EMTC

اشتبك مع مصر والأردن وإيران ومؤخرا سوريا

تهديدات ليبرمان تعكس إسرائيل الحقيقية

لا يمكن التعاطي مع التصريحات التهديدية لسوريا، والتي أدلى بها افيغدور ليبرمان، مؤخرا، وهو وزير خارجية إسرائيل، وزعيم حزب «إسرائيل بيتنا» (لليهود الروس)، على أنها زلّة لسان، أو أنها مجرد تصريحات لأحمق، أو لأزعر، لا يعي محيطه، وقادته الظروف كي يتزعم ثالث أكبر حزب في إسرائيل (بعد حزبي كاديما وليكود مع 15 مقعدا في الكنيست).

ومعلوم أن ليبرمان كان وجه تصريحات سابقة هدد فيها بهدم السد العالي في مصر، وتناول فيها من الرئيس المصري، كما وجه تهديدات حتى للأردن، ولم يوفر إيران قط. وليبرمان هذا هو وراء الإهانة التي ألحقها نائبه مؤخرا بالسفير التركي، والتي فاقمت من أزمة العلاقات الإسرائيلية ـ التركية، كما انه مسؤول عن التوتر في علاقات إسرائيل مع كل من النرويج والسويد والدنمارك، حتى أن تصريحاته الفجّة جعلت العديد من الدول، وضمنها دول أوروبية، تحجم عن استقباله؛ إلى درجة أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي طالب نتانياهو علنا باستبداله.

وفي الواقع فإن ليبرمان لا يأتي بشيء جديد، وتصريحاته ليست خارج السياق، وإنما هو يكشف السياسة الإسرائيلية على حقيقتها العارية، والتي تتأسّس على القوة والصلف والوقاحة، بخلاف غيره من قادة إسرائيل، ووزراء خارجيتها، من أصحاب «القبضة الناعمة»، كشيمون بيريز، مثلا، الذي شنّ الحرب على لبنان وارتكبت في عهده مجزرة قانا (1996)، وكتسيبني ليفني التي شنّت الحرب المدمرة على غزة في عهدها، علما أن الاثنين من المحسوبين على معسكر «الحمائم» والسلام في إسرائيل.

هكذا فإن تصريحات ليبرمان هذه تعبر تماما عن حقيقة السياسة التي انتهجتها إسرائيل طوال العقود الماضية، إزاء العالم العربي، والتي تنبني على الردع، والتهديد والوعيد والابتزاز، مستغلة في ذلك طغيان موازين القوى العسكرية لصالحها، وضمان الولايات المتحدة لأمنها وتفوقها النوعي في مختلف المجالات، وتغطيتها لها من الناحية السياسية؛ وهو ما أكدته مجمل الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ قيامها (1948) إلى الحرب التي شنتها على إسرائيل على غزة، في مستهل العام الماضي.

ما يؤكد ذلك أن ردّة الفعل الإسرائيلية، في أوساط الحكومة، كانت عادية جدا، حيث تناولت فقط الشكل، دون المضمون، مع توجيه رسالة مفادها أن ليس في نية إسرائيل، في هذه المرحلة، الإقدام على خطوة حربية إزاء سوريا، برغم متابعتها «تعزز العلاقة بين سوريا وحزب الله، في مجالات حساسة.. بإسناد إيراني.»(تقرير «هآرتس»، 5-2)

وينبغي التنويه هنا إلى أن هذه التصريحات جاءت عقب تصريحات تهديدية أدلى بها أيهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي، مؤخرا، قال فيها انه «من دون تسوية سياسية قد تنشب حرب مع سوريا». (عاموس هرئيل، «هآرتس»، 5-2) ومع أن باراك حاول تفسير تصريحاته بأنها في سياق الحضّ على تغيير وجهة الدفة، من التسوية الفلسطينية (المتعثرة) إلى التسوية مع سوريا، إلا أن ثمة تسريبات صحافية تفيد بأن رئيس الحكومة الإسرائيلية مرتاح للتجاذب داخل حكومته بين قطبي ليبرمان وباراك في الشأن السوري. ويرى البعض بأن أسلوب ليبرمان ليس المفضل ومع ذلك فإن الرسالة التي أطلقها كانت مطلوبة.

وفسر نتانياهو موقفه هذا بأنه من غير المقبول على إسرائيل أن تمرر تهديد وزير الخارجية السوري وليد المعلم بضرب المدن الإسرائيلية إذا نشبت مواجهة في لبنان، ولذلك فإنه يوافق على رد ليبرمان. مع كل ذلك فإن تصريحات ليبرمان أثارت بلبلة على الصعيد الدولي، فبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت 5-2» فقد سارعت الإدارة الأميركية بطلب إيضاحات من إسرائيل وبعثت برسائل عاجلة دعت فيها إلى تهدئة الخواطر في الجبهة السورية.

أما على صعيد المؤسسة العسكرية، وبرغم التبرم من تصريحات ليبرمان، التي اعتبرت غير مسؤولة، وبرغم تزايد القبول للتوجه نحو مفاوضات تسوية مع سوريا، فثمة بعض من قادة الجيش الإسرائيلي رأوا الأمر بشكل مختلف.

وفي هذا الإطار، فإن قائد المنطقة الوسطى الجنرال آفي مزراحي، ردّ أمام مستوطنين، على تصريحات وزير الخارجية السوري (بشأن الرد في مدن إسرائيل إن شنت إسرائيل حربا جديدة)، بالقول: «بوسع سوريا أن تصل إلى مدننا باستخدام الصواريخ، ولكننا في الوقت ذاته يمكننا أن نصل إلى دمشق.

افترض أنهم فهموا ماذا يمكننا أن نفعله. لو كانوا يعرفون أن هناك ميزانا آخر لشنوا الحرب. لدينا ميزان ردع والسوريون يعرفونه..الجميع رأى ما يستطيع الجيش الإسرائيلي فعله. رأوا ذلك في لبنان 2006، كيف أننا دمرنا في الضاحية في اقل من دقيقة ستة مبان من دون أن نضر المحيط. يوجد لهذا ميزان ردع.. إذا اضطررنا فسنهزمهم هزيمة لا لبس فيها «. (»معاريف»، 5-2)

لكن مقابل كل ذلك ثمة وجهة نظر أخرى، بحسب المحلل الإسرائيلي رون بن يشاي، مفادها أن «السوريين لا يخافون كثيراً، بل يشعرون تحديداً أن الحظ ابتسم لهم.. للضغط على إسرائيل..ترى القيادة السورية شهادة على الضعف والخشية لدى إسرائيل من قوة المنظومة الصاروخية التي لدى حزب الله وسوريا. هذا الضعف يحاول زعماء سوريا التلويح به الآن، ولذلك يُصعدون تهديداتهم».

(»يديعوت أحرونوت»، 5-2)

إضاءة

عن ثمن الحرب مع سوريا كتب بن كسبيت: «ليبرمان..ينفخ الروح في الجمر المتوقد ويشعل النار الكبرى كما فعل مع الأسد..: «إن اندلعت الحرب..ستفقد الحكم».. لكن يا سيد ليبرمان ما الذي سيحدث؟ ربما تتحول سوريا أيضا (بعد العراق) إلى دولة إسلامية متطرفة؟

وربما يسيطر الإيرانيون عليها؟ ألا تدرك يا سيدي وزير الخارجية أهمية بقاء سوريا كدولة علمانية واقعية مستقرة ذات حدود هادئة..؟ أكنت ستقول للسادات أيضا نفس الكلمات لو هدد بالحرب؟ هذا بالضبط ما قلناه في حينه.. ولكن ما الذي حدث بعدئذ؟ أعدنا لهم سيناء ولكن ليس قبل أن ندفن 2700 شاب يافع من شباننا. (»معاريف»، 5-2)

ماجد كيالي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات