العالم يبحث عن مصادر جديدة أكثر أمناً ونظافة وأقل تكلفة

توليد الطاقة من الرياح حلم صار واقعاً

صورة

بديهي أن الاتهامات تشير إلى ما أصبح يعرف باسم الانبعاثات الكربونية التي تنتج عن استخدام هذه المصادر الأحفورية، ومن ثم ينتج عنها ما يعرف أيضاً بأنه غازات الاحتباس الحراري التي تؤدي بدورها إلى ارتفاع درجة السخونة سواء على سطح اليابسة أو على صفحة البحار والمحيطات وكأنه داء الحمى التي تصيب كوكب الأرض الذي نعيش بين جنباته.

من هنا كان التماس البشرية مصدرا للطاقة في الرياح، أولا بوصفه مصدرا مشاعا في كل بقعة من العالم.. وبوصفه ثانيا مصدرا متاحا بغير ثمن ولو من الناحية النظرية، وبوصفه ثالثا مصدرا للطاقة التي تحمل صفة «النظيفة» ثم بوصفه رابعا مصدرا غير قابل للنضوب ولا هو معّرض ـ في ظل الظروف الطبيعية ـ للجفاف أو النفاد. وإذا كنا قد استخدمنا من باب الاحتراز العلمي عبارة «من الناحية النظرية» فالمعنى أن تحويل الرياح من مصدر مبدئي للطاقة الأولية ـ مصدر خام كما قد نقول ـ إلى حيث تصبح الظاهرة الريحية طاقة ذات استخدام مُجدٍ اقتصاديا ليس بالأمر المتاح ولا الميسور في كل الأحوال.

وهو يقتضي بالتالي دراسات وبحوثا وعمليات تخطيط وتصنيع بالغة الطموح بحيث تهدف في التحليل الأخير إلى محاولة التماس ولو مكان شديد التواضع لطاقة الرياح حتى لا نقول موطئ قدم في هذا العصر الحالي الذي لا يزال فيه مضمار الطاقة الكوكبية خاضعا لسطوة العنصر ـ السيد الذي ما برح يحمل اسم.. البترول.

زيادة استغلال الرياح

مع ذلك، فلأن التقدم البشري أمر إيجابي في حد ذاته.. فمما يسترعي اهتمام الباحث في هذا الميدان حقيقة نراها ذات دلالة هامة في هذا الخصوص وهي.. باختصار شديد:

إن القدرة العالمية في مجال استغلال طاقة الرياح زادت في عام 2008 بمعدل يفوق نظيره من الزيادة التي شهدتها الأعوام العشرة السابقة حيث كان هذا الحجم في يناير من العام المذكور يبلغ نحو 27 ميغاوات من الطاقة ف إذا بالعام يختتم أيامه بما يصل إلى نحو 121 ميغاوات من الطاقة، وقد تجسدت هذه الزيادة بدورها في ارتفاع عدد المنشآت والتركيبات المتعلقة بتوليد الطاقة من الإمكانات الريحية.. وبلغت نسبة هذه الزيادة ـ كما تشير المراجع الموثوقة ـ نحوا من 29 في المائة.

وإذا كانت أميركا تمتلك زمام المبادرة في هذا الميدان فإن الأرقام تدل على أنها أضافت إلى منشآتها المستخدِمة لطاقة الرياح حجما جديدا بلغت نسبته 42 في المائة.. وهو ما يمثل أيضاً ـ وكما تؤكد نفس المراجع العلمية ـ ثاني مجال يشهد هذا التوسع بعد طاقة الغاز الطبيعي.

مرجع موثوق

ومن المراجع الموثوقة التي نحيل إليها في هذه السطور التقرير الدولي الصادر مؤخرا عن «معهد رصد أحوال العالم» في العاصمة الأميركية واشنطن، حيث تؤكد الباحثة «جانيت سوين» في دراسة بشأن استخدام طاقة الرياح أن هناك نحو 80 بلدا في العالم باتت تستغل هذه الطاقة على أسس تجارية بعد أن تجاوز هذا الاستخدام بالطبع.. المراحل التمهيدية ما بين البحث والتطوير إلى ارتياد آفاق الطرح والتجريب.

مع هذا كله فالأمر لا يزال محدودا، بمعنى أن البشرية مازالت تتخذ خطواتها الثانية بعد الأولى على طريق الألف ميل على نحو ما تذهب إليه الحكمة المتواترة الشائعة.

في عام 1997 كانت الخطوة الأولى المشار إليها وتمثلت في أن توليد الكهرباء من طاقة الرياح لم يكن يتعدى نسبة واحد من عشرة في المائة. وفي عام 2008 سجلت هذه النسبة الخجولة كما نراها ارتفاعا مشهودا لتصل إلى 5,1 (واحد صحيح ونصف في المائة).

ورغم تواضع هذه الأرقام إلا أنها ـ كما نرى ـ تسجل زيادة مطردة، ولو بصورة نسبية، وهو ما يومئ إلى أن الأمر بات يجتذب الأنشطة والدوائر التجارية والأوساط الاقتصادية لكي توظِّف استثمارات طائلة بكل المقاييس في هذا الميدان..

ويلاحظ المحللون في هذا الخصوص أن ألمانيا تتصدر قائمة الدول التي اهتمت باستخدام الرياح في توليد الكهرباء، فيما يلاحظون أن ولاية تكساس تتصدر قائمة الولايات الأميركية في الإفادة من طاقة الرياح وهو أمر له دلالته الخاصة باعتبار أن تكساس هي ولاية البترول بالدرجة الأولى على صعيد المشهد الأميركي بأكمله.

في نفس الترتيب يأتي العملاق الآسيوي الذي يحمل اسم الصين حيث يلاحظ مدى الاهتمام الشديد الذي يوليه النظام الحاكم في بيجين لتوليد الكهرباء من طاقة الرياح.. وهو أمر مفهوم بداهة في ضوء الاتساع المطرد في مجال الإنتاج الصناعي وأيضا في ضوء افتقار الصين إلى مصادر الوقود الأحفوري ـ النفط والغاز.. ومن هنا تتواصل الجهود الصينية في مجال استغلال هذه المصادر المتجددة.. والنظيفة كما يسمونها من الطاقة وخاصة من الرياح والشمس ولدرجة أن أنشأت حكومة بيجين مؤسسة حملت الاسم التالي:

الرابطة الصينية لمشاريع صناعة الطاقة المتجددة. وقد خططت الرابطة المذكورة للوصول بإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح إلى 50 ألف ميغاوات بحلول عام 2015.

محور بريكس

في كل حال فثمة ظاهرة من التسابق ـ الإيجابي كما قد نراه ـ في مجال الانتفاع من الطاقة الريحية. تتصدر فيالق هذا التسابق الأقطار المتحولة بسرعة إلى التصنيع مثل الهند في آسيا التي تصدرت فيها ولاية «تاميل نادو» في جنوبي البلاد هذا الإنتاج من الطاقة الريحية بفضل مسارعة الولاية المذكورة إلى رسم واتباع سياسات ناجعة شملت تقديم حوافز وإعفاءات ضريبية لصالح تلك الاستثمارات الريحية.

فضلا عن تيسير تجهيز وتركيب وصيانة توربينات التوليد في «مزارع الرياح» التي انتشرت في أنحاء شتى من الولاية المذكورة وهو ما شكل نموذجا تسعى سائر الولايات الهندية في محاكاته ومحاولة النسج على منواله..

وليس صدفة أن يضم هذا المحور الآسيوي ما بين الصين والهند طرفا آخر ينتمي إلى المحور اللاتيني، وهو البرازيل التي يصفها بحث الأستاذة «سوين» الذي نحيل إليه بأنها الدولة الوحيدة في قارة أميركا اللاتينية التي استطاعت أن تحقق زيادة ملموسة أضافتها إلى استغلال الطاقة الريحية وتجسدت في زيادة مقدارها 94 ميغاوات من الطاقة في عام 2008.

وطبعا فلا مجال للمصادفة في هذا السياق، فالمعروف أن كلا من الصين + الهند + البرازيل هي بمثابة الأعضاء المؤسسين في ما أصبح يعرف باسم مجموعة «بريكس» التي صّنفها الخبير الاقتصادي الدولي البروفيسور «ساكس» وضم إليها ـ كما هو معروف ـ روسيا ثم خلع عليها وصف الاقتصاديات الصاعدة أو الناهضة التي ينبغي أن يحسب لها حساب في مستقبل الأيام، لا على مستوى العالم النامي وحسب ولكن حتى على صعيد مجموعة الثمانية التي تضم الدول الصناعية ذات الاقتصاديات المتقدمة.

مع ذلك لا نكاد نلحظ ذكرا لروسيا رغم كونها عضوا أصيلا ـ كما أسلفنا في مجموعة بريكس.. وقد نتصور ولو مبدئيا أن السبب ربما يرجع إلى أن الاتحاد الروسي كيان مكتفٍ ذاتيا بل وناشط في مجال التصدير بالنسبة للبترول والغاز، وربما يرجع الأمر إلى عدم توافر أرقام وإحصاءات ذات مصداقية تركن إليها الباحثة جانيت سوين التي عرضت أيضاً في دراستها إلى جهود دول نامية في أفريقيا لاستخدام طاقة الرياح تتصدرها ـ كما يقول البحث ـ كل من مصر والمغرب وتونس، إضافة إلى دول في الشرق الأوسط مثل إيران وتركيا.. في حين أن البحث يتوقف مليا عند دولة أوروبية بالذات هي اسبانيا.

لماذا؟

لأنها ناشطة بشكل ملحوظ في استغلال الطاقة الريحية لدرجة أن احتلت المرتبة الثالثة في هذا المضمار بعد كل من أميركا وألمانيا.

في هذا الخصوص يقول البحث الذي نحن بصدده ما يلي:

ـ تمكنت اسبانيا في عام 2008 من توليد نسبة 11 في المائة من مجموع احتياجاتها من الكهرباء من واقع طاقة الرياح. وفي هذا الصدد أعلنت مؤسسة «انديسا» للكهرباء في عموم اسبانيا عن خفض أسعار التزود بالطاقة الكهربية.. وثمة دراسة صدرت مؤخرا لتفيد أن «صناعة الرياح» أصبحت تسهم في الناتج المحلي الإجمالي لاسبانيا بأكثر مما تسهم به أي صناعة أخرى.

أوف شور

أما الملاحظة العامة التي توردها الباحثة «جانيت سوين» فتفيد أيضاً بأن معظم أنشطة توليد الطاقة من الرياح ظلت تتم على سطح اليابسة.. ولكن ثمة اتجاها مستجدا يشير إلى أن هذه الأنشطة الريحية بدأت تمتد إلى مواقع بحرية على مقربة من السواحل.. «أوف شور» كما يسمونها. وتلك هي المواقع الرائدة التي بدأت تشهدها المناطق الشاطئية في أوروبا بالذات وهي الآن في مرحلة التخطيط انتظارا لإنجازها ومن ثم وضعها موضع التشغيل بحلول عام 2015.

ماذا إذن عن التكاليف؟

رغم أنها ما برحت جسيمة نسبيا.. إلا أن الميزانيات القومية تعمل على تّقبلها بقدر ما تزداد القناعة بجدوى استغلال طاقة الرياح وبقدر اشتداد ساعد الدعوة البيئية إلى التحول نحو انبعاثات كربونية أقل وهو ما يجسده الشعار المعروف: نحو بيئة خضراء.

من هنا تفيد الإحصاءات بأن السوق العالمية لتوربينات مصانع ـ أو مزارع الرياح بلغ حجمها 5,47 مليار دولار في عام 2008 وبزيادة أكثر من مرموقة مقدارها 42 في المائة عن عام 2007.

وبمناسبة «الوظائف الخضراء».. تدل الإحصاءات أيضاً على أن عدد العاملين المستخدمين في هذا المجال الريحي.. الأخضر بلغ بدوره نحو نصف مليون عامل وموظف.. وإن كانت الأزمة الاقتصادية قد تسببت في إعاقة تحقيق زيادات في هذا المضمار سواء من حيث التكاليف أو من حيث حجم العمالة المستخدمة.

ومن عجب أن يكون لنفس الأزمة وجه آخر وهو بُعد إيجابي في الوقت ذاته.. صحيح أن الأزمة أوقفت جزءا من اندفاعة النشاط في سوق طاقة الرياح.. لكن الصحيح أيضاً أن نفس الأزمة أدت إلى انخفاض أسعار توربينات الرياح وتقليل تكاليف نصبها وتركيبها وتشغيلها وهو ما أدى إلى حفز شركات متعددة إلى مواصلة، وربما توسيع، أنشطتها في هذا المجال.

وصحيح كذلك أن تكنولوجيا طاقة الرياح تعد أغلى في التكاليف بالمقارنة مع الفحم على سبيل المثال ـ هكذا تقول دراسة أخرى عن «حالة الصين» بقلم البروفيسور مايكل ليفي (مجلة فورين أفيرز، عدد أكتوبر 2009) إلا أن تطويرها يمكن أن يضفي على الصين في نهاية المطاف ميزة اقتصادية عندما يشتد الطلب المحلي على التوربينات التي تقوم الصين بتصنيعها وإنتاجها تمهيدا لتصديرها فما بالك إذا ما اشتد الطلب عليها في بلدان أخرى خارج حدودها.

والمهم أن إمكانات الرياح بوصفها مصدرا واعدا للطاقة تخطو بشكل وئيد على طريق طويل من التطور والنضوج.

والأهم أن تقّدر دراسة صادرة في الدانمارك أن طاقة الرياح من شأنها أن تشكل نسبة 6 في المائة من مجموع حجم توليد الكهرباء على مستوى العالم كله..

والنسبة ليست بسيطة، خاصة عندما نعرف أن الموعد المتوقع لبلوغها هو عام 2017 وهو تاريخ ليس بالبعيد في كل حال.

محمد الخولي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات