض والكذب والافتراء والترويج للأكاذيب حسب تعبيره.

من جانبها، اعتبرت عضو مجلس نواب الشعب هاجر بالشيخ أحمد، أن النصوص التشريعية، رغم صرامتها، لم تمنع استفحال ظاهرة الفساد، واقترحت في هذا السياق، تجميع جميع النصوص القانونية المتصلة بهذه الظاهرة، في مجلة تتعلق بمكافحة الرشوة والفساد وكذلك إرساء منظومة للحوكمة الرشيدة، مع الحرص على تبسيط النصوص القانونية، حتى تكون في متناول المواطن العادي.

وقدرت النائبة أن ظاهرة الرشوة والفساد هي مسألة تقنية وتشمل جميع المجالات، من أعلى الهرم إلى أسفله وشددت في المقابل على ضرورة توعية وتحسيس جميع الفئات الاجتماعية بخطورة الفساد وخاصة فئة الأطفال.

ويشمل ملف الفساد في تونس أساليب الإثراء غير المشروع وأبرز المجالات التي انتشرت فيها الرشوة والفساد كالمجال العقاري والأراضي الفلاحية وأملاك الهياكل العمومية والصفقات العمومية واللزمات والمشاريع الكبرى.

كما طال الفساد مجالات الخصخصة والاتصالات والقطاع السمعي البصري والقطاع المالي والبنكي والرخص الإدارية والجمارك والجباية والإدارة والانتدابات والبحث العلمي والتوجيه الجامعي والقضاء والمحاماة.

الناتج الخام

وحسب تقرير لمنظمة الشفافية الدولية فقد تقدمت تونس في العام 2016 بمرتبة واحدة إلى المركز الـ75 مقابل المركز الـ76 في 2015 بعد أن كانت تحتل المرتبة الـ59 من بين 177 دولة في العام 2010، في الأثناء، اعتبر رئيس هيئة مكافحة الفساد أن مثلث الخراب في تونس هو الإرهاب والفساد والتهريب، مشيراً إلى أن الفساد يشكل 52٪ من الناتج الوطني الخام وهي نسبة كانت قبل الثورة في حدود 25٪.

حيث إن منظومة الفساد التي احتكرتها عائلتا ابن علي والطرابلسي قبل 2011 ما زالت نشطة ومن كانوا يعملون فيها تحولوا إلى بارونات الفساد الجدد، مضيفاً «إن هؤلاء كانوا يعملون داخلها ويعلمون كواليسها ونقاط ضعفها وقوتها وبالتالي لما فر ابن علي وعائلة أصهاره تفطن هؤلاء إلى أن المنظومة ما زالت موجودة فركبوا الموجة من جديد مستغلين ضعف الدولة وأولوياتها».

ويتوافق هذا التحليل مع ما ورد في أحد تقارير البنك الدولي عن وجود مقاومة هامّة للتغييرات المطلوبة في النسيج الاقتصادي التونسي نتيجة وجود لوبي اقتصادي قوي داخل المنظومة الاقتصادية.

حيث إن بعض اللوبيات التي تعودت على جني امتيازات وأرباح خلال نظام ابن علي، تغلغت بشكل عميق وسوف تعترض على أيّة تغييرات تؤدي إلى إلغاء هذه الامتيازات، إلى جانب أنّ الإدارة التونسية لم تتغير مع الثورة وما زالت إدارة عصيّة على ذلك بشكل عميق لسببين اثنين أولهما الخوف من المجهول وثانيهما صعوبة أن يغيّر النّاس ممارساتهم وهو أمر طبيعي.

ووفق المصادر الحكومية تقدر قيمة الفساد في الصفقات العمومية في تونس بنحو ملياري دينار سنوياً مقارنة بـ10 مليارات دينار قيمة الصفقات العمومية، ما يعني أن الدولة تتكبد خسائر تقدر بـ25 في المائة من الحجم الإجمالي للصفقات العمومية، نتيجة الفساد في التصرف في الشراءات العمومية، وهو ما يمثل إهداراً لموارد الدولة وهو ما ينعكس سلبياً على التنمية بحسب رئيس هيئة مكافحة الفساد.

إلى ذلك، كشفت دراسة للجمعية التونسية للمراقبين العموميين حول الفساد الصغير في تونس عن لجوء 27 في المائة من التونسيين لدفع الرشوة لقضاء معاملاتهم الإدارية، وأن العون الإداري هو المتسبب في تفشي الرشوة في الإدارة بنسبة 56 في المائة.

ويحتل قطاعا الأمن والجمارك صدارة القطاعات المعنية بالفساد الصغير. واعتبر 70 في المائة من التونسيين أن الرشوة تسهل معاملتهم اليومية رغم اقتناعهم بمخاطرها على الاقتصاد الوطني، فيما أكد 77 في المائة من الذين شملتهم الدراسة أن الفساد في تزايد من سنة إلى أخرى.

واعتبر رئيس الجمعية شرف الدين اليعقوبي أن الفساد الصغير قد ارتقى إلى مرتبة الوباء الذي ينخر الإدارة التونسية وأنه ظاهرة ما انفكت تتفاقم حسب 77 في المائة من التونسيين وتحولها إلى داء عضال.

