00
إكسبو 2020 دبي اليوم

صيانة الأعمال الفنية في العراق يعوقها ضعف الإمكانيات

ت + ت - الحجم الطبيعي

شهد العراق في العام 2003، أكبر عمليات نهب وسلب نتيجة لغياب السلطة وتردي الأوضاع الأمنية على خلفية الغزو الأميركي للعراق، وانتهاء حقبة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وبروز عصابات ولصوص هاجموا الأبنية الحكومية والمراكز التجارية والثقافية والمتاحف الفنية ومنازل كبار المسؤولين بهدف السرقة..

ومن بين هذه الأماكن الهجوم على مركز الفنون في بغداد. ويعد مركز الفنون في بغداد أو ما كان يسمى مركز صدام للفنون الذي تأسس عام 1986، من أكبر الصروح الثقافية في العراق..

حيث كان يتم فيه استقبال المهرجانات الفنية العالمية والمعارض التشكيلية المحلية والعالمية، فضلاً عن كونه متحفاً يضم لوحات نادرة لكبار الفنانين في العراق تعود لحقب مختلفة، وتتخذه اليوم وزارة الثقافة العراقية مقراً لها، بينما فقد بريقه الفني في مجالات الرسم والنحت والخزف.

آلاف اللوحات الفنية

وكان المركز يضم قبل العام 2003، نحو 8000 لوحة فنية لرواد الفن العراقي وفنانين معاصرين، لكن في أحداث السلب والنهب والسرقات التي رافقت سقوط حقبة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في أبريل العام 2003، أدت إلى سرقة وإتلاف نحو 7000 لوحة..

ولا يزيد عدد اللوحات الموجودة به حالياً على 1900 لوحة أعيدت عن طريق بعض الشرفاء ممن اشتروا اللوحات المسروقة المنتشرة في أنحاء العالم أو كانوا يحتفظون بها لحين استقرار الأوضاع. وتعرضت بعض الأعمال الفنية الراقية للتلف نتيجة للتخزين السيئ، كما أن ما أعيد منها من قبل المهتمين بفن الرسم الذين قاموا بشرائها كان بحاجة للترميم والصيانة، حيث تولت وزارة الثقافة العراقية ابتعاث عدد من الفنانين إلى إيطاليا، ليدخلوا في دورات تدريبية لتعلم الصيانة وترميم اللوحات الفنية وفق طرق حديثة.

مختبر صيانة

وقال الفنان التشكيلي ماهر الطائي لوكالة الأنباء الألمانية: «تم إنشاء مختبر صيانة الأعمال الفنية في المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد التابع لوزارة الثقافة العراقية عند العودة من روما العام 2006، حيث شاركنا في الدورة المقامة هناك لغرض صيانة اللوحات الفنية..

ومنذ ذلك التاريخ قمنا بجرد الأعمال التي تتطلب الصيانة والترميم وعملنا بجدية على صيانتها وإدامتها». وأضاف: «تعرضت اللوحات لأجواء رطوبة وحرارة وأتربة وسوء تخزين وهذا يولد نوعاً من البكتريا التي تتلف اللوحات وألوانها، وكان أهم تحد أمامنا هو القضاء على الشقوق والتقشرات في العمل الفني وقد تعلمنا في دراستنا في روما الطرق المناسبة لتنفيذ الصيانة في هذا المجال». وأردف القول: «قمنا بواجبنا ومارسنا كل العلوم التي تعلمناها..

إلا أننا لا نزال نبحث عن أجهزة حديثة للصيانة وهذا لم يتوافر حتى الآن للأسف وهي تكمل عملنا وتعيد للوحة بعضاً من بهائها الأول، وهي بحاجة إلى تخصيصات مالية لترميم اللوحات بشكل علمي وفني متقن يؤدي إلى الاعتراف بها عالمياً، وهذا

الترميم المتقن تكمله الأدوات الإلكترونية الحديثة، والذي يعطي طابع الأناقة في تنفيذ الصيانة والآلات الحديثة، تساعدنا على اكتشاف مراحل اللون مجهرياً وتقتل البكتريا التي تتلف العمل الفني وتعالج كمد الألوان الناتج عن تفاعل الألوان كيمياوياً بسبب تقادم الزمن على اللوحة».

منذ العام 2006 وحتى الآن قام المختبر بعمليات صيانة كثيرة شملت نحو 50 لوحة سنوياً، ويشترك في ذلك عدد كبير من الفنانين ومن بين اللوحات التي تمت صيانتها لوحات تعود إلى فنانين عراقيين كبار أبرزهم: فرج عبو، وعبدالقادر الرسام، وجواد سليم ماهود أحمد وآخرون.

وقال الطائي: «نحن لا نقوم بإعادة رسم الأعمال الفنية القديمة، لأنها جريمة، حيث ليس من الصحيح إعادة وضع الألوان على عمل متحفي ومن الممكن أن نجري الإضافات على اللوحات حينما يطلب منا أصحابها الذين مازالوا أحياء إما الأعمال المتحفية التي تعود إلى أكثر من مئة عام وقد رحل أصحابها فلا يحق لنا التلاعب بها». وأضاف أن «عملنا في المختبر يقتصر على إجراء الصيانة وإيقاف الضرر فقط

ترميم اللوحات

والحفاظ على الحقبة الزمنية للوحة، فمثلاً لوحة الفنان عبدالقادر الرسام عمرها 100 عام، وقد تعرضت للتشقق وقمنا نحن بتليين التشقق، ولكننا مازلنا بحاجة للأجهزة الحديثة لإجراء الترميم، ولكني سأتوقف بهذا العمل إذ لا يمكن إضافة أي لون وإلاّ فإني سأتلف العمل الفني كله».

وذكر الطائي: «نحن حالياً نخاطب الإنتربول بخصوص اللوحات المسروقة منذ العام 2003، كما أننا نطالب المسؤولين بمفاتحة منظمة اليونسكو لتكون لوحات الفنانين الرواد ضمن الجرد العالمي، ولكن أقولها بكل أسف إن الاهتمام الفني ليس من ضمن أولويات السلطة والمسؤولين وأنا كفنان أعتقد أن إطار لوحة أهم من 100 كتاب رسمي يوجه إلى أي جهة مهما بلغت من الأهمية».

عمليات الجرد

وأوضح: «نحن سنوياً نجري جرداً على اللوحات ونعطيها رمزاً وتاريخاً وتؤرشف إلكترونياً، كما أننا نصور اللوحة قبل الترميم وبعد الترميم واسم الشخص الذي قام بعملية الصيانة، وتكون المعلومات باللغتين العربية والإنجليزية وبعد عملية الترميم نغلف اللوحة ونحفظها في المخازن وتكون جاهزة للمشاركة في المهرجانات».

وذكر الطائي: «بعد الصيانة نغلف العمل الفني ونحفظه في المخازن ونحن نقدر أنه يجب أن تكون المخازن مهيأة بطريقة علمية لحفظ اللوحات من ناحية الضوء والرطوبة ودرجات الحرارة، ويجب أن تتوافر مفرغات الهواء ولم تقتصر فعاليات المختبر على صيانة اللوحات الفنية بل شمل أيضاً الأعمال النحتية والمخطوطات والرسومات الورقية التي لم يتسن للفنانين إتمام عملية النحت والرسم لها، حيث يواجه الفريق صعوبات في عملية الصيانة بسبب رقة الورق رغم اتباع طرق عملية في عمليات الصيانة».

وقال الطائي: «أقدر عالياً جهود الشباب العراقيين في غسل وتنظيف نصب الحرية وسط بغداد للفنان الراحل جواد سليم، لكنني أقول لهم لا تساعدوني في هدم بيتي وجهودكم مشكورة ومبادراتهم بحسن نية لإصلاح المشهد، ولكنهم في الحقيقة يتبعون طرقاً خاطئة جداً في التنظيف بعيدة عن الطرق العلمية».

وإذا كان الإرهابيون في تنظيم داعش دمروا الآثار العراقية التي تعود لآلاف السنين والمتاحف في الموصل وسرقة البعض منها، فإن الجهات العراقية المسؤولة مطالبة بصيانة هذه المقتنيات الفنية الرائعة التي تشكل جزءاً من تاريخ العراق.

طباعة Email