بينما قال الخبير الاقتصادي معز الجودي إن 2 في المائة من الناتج المحلي الخام أي حوالي 2.7 مليار دينار هي قيمة مقدار الرشاوي والفساد في تونس التي تذهب إلى جيوب بعض الإداريين وبعض المراقبين الجبائيين للتحايل على نسب الضرائب التي يجب دفعها للدولة.

وبحسب المصادر الحكومية، فإن الفساد تسبب في تفاقم الأزمة الاقتصادية بالبلاد، حيث إن ظاهرة التهريب ساهمت في ترفيع نسبة الاقتصاد الموازي إلى 54 في المائة وغذت بذلك التجارة الموازية بنسبة بلغت 30 في المائة، ما يشير إلى أن التهريب أصبح ظاهرة متطورة نظراً للعمليات التنظيمية والأساليب المتخذة فيها.

ولم تقتصر ظاهرة التهريب على المسالك الصحراوية والجبلية الوعرة بل تجاوزت إلى العبور عن طريق المداخل المنظمة من موانئ ومعابر حدودية وموانئ جوية، كما أن التهريب شمل كل شيء بما في ذلك العملات الأجنبية مما أثر في مخزون الدولة في توازناتها المالية.

عجز قضائي

وإذا كانت هيئة مكافحة الفساد قد رفعت مؤخراً 120 دعوى قضائية ضد مسؤولين وموظفين كبار، من بينهم ثلاثة وزراء بتهمة الفساد، فإن الفرع التونسي لمنظمة الشفافية الدولية، قد ندد بما سماه تخلف القضاء التونسي عن مكافحة الفساد وبقلة شفافية نواب البرلمان الذين لم يصرح سوى 8 في المائة منهم بثرواتهم على الرغم من أن الدستور الجديد يلزمهم بالتصريح بها.

استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد

أعلن رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب، أن النصف الأول من سنة 2018 سيكون موعد الانطلاق الفعلي لتركيز قاعدة بيانات إلكترونية في 10 مواقع نموذجية تابعة لهياكل الدولة، للإبلاغ عن حالات الفساد، من بينها بالخصوص الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، والإدارة العامة للسجون، ووزارة الشؤون الخارجية، ووزارة الشؤون الاجتماعية، والصندوق الوطني للتأمين على المرض.

إلى ذلك، انطلقت تونس في تفعيل الاستراتيجية الوطنية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، التي تم التوقيع عليها من قبل رئاسة الحكومة ورئاسة مجلس نواب الشعب وممثل عن السلطة القضائية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين وممثل عن مكونات المجتمع المدني.

وبعد تحديد المؤسسات الأكثر فساداً، تقترح هذه الاستراتيجية خططاً وسياسات لمكافحة هذه الآفة، ومخطط عمل مفصلاً بالإضافة إلى توضيح المسؤوليات بالنسبة لكل الموقعين على هذه الوثيقة ودورهم في مكافحة الفساد على المدى القريب والمتوسط والبعيد، ولضمان نجاح هذه الاستراتيجية حدد خبراء وطنيون ودوليون مبادئ توجيهية تبنى عليها.

تتمثل بالخصوص في تأكيد الإرادة السياسية على إرساء مقومات الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد لدعم المسار الديمقراطي وحمايته من الانحرافات وتفعيلها، وتحفيز المشاركة المجتمعية في وضع السياسات، ومساندة جهود السلط العمومية في إرساء مقومات الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.

كما ترتكز على تعزيز آليات المساءلة والمحاسبة لفرض احترام القانون من قبل الجميع وضمان المساواة بينهم أمامه وتعزيزها، وإعمال سياسات ترتكز على مبادئ النزاهة والشفافية لضمان حسن التصرف في الموارد والنفقات العمومية، وتطوير وسائل العمل الضرورية لمختلف الفاعلين لضمان تعزيز قدراتهم في مجال الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، إلى جانب توضيح أدوار مختلف الأطراف العمومية الفاعلة في مجال الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد وتسهيل التنسيق في ما بينها.

ولتحقيق كل هدف من هذه الأهداف المرسومة، تم وضع مجموعة من الاستراتيجيات، من بينها تنظيم جرد في القطاعات الأكثر فساداً، تتركز بالخصوص على إجراء مسح ومراجعة معمقة للتقارير السابقة لهيئات الرقابة الإدارية والقضائية والتعديلية، وإثارة التتبعات التأديبية والقضائية اللازمة، علاوة على تدعيم نظام التصريح على الشرف بمكاسب أصحاب الوظائف العليا في الدولة وبعض الأعوان العموميين.

حرب

أعلن يوسف الشاهد جملة من الإجراءات التي ستتخذها الحكومة في الحرب على الفساد، نالت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد حيزاً مهماً منها سواء بصفة مباشرة أو ذات صلة، كما تعهد بالإسراع في إعداد النصوص القانونية ذات الصلة بمكافحة الفساد. ومنها القانون الأساسي المحدث لهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد وقانون الإثراء غير المشروع ومنع تضارب المصالح وأيضاً قانون حماية المبلغين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات